■الأحلام بين العلم و العقيدة
-يبدأ علي الوردي بقصة طبع كتابه هذا تحت وصف قصة لا تخلوا من طرافة[يقول بما معناه أنه أعتاد استشارة اصدقاءه المقربين قبل طبع كتاباته خوفاً من أي اعتراض سياسي،يعني رجل يحب الكتابة لأجل الكتابة و لأنه يستمتع بالكتابة،و ليس هو ذاك الرجل الذي يملأ قلبه إيماناً بما يقول و يجاهد لنشر كلمة حق(أنه رجل علم و العلم يغير نظرياته كل يوم،هذا تعليله لاسلوب تفكيره،و ماكتبته عنه هنا بأول قراءتي للكتاب أكده هو بأخر الكتاب)،و بما أننا هنا سنقرأ أيضا كتاب المهدي _عليه الصلاة و السلام_حقيقة الوحي،لن ألجأ للمقارنة بين باحث و نبي مرسل،بل أكتفي أن أقول أن كلام المهدي هو جازم و موضح لأي شك يطرحه الكاتب و جواب لأي سؤال،و يكفي لأي أنسان يقرأ الكتابين معاً أن يشعر انها مناظرة سؤال و جوابه،و كأنك جالس تشاهد شخصين أحدهما يطرح اسئلة و أفكار مبعثرة و أخر ينظمها و يرتبها و يجيب عليها بكل دقة و شمولية،الأول هو علي الوردي الكاتب الذي يحب قلمه و يستمتع بالكتابة و هو لا يدافع عما يقول كل الدفاع و كل الجهاد في سبيله لأنه هو مجرد ملاحظ للحالة غير مستقر في تحديد أبعادها،سرعان ما خشي الناس عند أول هجوم تعرض له ،و الثاني هو المهدي _عليه الصلاة و السلام_ من يملك القلب الشهيد و العين المشاهدة و الأذن الواعية،المطلع على الغيب،من يعرف حقيقة الوحي ،الملبي لنداء الله في التبيين للعباد و التفصيل و تزكية النفوس و أعطاءها الدواء لكل داء عضال،رجل امتلئت روحه بطلب الحق فملأ الله قلبه يقين،و الذي هو كله يقين بمعية الله له،فقد جرب ذلك،و لا يخشى أحد في قول كلمة الحق]و لعل الشيء الذي رأه الوردي طريف هو أنه لم يخطر على باله أبدا و هو يكتب هذا الكتاب ذلك الاعتراض الذي استخرجه صديقه المقرب،ثم بعد فترة تحدث جلبة بسبب مقال لأحد الكتاب يتحدث فيها أن الأسلام ساوى بين الناس،و في حقيقة الأمر أنها قصة طريفة حقاً و تدعوا الوردي لتأمل كتابه هذا من جديد،ربما هذه المرة على علي الوردي أن يتأمل كتابه ليس بصفته مختص بعلم الاجتماع، بل بصفته إنسان في مجتمعه فيشفق على نفسه و على من حوله فتطلب روحه الدواء بعد أن عرف أن هناك مرض لم يستطع تحديده أو تشخيصه أنما أستطاع معرفة بعض أعراضه بشكل عارض و سطحي،كأنه مجرد ممرض يسحب عينة و لا يدري كيف يحللها،يعطي حقنة لا يدري أهي الدواء المخلص،أم هي المسكن و المخدر،يجود الكاتب بعواطفه أمام مريض أيقن بحسب خبرته بالتمريض أن لا نجاة لحياته،فالأصابة شظية في الدماغ يصعب اقتلاعها أو التعايش معها،و لا ألوم الوردي على خبرته القليلة،فضحايا الحرب بحالتهم المؤلمة،أخرجت للعالم قلوب تعطف بألم و تكتب بتشتت و حيرة،تمر سنوات و لا تستجمع كلمة تامة كاملة لتؤمن بها،قلوب تجود بعواطفها و دموعها و آهاتها،باحثة عمن تخفف عنه آلامه و يخفف عنها خوفها و غربتها،و لكني ألومه على يأسه و قنوطه من رحمة الله الواسعة،فعدم أمتلاك الخبرة الكاملة لا يبرر لنا اليأس من رحمة الله.
_يقول علي الوردي أن تلك الأحلام التي شكلت عقيدة أن محبة آل بيت الرسول تنجي من غير أخلاق و عمل صالح و ثورة على الظلم،هي كارثة على بنية المجتمع.
-أضرحة و همية:قد بدأ الكاتب أول فصل و هو أخلاق و عقائد باستغراب في نفسه و حسن ظن ثم أخذ يستعرض في أضرحة وهمية حالات دجل و خداع ،و كأن هذا الكاتب في رحلة حقيقة صادقة ليكتشف حقيقة الأحلام،و كأن الأمر هو شخصي بالنسبة له قبل أن يكون عمل و واجب كاتب ،يبدو لي أن الكاتب مؤمن و لكن عندما يبدأ المرء في البحث عن الحقيقة،تفتح له أبواب عديدة من المتناقضات و الفرضيات،لتتجوهر لديه الحقيقة المطلقة و تتبلور و يستشف من خلالها جمال الله و جمال صنعه و دقته،و ربما هكذا أراد الله لهذا الكتاب أن يكتب بهذا الترتيب المحكم.
و قد استوقفتني قصة مزعل الفحام التي نقلها علي الوردي عن جعفر الخليلي،حاولت فهم بغية الكاتب من هذه القصة،ففهمت منها أن الكاتب يقول أن الناس في جوع وعطش شديدين لبركة المقدسين و للبركة الروحية،في هذه القصة ابداع عظيم،أن الناس في حياتهم الروحية هم كحال مزعل الفحام بحياته المادية و قد كُتب في وصف مزعل((فقيراً كل الفقر ،يكدح طيلة العام في عمله دون أن يجد فيه نفعاُ))أليس هذا العطش و الجوع لبركة المقدسين هو حقيقة بفطرة الأنسان يؤمن بها إيمانا فطريا حتى أنه في بعض الأحيان يخدعه وهم الدجالين،فالوهم الذي من الممكن تصديقه هو ناتج عن حاجة فطرية غريزية،كذلك قصص الاضرحة الوهمية،الانسان من اعماقه يؤمن بأن هناك أشخاص مقدسين عند الله ،ينال المرء البركة بالتقرب منهم،و ذلك حقيقي و اكثر جمال من الوهم الذي ينساق وراءه مخدوعي الأضرحة الوهمية،فالانسان الطاهر المقدس المبارك هو بركة لمن حوله من المردين الطائعين،فالأن أخبروني أليس حقيقة أن الأنسان بفطرته يؤمن بقدسية الأطهار و ببركتهم دليل على استمرار النبوة و البعث،فمن اطهر و اصدق من النبي على طول الخط،فطوال حياتهم تتنزل البركة عليهم و على من حولهم،و اذا كانت البركة في مقامات الصالحين حقيقة لا يمكن أنكارها،فمن باب أولى أن يجعل الله الحي بركة انسان حي بين الناس يعلمهم و يعطف عليهم و يزكيهم و يسقيهم شرابا سلسبيلا،اليس في هذا الارسال و البعث من الله تمام كمال بركة الله على العبد الطاهر و من حوله،أليست صفات الله لا تتعطل و تتم بأكمل وجه و أتم صورة،فكيف يمكن أن تتم فيض بركة الله على العبد الطاهر و من حوله إذا لم يمكن هذا العبد بأتم صورة و هي صورة النبي،فالحمدلله المعطي لم يحرم عباده من عطاياه بل بعضهم من هم اختاروا أن يكونوا من المحرومين،عندما رفضوا تصديق مبعوث السماء_و من يكمل فقرة أضرحة وهمية حتى نهايتها تتعمق عنده هذه الحقيقة
_نتائج و أسباب:يقول الكاتب هنا[خلاصة القول إن الإيمان بالاحلام كثيرا يؤدي الضرر من الناحية و النفسية و الاجتماعية،و لا يفوتني أن اذكر هنا بأني ألتقيت ببعض الناضجين من رجال الدين اسالهم عن هذا الأمر فرأيتهم يذهبون فيه مذهب المعتزلة و الزيدية القدامى،و يقولون بأن الاحلام كلها لا تصلح دليلاً على شيء،أني أتمنى أن ينتشر هذا الرأي الرصين بين جمهور المسلمين،و هذا هو مقصدي الأول من تأليف هذا الكتاب]انتهى،و الأصح أن لا ننفي صحة الأحلام بهذا الشكل القاطع و الكلي،فلا يجوز هذا النفي الكامل للأحلام،فالأصح و الأجمل و الأكمل أن نوضح حقيقة حامت حولها الاوهام و الشبهات و الخرفات على أن ننفيها نفيا تاما،و قد فعل المهدي الحبيب_عليه الصلاة و السلام_في حقيقة الوحي ذلك،بكل بساطة و تبسيط و بكل ثقة و إيقان و أتقان وضح حقيقة الوحي،فلا يضيع أنسان بعدها في طرق الظلم و المظلمين،و الوهم و الواهمين،الحمدلله رب العالمين.
و أنقل هنا فقرة مهمةجدا من الكتاب[إنهم بعبارة أخرى لا يرون فرقا بين العلم و العقل،مع أنهما قد يفترقان و يختلفان أحيانا كثيرة،فالعقل إذا كان تجريديا يأخذه مقاييسه من المألوفات التي نشأ عليها،لهذا نجده اليوم يحكم على شيء بأنه غير معقول ثم يكتشف أخيرا أنه معقول بعد أن يعتاد عليه،اما العلم فلا يحكم على شي إلا بعد ان يجري عليه التجربة و يتثبت منه تثبتا موضوعيا،و هو لا يبالي بعد ذلك بمألوفات الناس أو اعتبارتهم العقلية]
_آراء القدماء في الأحلام:الأحلام عند البدائين:قد عرض الكاتب هنا أراء القدماء،و أقول أني استنتجت من هذا العرض ان الأحلام تكون رؤى صادقة عند الأنسان كلما كانت أخلاقه طيبة و حسنة و كلما كان أكثر سمو و رقي كان أقرب للرؤيا الصادقة،و الكاتب يقول ان التوجه الصوفي هو النوع الثالث الذي كان شديد الأصرار على أهمية الأحلام و كما نعلم ان اساس التصوف هو الأخلاق و الأحسان ،و في ذلك تفسير منطقي،فمن يسلك طريق الخلق و الأحسان لوجه الله الذي هو غيب،يبقى قلبه متعلق بالغيب و له من الكفاءة و الأفضيلة ما لا ليس لغيره من الناس.
_يقول الوردي أن للاحلام أهمية منذ القدم،أي أن ذلك يدل بوضوح أن الحلم الذي هو موضع اهتمام منذ القدم هو شيء ثمين حقاً و مؤثر بنفس الانسان و الاسباب كثيرة،فمثلا هو أول ما دعا الانسان بالتفكير بالغيبيات و هو محفز جبار على التطور و النمو مهما كان التفسير أو الشكل الذي منحناه للحلم على تطور العصور،فكل ما يدفع الانسان للسؤال و التعجب و الاندهاش هو سبب لترقيه و تطوره،و الحلم هو أول ما دفع الانسان للسؤال و التعجب و الاندهاش،.و قد قيل هنا بما معناه أن الحلم هو تركيبة باطنية للانسان تمثل شخصيته و افكاره و توجهاته و باطنه،و رغباته و عقد نقصه ...الخ،لكي نعرف أن نفسر الحلم يجب ان نعرف شخصية الانسان و بيئته و...و...،و من هذا المنطلق أقول لماذا لا نقول أن المرء هو أدرى بنفسه،قال الله تعالى:[بل الانسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره]فكل ما يخفيه و يعلنه و ما يظهر في الحلم و الواقع هو مجموعة مما يدور بباطنه و نيته و هو اعلم بها،فمثلا لو يرى الانسان رغبة أو نقص أو عاقبة وخيمة او مهما كان نوع حلمه،نقول أن الانسان هو دائرة مغلقة على نفسه فمن افعاله و نواياه يجد واقعه و رؤاه و يتدخل الله في بعض رؤاه ليحذره عن عاقبة فعله أو يبشره بنتيجة نيته الطيبة أو تصرفه النبيل،و كثير احيانا نظن أن فعلنا تصرف طبيعي بحسب مقتضيات الحياة الدنيا نجد الله يخترق هذا الاعتقاد و يفهمنا أنه خطأ،و كثير من الاحيان نقدم فعل طيب،فنجد من الناس الانكار و السب و سوء الفهم حتى نشك بصدق نيتنا حقا،فتجد الله تدخل و اعطانا البشرى و المواساة،فكيف نفسر هذا الامر؟.
خلاصة القول أن الأنسان هو اعلم بحاله و نيته سوا بالشعور أو اللاشعور و يظهر ذلك في رؤاه و واقعه كاملا متكاملا و في تدخلات من الله يرشده و يواسيه و يبين له،لذلك على المرء فينا أن يحمد الله على نعمة الحلم سوا كان تجلي داخلي أو تدخل ألهي من دون أن نلجأ لتسخيف الحلم اي كان هو،فكما أن الله محيط بواقع الانسان بيقظته،محيط بواقعه بمنامه،كما يتدخل بيقظة الانسان يتدخل في منامه.
_و ربما الكاتب يقصد أن يظهر حقيقة الاحلام و طبيعتها لكي لا تأخذ أكبر من حجمها الطبيعي،فأجد لحد الآن أنه موقف في ذلك.
و استناداً على هذا المبدأ اقول كلما ارتقت نفس الانسان ارتقت نوعية أحلامه و تبدل شكلها و صفاتها و هيئتها ،فمثلا الاناني الذي لا يفكر إلا بنفسه و رغباته يجد أن نوعية احلامه مرتكزة على نفسه،بينما الانسان السامي الذي تسامى حقا فوق رغباته و امتلئت نفسه تضرعات و ابتهالات و ادعية و رجاء و زلفى لله و حب للعرفان الالهي لايمكن ان تكون احلامه إلا احلام من نوع أخر،نوع نقي صافي ممزوج برحمة الله الدائمة و استجابة الله الدافئة،لا يمكن أن يهمل الله هذه النفس ابداً دون أن يكلمها و يعلمها،لأن ذلك من ضمن صفاته التي لا يشوبها شائبة،الحمدلله.
-كثير من الشبهات و النظريات العلمية التي طرحها الكاتب،يتم الرد عليها بكلمة واحدة قالها المهدي _عليه الصلاة و السلام_[:أن كل حقيقة روحية تقابلها حقيقة مادية تدلل عليها،و كل حقيقة مادية تقابلها حقيقة روحية تدلل عليها].
و أجمل ماعرفناه نحن اليوسفين أن حياتنا المادية الواقعية ليست منفصلة عن حياتنا الروحية الواقعية،و كل ما كان الأنسان اكثر تقوى و رهافة حس وجد ذلك التطابق جلياً واضحا أمامه،و ليس في رؤاه فقط بل بتفاصيل كثيرة و دقيقة في حياته اليومية، و ملاحظات الكاتب حقيقة في مجتمعنا الذي فقد التقوى و الأحساس و الخشوع،فكانت الأحلام فيه،تستعمل بالكذب و الافتراء و الاوهام و حديث النفس.
_و في قول لا إله إلا الله ،أي في التوحيد أقرار بأن هذا العالم يحيط به إله واحد،إله حي،تتجلى صفاته جميعا على الكون كله،اللطف الرحمة الكرم العفو القهر الجبروت الجبر البر السلام العطاء الشدة الرفق....و..و
...،و العباد يعاملهم الله بروحه كل حسب حاجته و ليس بغافل عما خلق سبحانه،فالحلم بما أنه من عالم الروح و الغيب فيجب أن يُتعامل معه على أنه لتهذيب النفس و أرشاد الروح و التخفيف من آلام الانسان و امدده باليقين بخالقه،و كل ما ينمي صفاته الوجدانية و الروحية و يهذب ويطمئن النفس،و يهبه العرفان الألهي،و يربط بين العبد و خالقه.
_و قد صرح الكاتب أنه يميل للكتابة عن عيوب الشعوب و أنه إيضا يميل لابحاث اللاشعور ميلاً عظيماً،و كذلك ذكر عيوبه الشخصية من وجهة نظره غير مرة ،و ذلك مترابط جداً لمن يهتم باللاشعور،و بتصريح منه إيضا يؤكد أن الأنسان يرى الحقيقة من جهة واحدة و لا يستطيع أدراكها كاملة و يتعصب لوجهة نظره و يسعى لتأكيدها بكل الوسائل،و كتاب علي الوردي هذا هو وجهة نظر من ناحية واحدة ،يعتمدها الكاتب بحياته و كتاباته،و هي التركيز اللاشعور،و ادراك ما خلف القول و الفعل من نوايا و خفايا و عيوب،فقد يبدو التصرف طاهر كامل ،و القول أحلا من العسل،لكن قول و فعل يشوبه الكثير من النفاق،و قد قال ذلك في مواضع كثيرة،و أغلب ما طرح كاتبنا هنا هو تعميق و تأكيد لنظريته اللاشعور،فأن الأنسان الذي يميل ليدرك عيوبه و ما خلف نيته و يكون يقظ على صحة باطنه،يكون ميال لمثل هذه النظريات و الأفكار،فخلاصة القول أن كاتبنا أنسان نبيل حقاً و صادق في نيته،جزاه الله خيراً،لكن هناك ما هو أسمى من أدراك اللاشعور و عيوب النفس البشرية،هناك الحق بصورته النقية و الفطرية بما فيها من جمال و جلال و خفة و رقة و وضوح،و أصحاب القول الحق و الفعل الحق،هم صفوة مختارة يعلم الله مافي قلوبهم و يضعهم في امتحانات و اختبارات تزيدهم صفاء و صلابة و يقين،فهؤلاء مصقولين ليس في أفعالهم و أقوالهم إلا الجوهر و الروح،فؤلائك هم من يُتخذ من أقوالهم و افعالهم آيات و أشارات للطريق،لا أقول أن نتخذ من أقوالهم و أفعالهم عقيدة جامدة،فما أقصده هو ألطف و أدق،ففي سيرتهم سكينة و طمأنينة،ثقة و يقين،صوت عذب و رقيق،يمنح الملتمس هداية الطريق روح الهداية و جوهرها،التزكية و اليقين الخالص،و كل طالب بحسب اجتهاده،هؤلاء هم الأنبياء بالقول و الفعل،نبي برؤياه،نبي بقوله،نبي بفعله،نبي بيقظته الفطرية المتأصلة في يقينه،هؤلاء روح الله و هدية الله و هداية الله لعبيده،لا يتركون شي بغير توضيح و تبين،فمثلاً هذا الكتاب الذي طرح مشكلة حقيقة جداً و تركها معلقة من غير حل،و لو قرأ القارئ هذا الكتاب،لزاد حيرة و ضاع في موضوع الأحلام بدون أن يجد دليل،حتى ليشعر بإن الحلم مهم و غير مهم،فلا يعرف أ يصدق الحلم أم يتجاهله.
و كتاب حقيقة الوحي للأمام المهدي الحبيب _عليه الصلاة و السلام_،هو جواب لأكثر من سؤال،كاليقين الذي يفحم الوساوس الكثيرة،و كذلك مدونة يوسف بن المسيح أعليه الصلاة و السلام _هي تعيد الخط للهواتف السماوية لأي أنسان بدون خوف أو قلق،فكل ما يشك به الانسان يجد له جواب،و كله بشكل عملي و تجريبي،لم تعد الصلة بين العبد و الرب شاقة و مضنية بسبب غياب العلم الروحاني بل صارت متوفر لكل طالب صادق،بشكل سهل على أساس التقوى و الصبر و حسن الظن،ثم سريعاً يجد الوصال بين يديه،و يجد يد الله ترشده يقظة و منام،و هذا مجرب لدى كل يوسفي و لله الحمد.
_و لتفسير تطور الآراء حول الاحلام قبل الاسلام و بعده،فأجد في قصة يوسف_عليه السلام_تفسير لذلك التطور،فمثلا رؤيا حاكم مصر في البداية استعان بالكهنة لتفسيرها،فهذا يعني انه كان علم تفسير للرؤى لكنه عجز عن تفسير رؤيا الحاكم،لانه كان تراث خالي جامد،مجرد علم متدوال لا يناسب عصر و زمان يوسف_عليه السلام_،و في يومنا هذا يؤخذ التفسير من القرآن و كتب المسيح و ابنه عليهما الصلاة و السلام.
_و نجد أن كل فيلسوف يطرح نظرية جديدة للاحلام ثم يأتي من ينقدها،و لكل فيلسوف نظرية شاملة للحلم كافية بحسب استنتاجه لواقعه،و تعددت المسائل النفسية و تنوعت في هذا الكتاب و من يقرأها يجزم بأنها صحيحة،حتى وصلنا لنظرية علي الوردي في الاحلام الكيشوتية و عمّمها على الناس بمختلف انواعهم و مراتبهم و على العقائد و الشعوب و قال أن تلك الاحلام تقل و تزيد بحسب حالة الانسان الاقتصادية و الفكرية،أقول أن نظرية الدكتور هذه صحيحة و لكن السبب الذي طرحه في كل حالة مغلوط فالانسان في كل حالة كانت سبب احلامه فقد الأيمان و التقوى،و الدواء ليس مثالياً كم يدعي دكتورنا و فلاسفتنا،مثالي زيادة حتى يؤدي للكبت و الضغط و النفاق،أرى أن الدواء أجمل و ألطف،ليت الكاتب اتخذ من هذه المناسبات الكثيرة سبباً ليذكر من سنة الرسول و القرآن ما يداوي كل علة ،فضاعف بحثه ليكون بحث انسان مسلم يتشرف بدينه،و لعل كاتبنا ظن أن ذلك عيب في موضوعية الطرح،حتى أنه غال في موضوعيته،كأنه يشتهي أن يكون كتابه ليس كتاباً عربياً فقط بل كتاباً عالمياً،و كأنه بهذا يضمن أن ينال شرف الباحث الموضوعي،و ربما هو مجرد باحث يضع مشكلة دون أن يبحث عن حلها،و ليس من اختصاصه إيجاد الحلول،و أقول أن الانسان بالتقوى و التزكية المستمرة يستطيع أن يحجب خياله عن كل ماهو محرم و يبتغي بذلك رضا الله وأجر الآخرة،فلا يكون ذلك كبتاً بل تعففاً،و التعفف حالة لطيفة على النفس و تقي الانسان من سيئات كثيرة قد تعكر صفو مزاجه و راحة باله،و قد يتعثر المؤمن في خياله لكنه يعود فيستغفر من قريب و يستعذ بالله فيكون أكثر قوة وليس أكثر ضعفاً،و بالنسبة لنظرية المخلص الذي فندها كلياً ،أقول إذا كان المخلص كما تتخيله عامة الناس و يتخيله كاتبنا،فهو غير موجود،و لكن المخلص الحقيقي موجود بالصورة الشافية التي أرادها الله لأمته العليلة وجدانيا و روحيا و نفسيا،و ذلك المخلص هو المهدي الحبيب و المسيح الموعود ميرزا غلام أحمد القادياني_ عليه الصلاة و السلام و أننا اليوسفين نحبه جدا جدا _و أنه حقيقة مخلص كاتبنا من حيرته و قلة حيلته،فقد خلصه بصفحات من كتاب حقيقة الوحي تساوي أقل من ثلث صفحات هذا الكتاب،و لا تتساوى اي صفحة من هذه الصفحات مع صفحة من كتاب المهدي_عليه الصلاة و السلام_، فالأمر أشبه بأن وضع كاتبنا مئة باب موصود و أراد أن يعرف أي الابواب يؤدي للجنة حتى يدخلها،فيأتي المهدي_عليه الصلاة و السلام_ ليريه باب مفتوح هو باب السماء .
و المهدي_عليه الصلاة و السلام_ذكر ثلاث أنواع من الناس في تلقي الوحي،و ماذكره علي الوردي في هذا الكتاب محصور بالنوع الأول و الثاني .
_و أرى ان الطرح في هذا الكتاب ممتع و مرعب بنفس الوقت و كأن الكاتب من عشاق أفلام الرعب،ربما هذا من دون قصد الكاتب أو ربما باللاشعور قصد ذلك!و الله اعلم،و ربما هذا هو العلم و نظرياته ممتع و مرعب بآن واحد،و كأن العلم النفسي لا يثق بالنفس البشرية،و ربما لا يلام على ذلك،فهو لا يدري شيئا عن الانبياء و لا عن اتباعهم،فالتابع يطمح دائما على يد النبي أن يزكي نفسه و يرتقي بها فيأمن من شرها عليه و على غيره،و يبدو أن كاتبنا متأثر بالعلم لحد أنه مرعوب،و أرى ايضا أن الانسان عاقل يستطيع أدراك ما يحيط به،و ليس عليه خوف من هذه النظريات المرعبة و كأن العالم كله مندفع وراء مجهولات كثيرة و علاقات غامضة قلما يتبين حقيقة اطرافها،و هذا غير صحيح الانسان عاقل و مدرك،حتى الخبيث مدرك لخبثه،و كذلك و كأن هذه النظريات و هذا الكتاب به عيب غريب هو تغيير المسميات أو الجهل بأطلاق الاسماء على الاحوال ،و أن أغلب هذه النظريات بها عيب أنها تجعل من الحبة قبة،و الله اعلم.
_و أن كلامه في ملحق مهزلة العقل البشري صحيح جدا،و يعتمد كاتبنا اسلوب تفكير بسيط و قريب من الحقيقة و المحزن أن ذلك يدل أن هذا النوع من التفكير مع واقع مجتمعنا الديني و العقائدي المهزوز بسبب دابة الأرض ،مشايخ السوء،يؤدي بصاحبه لحال هي عليها كاتبنا العزيز،انه يجد شرخ كبير بين الدين و العلم،أن العلم أكثر أقناع و اقل ضرر و اكثر نفع من الدين،و لا حول و لا قوة إلا بالله،و سيجد قارئ في كتاب حقيقة الوحي بفضل الله و بفضل استمرار النبوة أن ديننا دين حق و بالتجربة و البرهان و على لسان صاحب تجربة فتح الباب لغيره من الناس و أعطاهم التعاليم التي توصلهم لليقين،ووهبهم اليقين من خلال تجربته،أن معضلات العصر حللها جميعا و أجاب عن اسئلة السائلين،و لله الحمد.
_و الآن و أنا اقرأ ملحقات الكتاب اتسأل يا ترى كيف لشخص يؤمن بالعلم و التجربة و يشك بكل ما حوله أن يؤمن إيماناً حقاً،فخطر لي أن لا يمكن أن يؤمن شخص مثل هذا إلا بكثرة التضرع و الخشوع و الانطراح بين يدي الله سأله اليقين اليقين،سأله رؤية وجهه الكريم،فوالله أن شخص كهذا روحه في خطر،و لا أقصد أن ذلك الشخص مخطأ في تركيبة حياته لكن شخص بهذه الصفات بدون تضرع دائم لهو قريب جداً من الألحاد،و في تضرع هو قريب جداً من اليقين.
_و الكاتب كباحث يطرح أفكار ربما مستهلكة و معروفة في زماننا هذا ،لكنه بهذه الطريقة العفوية المبسطة التي يطرح بها أفكاره ،تتجلى حقائق عظيمة جدا،بالأخص نحن اليوسفين من نؤمن باستمرار النبوة و نؤمن بالوحي نعرف هذه الحقائق جيدا،و كتاب حقيقة الوحي مع هذا الكتاب هو تجلي لتلك الحقائق
،يعني من يدرس هذين الكتابين معاً مهما كان غير مقتنع بالنبوة،لابد أن يدفعانه دفعا للإيمان.
_ينقل الكاتب في ملحق الحاسة السادسة تحت عنوات نماذج بشرية شاذة قصص بعض الاشخاص اشتهروا بأن لهم حاسة سادسة قوية و هذه القصص في دول أجنبية،أقول أن هؤلاء الناس جعلهم الله مصدر تساؤل لمن حولهم عن حقيقة الغيب و الأطلاع عليه كحد أدنى و دافع للبحث في حقيقة الروح و الغيب بالأخص أن هؤلاء لا يؤمنوا بالوحي و النبوة و الألهام بأي شكل من الأشكال،و نجد أن الأنسان يتأثر ببني جنسه فعندما نجد بشر مثلنا له طبيعة تخالفنا في أدراك الغيب يأخذنا التساؤل و خصوصا إذا كنا نعلم بأن هذا الانسان من البسطاء ليس من مدعي السحر و الشعوذة،فنتأثر و نقف متسائلين،بينما لو شاهدنا الأعاجيب بعالم الحيوان فلا يوقفنا ذلك إلا لنقول أن لكل مخلوق طبيعته،و نجد أن الغرب له اهتمام خاص بالعلم ،لذلك كانت تلك القصص الغريبة في مجال العلم و الدراسة لتكون حجة عليهم،و سبب للبحث الروحي،حتى اصحاب تلك القصص لا يجدون لها تعليل و هم فيها لا حول لهم و لا قوة.
_و هناك طرح استغربته جدا،يقول الكاتب أن العلماء يتمنوا أن يجد العلم اجهزة تعلم بالمستقبل ثم قال بأنه من الممكن أن بعض آثار الماضي من ذبذبات و أمواج لازلت تحيط بنا ،و مثال على ذلك أن نجم انفجر من ملايين السنيين في الفضاء و لازال ضوءه ينبعث إلينا اليوم،لان ضوء انفجاره لم يصل إلينا بعد،أي أننا الان ننظر لتاريخ السماء!
فربما يقصد لو أنه عرف الماضي لعرف حقيقة المستقبل،و يتسائل هل من الممكن ان يستطيع العلماء صنع اجهزة تبصر الاحداث الماضية؟
الغريب بالقصة أن كاتبنا تمنى لو ان هذا الاكتشاف موجود لرأى فيه الغزالي مع تلاميذه،و انوشروان محاط بالجلادين و الجلاوزة.
فأنا مثلا لو كنت مكانه و اكتب كتاب طويل عريض عن معضلة الاحلام في مجتمعنا و ان هذه المعضلة اقلقتني جدا و شغلت تفكيري و انتباهي ،و ان السبب الرئيسي في نشوء هذه المعضلة هو أحاديث مروية عن النبي صلى الله عليه و سلم و هي مقدسة عند عامة الناس،لتمنيت أن اشاهد النبي مع اصحابه لاعرف صحة الحديث و حقيقة النبوة.
_و تحت عنوان التعصب و العقيدة يقول الكاتب بما معناه أن من ينشأ على دين يظنه الحق و غيره لا ،حتى لو بحث في باقي الاديان يعود لما تربى عليه،فدينه الحق، و في ذلك قال المهدي_عليه الصلاة و السلام_ :
ما هو تأثير هذا الكتاب؟
اعلموا أن تأثير هذا الكتاب الجامع لجميع الأدلة والحقائق لا يقتصر على أنه قد أُثبت فيه بفضل الله تعالى بالحجج البينة أن هذا العبد المتواضع هو المسيح الموعود، بل من تأثيره أيضا أنه قد أُثبِت فيه أن الإسلام دين حيٌّ وصادق. مع أنه يمكن لكل قوم أن يدّعوا أنهم يؤمنون بالله واحدا لا شريك له، كما يدّعي الآريون والبراهمو أنهم يعتقدون بالوحدانية مع اعتبارهم كل ذرة شريكة لله وأزلية؛ ولكن لا يسع هذه الأقوام أن تُقدِّم دليلا قاطعا على وجود الله الحي ولا تطمئن قلوبهم بوجود الله. لذا فإن دعاويهم بالإيمان بالله واحدا لا شريك له ليست إلا دعاوى فارغة فحسب، فإقرارهم هذا لا يقدر على أن يصبِّغ قلوبهم بصبغة التوحيد الحقيقي. فليس من نصيبهم أن يؤمنوا بوجود الله أصلا، دعك عن إيمانهم به واحدا لا شريك له، بل إن قلوبهم تائهة في الظلمات.
_و في حديثه عن الجنون و العبقرية أرى انه قد اطال الحديث فيهما و قال ان العاقل هو شخص يضع اعتبار لمجتمعه و العبقري و المجنون لا يفعلان ذلك ،و قال ان ليس هناك عاقل بشكل تام و لا مجنون بشكل تام،و ان هناك تدرجات بينهما،و طبعا المجنون من خالف المألوف اي كانت تلك المخالفة،المرض النفسي هو ناتج عن الظروف الاقتصادية و الاجتماعية فلو فهمنا تلك الظروف و تأثيرها على النفس لاستطعنا ايجاد العلاج النفسي،فمثلا لو عاش مريض نفسي في ظروف مغايرة لما اعتل و مرض،و في حديثه عن هارون الرشيد و بحسب وصفه فأنا بصراحة لم اقرأ عنه،و لكن بحسب ماجاء بهذا الكتاب فأن كاتبنا يقول ان العاقل بعين مجتمعه هو من وافقهم و لم يخرج عن المألوفات فإذن هارون هو وافق مجتمعه فقد كان مطلوب من الأمير أن يكون منفتح و خاشع و كريم و أمير و حازم و صارم و الكثير و الكثير و هذا ما فعله هارون الرشيد و وفق بين كل هذا لحد العظمة.
فالأفضل أن نقول أن اساس العلة هي بعد الانسان عن روحه و جوهره ،فكثير من المعضلات التي طرحها الكاتب هي لبعد الانسان عن غاية وجوده،حتى أن هذا السؤال قلما يسأله شخص لنفسه،ما غاية وجودي؟فهو يجد حياة أمامه يعيشها بما فيها و ينسى أن يسأل نفسه عن بغية وجوده،حتى لو الكل يعلم(ما خلقت الجن و الأنس إلا ليعبدون)لكن ماهي العبادة فعلاً و كيف لنا أن نصل لتلك القناعة فتكون عبادة فعلية و جوهرية بدون الأنبياء و المرشد الروحي؟ و في وصف تلك العبادة يقول المهدي_عليه الصلاة و السلام_:
=إن الإنسان يدّعي عبادة الله، ولكن هل يمكن أداء حق العبادة بمجرد كثرة السجود والقيام والركوع؟ أو هل يمكن أن يُعدَّ من عباد الله أولئك الذين يمرِّرون حبات السُّبحة بكثرة؟ بل الحق أنه لا يمكن أن يؤدي حق العبادة إلا الذي جذبه حب الله حتى يزول وجوده من الطريق نهائيا.
أولا، لا بد من اليقين الكامل بذات الله ثم الاطلاع الكامل على حسنه وإحسانه، ثم تتقوى علاقة الحب معه حتى يغلي الصدر بحرقة الحب دائما، وتتراءى هذه الحالة في الوجه على الدوام، وتترسخ عظمة الله في القلب لدرجة تصبح الدنيا إزاءه كجيفة. ويرتبط كل نوع من الخوف بذاته ويتمتع الإنسان بالألم من أجله، وتكون المناجاة معه مدعاة لراحته ولا يطمئن القلب ولا يستقر له قرار إلا معه تعالى. فإذا تحققت هذه الحالة فهي التي تسمَّى العبادة الحقيقية. ولكن أنّى لها أن تتحقق دون عون الله الخاص. لذا فقد علَّمنا الله تعالى دعاء إياك نعبد وإياك نستعين.. صحيح أننا نعبدك يا ربّ ولكن أنّى لنا أن نؤدي حق العبادة ما لم نحظ بعون خاص منك. إن عبادة الله باعتباره المحبوب الحقيقي هي الولاية التي لا مقام بعدها. ولكن هذا لمقام لا يُنال إلا بعونه تعالى. والعلامة على نيله أن تترسخ عظمة الله وحبه في القلب، ويتوكل الإنسان عليه وحده ولا يحب إلا إياه، ويؤثره على كل شيء، ويجعل ذكره هدف حياته. وإذا أُمر مثل إبراهيم بذبح ابنه العزيز بيده أو طُلب منه إلقاء نفسه في النار فينفِّذ مثل هذه الأوامر القاسية أيضا بدافع المحبة ويسعى لنيل مرضاة ربه بحيث لا يدخِّر في طاعته جهدا. إن هذا الباب ضيق جدا، وهذا الشراب مُرٌّ شديد المرارة، فقليل هم الذين يدخلون هذا الباب أو يشربون هذا الشراب. تجنب الزنا ليس بالمهمة الكبيرة، وعدم قتل أحد بوجه غير حق ليس من الأمور العظام، والامتناع عن الإدلاء بشهادة الزور ليس بالعمل الجبار، أما إيثار الله على كل شيء واختيار أنواع مرارة الدنيا من أجله بحب صادق وحماس حقيقي، بل خلْق الإنسانِ أنواعَ المرارة لنفسه بيده مرتبة لا ينالها إلا الصادقون. وهذه هي العبادة التي أُمر بها الإنسان. والذي يؤدي هذه العبادة يترتب على فعْله هذا فعلٌ من الله، ويسمَّى إنعاما كما يعلِّمنا تعالى في القرآن الكريم دعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. فمن سنة الله أنه حين تُقبَل في حضرته خدمةٌ يترتب عليها إنعام حتمًا. فالخوارق والآيات التي لا يسع الآخرين أن يأتوا بنظيرها هي أيضا إنعامات إلهية تنـزل على خواص عباده.
ولله در من قال في بيتين – بالفارسية - تعريبهما:
"يا من كان أسير الهوى في حياته كلها، أنّى لك أن تحظى بالنصرة الإلهية مع سواد نفسك. فإن أبديت الصدق مثل موسى فليس غريبا أن يغرق فرعون". (انتهت الترجمة)
و يقول سيدنا يوسف بن المسيح_عليهما الصلاة و السلام_وفي قوله هذا رداً على فقرة ما وراء الاحزاب:
{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} :
ثم يُكرر سبحانه و تعالى القسم بالملائكة فيقول : (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) أؤلئك الملائكة من صفاتهم أنهم نشيطون ، كذلك أنهم مُنَشِّطون يُعطون نفخات أو نفحات تنشيط ، هكذا رأيتُ في الرؤيا منذ أعوام أن هناك ملاك يُعطيني نفخة تنشيط ، هي مذكورة في المدونة ، إذاً (وَالنَّازِعَاتِ) أي ينزعون أرواح أو أرزاق أو بلاء و العياذ بالله ، (غَرْقًا) أي غارقون بقوة و بتمكن ، من صفاتهم أيضاً : (النَّاشِطَاتِ) أي يُنَشِّطون الأرزاق ، يُنشطون الأقدار ، يُنشطون أحداثاً معينة ، (النَّاشِطَاتِ) هكذا عندما سمعت نفخة التنشيط في الرؤيا من الملاك ، كذلك أيضاً في اليقظة سمعتُ نفخة تنشيط لثورة خمسة و عشرين/٢٥ يناير ، أنا و أمكو/أمكم((أم المؤمنين الدكتورة مروة)) في يوم الأحد الموافق لثلاث و عشرين/٢٣ يناير سنة ٢٠١١ ، يوم الأحد الضحى ، كنت أنا و ماما في البيت لوحدنا ، كنتم أنتم في المدرسة و سمعنا هذه النفخة ، كانت نفخة قوية جداً ليست من هذا العالم و علمنا أنها كشف مقدس يسبق حدثاً هاماً و يدلل على أمر هام كنتُ قد رأيته في الرؤيا من قبل ، و هذا من فعل الملائكة ، (وَالنَّاشِطَاتِ) قاموا بنفخة تنشيط بأمر من الله إنتقاماً من أعداء الله و دفعاً لقانون التدافع ، لأنه لولا ثورة ٢٥ يناير ماكنش إيه/لم يكن ماذا؟ التيارات الإسلامية ظهرت على حقيقتها و ظهرت أنها خبيثة و عدوة لله و للرسول و لدين الله و للشعب ، ربنا جعلهم إيه؟ يقعون في شر أعمالهم ، فهذا من فعل الناشطات التي سَخَّرَه الله لنا ، و من أسباب تسخير تلك الناشطات هو الدعاء ، الدعاء ، الدعاء الخاص و الحار و المُخلص الذي يتوجه إلى رب السماوات و الأرض فيستجيب فيُجري الأقدار فيُسَخر لذلك الملائكة ، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) أي بكل قوة تنشط في نفخات التنشيط التي تدفع قانون التدافع لكي يقوم بمهمته .
__
_و الأن بعد أن أخذت أنتهي من قراءة الكتاب،أحاول أن أجد تشبيه لهذا اللقاء،لقاء الدكتور علي الوردي باحث علم اجتماع في(الأحلام بين العلم و العقيدة)مع المهدي و المسيح الموعود _عليه الصلاة و السلام_(في حقيقة الوحي)هو لقاء لا يشبه إلا نفسه،لقاء العلم بالنبوة ،لقاء ومضات خافتة بنور ساطع،لا ينكر فضل الومضات بحياة البشرية بل لها أثر في الظلام ،فكأنك تمشي في صحراء مظلمة و كل كم ساعة يومض ضوء فتجري نحوه ثم يذهب ليومض غيره فتتبعه كذلك، و هكذا....،و لكن المشكلة بنهاية الطريق هل هي مضمونة؟لا ندري و لا حتى الباحث يدري،بينما النور الساطع يهديك الطريق و الدفئ و الثقة و الهدوء و الاسترخاء و الرؤية الصحيحة و ينجيك من الليل و ظلمته و وحشته،و الغريب بحثت لاقرأ عن علي الوردي فوجدت مايلي (ومما يروى عن الاستاذ حسين علي محفوظ حيث سأل في أواخر أيامه عن صديقه ورفيق دربه عالم الاجتماع علي الوردي بوصفه لم يكن قريبا للعلامة الراحل فقط بل كان رفيق درب في التعليم والثقافة والتأليف والمدينة أيضا، هل كان الوردي علمانيا غير متدينا؟ وماذا يتذكر عنه؟، فأجاب محفوظ قائلا: (عند الوردي خصلة اتمنى ان يمتلكها الجميع وهو انه لا ينزعج من النقد ولا يكره احدا بل كان يفرح عندما ينتقده أحد.. فهو كان مؤمنا بالله قطعا.. لكنه يتجاوز الولاء للهويات الضيقة.. كان يثير الناس لينتقدوه. وكان له عالمه الخاص به.. أنا لا اعتقد أنه لم يكن يصلي.. ربما يكون متهاونا بالفرائض.. ولكن أتذكر عندما كان يمشي على الجسر يقرأ من القرآن الآية:(والليل إذا سجى) دائما كدلالة على علاقته بالله).
_ و في النهاية أقول رحم الله الكاتب الباحث فقد جمع في هذا الكتاب الفكري الممتع الكثير مما يستحق القراءة،و أن كاتبنا الباحث بحسب زمانه الذي عاش فيه،أرى أنه يصنف من الشجعان الصادقين،و الله أعلم.
●حقيقة الوحي:
و سأنقل مقتباسات من الكتاب.
الباب الأول
في بيان الذين يرون بعض الرؤى الصالحة
ويتلقون بعض الإلهامات الصادقة
ولكن ليس لهم مع الله تعالى صلة قط،
ولا نصيب لهم من النور الذي هو أدنى ما يحظى به أهل العلاقة،
ويبعدُ وجودهم المادي عن النور آلاف الأميال
فليتضح أنه لما كان الإنسان قد خُلق ليعرف خالقه ويبلغ درجة اليقين من أجل الإيمان بذاته وصفاته، فقد فطر الله تعالى ذهن الإنسان ووهب له قوى عقلية بحيث لو ألقى نظرة على صنع الله تعالى مستخدما تلك القوى لوصل إلى كنه حكمة الله -عز اسمه- الكاملة، وأدرَك ما يوجد من التركيب البليغ والمحكم في كل ذرة من نظام العالم ولعلِم ببصيرة تامة أن هذا الكون الواسع المكوَّن من السماوات والأرض لا يمكن أن يوجَد دون خالق، بل لا بد أن يكون له خالق. ومن ناحية ثانية فقد أعطِي حواسَّ وقوى روحانية لكي تسد الخلل أو النقص الذي يمكن أن يتركه العقل في معرفة الله تعالى، لأنه لا يمكن الحصول على معرفة الله تعالى بصورة كاملة بواسطة العقل وحده. والسبب في ذلك أن عمل العقل الذي أعطِيه الإنسان مقصور على أن يحكم أنه ينبغي أن يكون لهذا العالَمِ جامعِ الحقائق والحِكم خالقٌ، وذلك بالنظر في السماوات والأرض وما فيهما وترتيبهما البليغ والمحكم. ولكن ليس بوسعه أن يحكم أن ذلك الخالق موجود في الحقيقة. والظاهر أيضا أن الإحساس بضرورة الصانع أو الخالق لا يُعدُّ معرفة كاملة إلا إذا بلغت مبلغ اليقين بأن ذلك الصانع موجود في الحقيقة، لأن القول إنه ينبغي وجود خالق لهذه الأشياء لا يساوي قط القول بأن الخالقَ الذي اعتُرف بضرورته موجود فعلا. لذا كان الباحثون عن الحق - لإتمام سلوكهم ولأداء مقتضى الفطرة المترسخ في طبائعهم من أجل المعرفة الكاملة - بحاجة إلى أن يعطَوا القوى الروحانية أيضا علاوة على القوى العقلية لكي يقدروا - إذا استخدموا القوى الروحانية كما ينبغي ولم يحجبها حجاب - على الكشف عن وجه الحبيب الحقيقي بوضوح لم تقدر على كشفه القوى العقلية. إذن، فإن الإله الكريم الرحيم كما جعل فطرة الإنسان تجوع وتتعطش من أجل معرفته الكاملة، كذلك فقد أودع فطرة الإنسان نوعينِ من القوى بُغية إيصاله إلى تلك المعرفة الكاملة: إحداهما القوى العقلية التي مصدرها الدماغ، والثانية هي القوى الروحانية التي مصدرها القلب والتي يعتمد نقاؤها على نقاء القلب. والأمور التي لا يمكن للقوى العقلية أن تكشفها بصورة كاملة فإن القوى الروحانية تبلغ كنهها. والقوى الروحانية إنما تملك القوة الانفعالية فحسب، أي خلق الصفاء والنقاء حتى تنعكس فيها فيوضُ مبدأ الفيض. لذا يُشترَط لها أن تكون مستعدة لجذب الفيض حتى تنال فيض معرفة الله الكاملة، وألا يحول دون ذلك حائل أو عائق، وألا تقتصر معرفتها على أنه يجب أن يكون لهذا العالم المليء بالحِكم صانع، بل تكون محظوظة بالمكالمة والمخاطبة الكاملة مع هذا الصانع وتشاهد آياته العظيمة وترى وجهه الكريم وترى بعين اليقين أن هذا الخالق موجود في الحقيقة.
=نعم، إن رحمة الله الأزلية التي لا تريد أن تضيِّع الفطرة الإنسانية وضعَت في معظم الناس سُنَّتها كبذر البذرة؛ فهم يرون أحيانا رؤى صالحة وإلهامات صادقة ليعلموا أن مجال التقدم مفتوح أمامهم. ولكن رؤاهم وإلهاماتهم لا تكون مصحوبة بعلامات القبول عند الله وحبه وفضله، كما لا يكون أصحابها منـزهين عن نجاسة النفس. فلا يرون الرؤى إلا لتكون حجة عليهم ليؤمنوا بأنبياء الله الأطهار، لأنهم لو ظلوا محرومين كليا من فهمِ حقيقة الرؤى الصالحة والإلهامات الصادقة، ولو لم يحصلوا بذلك على علم اليقين لكان لهم عند الله عذر أنهم لم يكونوا قادرين على فهم حقيقة النبوة لجهلهم بالموضوع جهلا تاما. وحُقَّ لهم أن يقولوا: قد جهلنا حقيقة النبوة تماما؛ إذ لم تُعطَ فطرتنا لفهمها نموذجا، فأنّى كان لنا أن ندرك هذه الحقيقة الكامنة؟ لذا فإن سنة الله القديمة الجارية منذ بدء الخليقة هي أن الناس عمومًا يرون رؤى صالحة ويتلقون إلهامات صادقة إلى حد ما كنموذج، بغض النظر عن كونهم صالحين أم طالحين، أبرارا أم فاسقين، وسواء أكانوا على دين صادق أم باطل، لكي تصل إلى علم اليقينِ أفكارُهم وخيالاتهم المبنيّة على النقل والسماع فقط، ولكي يكون في أيديهم نموذج من أجل التقدم الروحاني. ولتحقيق هذا الهدف فقد خلق الله الحكيمُ المطلقُ دماغ الإنسان بصورة معينة وأعطاه قوى روحانية بحيث يستطيع أن يرى بعض الرؤى الصالحة ويتلقى بعض الإلهامات الصادقة. ولكن تلك الرؤى والإلهامات لا تدل على عظمةٍ أو صلاحٍ فيهم وإنما تدل على أنهم يتقدمون شيئا فشيئا، وعلى أن صاحبها سليم الفطرة بشرط ألا يلقى عاقبة سيئة بسبب أهوائه النفسانية. ويُتوقع من صاحب هذه الفطرة أن يتطور إن لم تعترض سبيله العوائق والحجب.
=لأن القوى التي وهبها الله الفياض المطلق لجسد الإنسان مثل قوة البصر والسمع والشم واللمس والحفظ والفكر وغيرها لا تزال موجودة في الناس على حالها، فكيف يمكن التصور إذن أن القوى الروحانية التي كانت موجودة في الناس في الأزمنة الغابرة غابت كلها من فطرتهم في هذا الزمن؟ مع أن تلك القوى هي أكثر ضرورة وأهمية من القوى الجسدية من أجل كمال نفس الإنسان. ثم كيف يمكن إنكارها حين تُثبت التجربةُ اليوميةُ أنها ما فُقِدتْ. فيتبين من ذلك كم هي بعيدة عن الحقيقة تلك الأديان التي تعترف أن القوى العقلية والمادية في فطرة الناس ما زالت كما كانت، ولكنها ترفض بقاء تلك القوى الروحانية فيهم على حالها.
=وكما يرى بعض الناس رؤى أو يعلمون شيئا بواسطة إلهامات بسبب بُنيتهم الدماغية فقط، كذلك تناسب بعضَ الطبائع الحقائقُ والمعارف بناء على بُنيتها الدماغية، فتخطر ببال أصحابها أمور لطيفة. والحق أنه ينطبق عليهم الحديث: "آمن شِعره وكفر قلبه"، لذا فإن معرفة الصادق ليس بوسع كل شخص بسيط.
=وقد وُجدت في بعضهم عادة أسوأ من ذلك بأنهم لا يتورعون عن الفسق والفجور ويرتكبون كل عمل غير مشروع لكسب الدنيا. كما تكون الحالة الأخلاقية لبعضهم منحطة جدا ويكونون تجسيدا للحسد والبخل والعُجب والكبر والغرور، ويصدر عنهم أعمال دنيئة من كل نوع وتوجد فيهم أنواع من الخبث المخجل. والغريب في الأمر أن بعضهم لا يرون إلا رؤى سيئة وتتحقق أيضا. وكأن أدمغتهم لم تخلق إلا لرؤية الرؤى السيئة والنحسة. لا يرون رؤى فيها خير لهم تُصلح دنياهم أو ينالون مبتغاهم، ولا يرون رؤى فيها بشرى لغيرهم. ومَثَلُ رؤاهم -من الأنواع الثلاثة التي ذُكرت سابقا- كمن يشاهد دخانا من بعيد ولا يرى ضوء النار ولا يشعر بحرارتها؛ لأن أناسا مثلهم ليست لهم مع الله تعالى علاقة قط، وليس نصيبهم من الأمور الروحانية إلا الدخان الذي لا ضوء معه.
=الباب الثاني
في بيان الذين يرون رؤى صادقة
أو يتلقون إلهامات صادقة أحيانا
ويكونون على علاقة مع الله تعالى نوعا ما
وإن كيان نفوسهم لا يكون قد احترق تماما بشعلة النور إلا أنها تكون قريبة من هذه الدرجة لحد ما
يوجد في الدنيا أناس ملتزمون بالعفة والزهد إلى حد ما، علاوة على وجود القدرة الفطرية فيهم على تلقي الرؤى والكشوف، حيث إن في بُنيتهم الدماغية قابلية لتلقّي الرؤى والكشوف إلى حد ما، ويحاولون أيضا قدر الإمكان إصلاح نفوسهم، وتنشأ فيهم الحسنة والصدق بصورة سطحية، وبسببهما تنشأ فيهم أنوار الرؤى الصالحة والكشوف الصادقة إلى حد ما ولكنها لا تكون خالية من الظلمة.
=فيكون هذا الشخص كجنين نُفختْ فيه الروح ولكنه لم ينفصل عن المشيمة بعد، ولا زالت عينه محجوبة عن مشاهدة العالم الروحاني بصورة كاملة، ولم ير وجه أمه التي نشأ في رحمها، وبحسب القول القائل: "العلم القليل فتنة" لا يزال في خطر بسبب معرفته الناقصة. صحيح أن أناسا مثله قد يطلعون على بعض المعارف والحقائق أيضا ولكن مثلها كمثل حليب اختلط به شيء من البول، أو كماءٍ فيه شيء من النجاسة. والشخص الحائز على هذه الدرجة يكون مصونا إلى حد ما من مسّ الشيطان وحديث النفس في رؤاه وإلهاماته مقارنة مع مَن كان في الدرجة الأولى، ولكن ما دام للشيطان نصيب في فطرته لذا فلا يمكنه أن يتجنب ما يلقيه الشيطان في رؤاه. وبما أن أهواء النفس أيضا تكون محيطة به فلا يكون مصونا من حديث النفس كذلك. والحق أن صفاء الوحي والإلهام يعتمد على صفاء النفس. والذين كانت في نفوسهم قذارة، وُجدت القذارة نفسها في وحيهم وإلهامهم أيضا.
=النوع الثاني من الذين يرون الرؤى أو يتلقون الإلهامات هم أولئك الذين لهم صلة مع الله تعالى إلى حد ما ولكنها ليست كاملة. فمَثَلُ رؤاهم أو إلهاماتهم -من الناحية المادية- كمن يرى ضوء النار من بعيد في ليل حالك الظلام شديد البرودة فيستفيد من الضوء بحيث لا يسلك سبيلا فيه حُفَرٌ وأشواك وحجارة وأفاعٍ ووحوش ضارية، ولكن هذا القدر من الضوء لا ينقذه من البرد والهلاك. وإذا لم يصل إلى الدفء حول النار لهلك كما يهلك السالك في الظلام.
=الباب الثالث
في ذكر الذين يتلقون من الله تعالى وحيا على الوجه الأكمل والأصفى
ويحظون بشرف المكالمة والمخاطبة الكاملة،
ويرون الرؤى الصادقة كفلق الصبح
وتكون لهم علاقة حُبّ بالله تعالى على وجه أكمل وأتم ويدخلون نار حبه،
ويحترق وجودهم النفسي بشعلة النور ويصبح رمادا
اعلموا أن الله رحيم وكريم جدًّا، والذي يرجع إليه بالصدق والصفاء يُظهر الله له صدقه وصفاءه أكثر. والمتقدم إليه بصدق القلب لا يُضاع. إن الله يتحلى بأخلاق عالية لإظهار الحب والوفاء والفيض والإحسان والتجليات، ولكن لا يشاهدها كاملة إلا من يفنى في حبه.
=ومن تلك العلامات أن الله تعالى يُجري على لسانه بين حين وآخر كلامه الفصيح والحلو المحتوي على عظمة وبركات إلهية وقوة كاملة على الغيب ويكون مصحوبا بنور يبرهن على أنه أمر يقيني وليس ظنيا، ويرافقه لمعان رباني ويكون منـزَّها من الشوائب. وفي معظم الأوقات وغالب الأحيان يكون هذا الكلام محتويا على نبوءات عظيمة ذات نطاق واسع وعالمي، وتكون عديمة النظير كيفًا وكمًّا ولا يقدر أحد على الإتيان بنظيرها، وتكون مليئة بهيبة إلهية، ومن خلالها يتراءى وجه الله تعالى بسبب قوتها التامة. لا تكون نبوءاته مثل نبوءات المنجِّمين، بل تلاحَظ فيها أمارات الحب والقبول الإلهي وتكون زاخرة بالتأييد والنصرة الربانية. وتكون بعض نبوءاته عن نفسه وبعضها عن أولاده وأصدقائه، وبعضها عن أعدائه، وغيرُها عن الدنيا بشكل عام، ومنها ما تكون لأزواجه وذويه. تُكشَف عليه أمور لا تُكشف على غيره وتُفتح في نبوءاته أبواب الغيب التي لا تُفتح لغيره. وينـزل عليه كلام الله كما ينـزل على أنبيائه ورسله الأطهار ويكون كلاما يقينيا ومنـزّها عن الظنون. يُعطَى لسانُه شرفا إذ يُجرى عليه كلام عديم النظير كيفًا وكمًّا لا يسع الدنيا مبارزته. وتوهَب عينُه قوة على الكشوف فيرى أمورا أدقَّ وأخفى. وفي كثير من الأحيان تُعرَض عليه كلمات مكتوبة، ويقابل الأمواتَ مقابلةَ الأحياء. وكثيرا ما تمثل أمام عينيه أشياء تبعد في الواقع مئات الأميال وكأنها تحت الأقدام.
كذلك توهَب أذنه قوة لسماع المغيبات، ففي كثير من الأحيان يسمع صوتَ الملائكة ويطمئن بسماعه في حالات الاضطراب. والأغرب من ذلك أن يتناهى إليه أحيانا صوت الجمادات والنباتات والحيوانات أيضا.
فلسفى كو منكرِ حنّانه است از حواس انبياء ﺑﻴﮕﺎنه است
أي إن الفيلسوف الذي ينكر بكاء الجذع لا يدرك أحاسيس الأنبياء الباطنية.
[[و اليوم و قبل أن اقرأ هذه الجملة للمهدي _عليه الصلاة و السلام_:(ومن تلك العلامات أن الله تعالى يُجري على لسانه بين حين وآخر كلامه الفصيح والحلو المحتوي على عظمة وبركات إلهية وقوة كاملة على الغيب ويكون مصحوبا بنور يبرهن على أنه أمر يقيني وليس ظنيا)كنت اقرأ قرآن وتأملت كلام الله فشعرت أنه كامل الفصاحة و حلو جدا،اي و الله قلت لنفسي هذا الكلام تماما،ثم بعد ساعات اقرأ هذه العبارة في كتاب حقيقة الوحي]]
[[ببساطة يقول المهدي الحبيب_عليه الصلاة و السلام_أن الوحي و الألهام نعمة من الله يهبها كاملة للصادقين،و تكون هناك بذرة بكل انسان تنمو أو تبقى مدفونة في التراب على حسب همته و صدق طلبه لوجه الله تعالى،و للمقبولين علامات عديدة يذكرها المهدي الحبيب هنا و هو خير من يعرف تلك العلامات لانه منهم.]]
=أرى من المناسب أن أقول مكررا: ينبغي ألا يظن جاهل أنه ما دام الآخرون أيضا يرون الرؤى والكشوف ويتلقون إلهامات ويشتركون في معظم ما جاء في هذا الكتاب حول الكاملين إيمانا وحبا لله والحائزين على الدرجة الثالثة؛ فلا وجه للتمييز بين الفريقين.
فمع أننا دحضنا هذه الوساوس مرارا وتكرارا ولكن مع ذلك نقول مرة أخرى إن هناك فرقا كبيرا بين المقبولين وغيرهم، وقد ذكرنا بعضه في هذا الكتاب أيضا. أما الفرق الكبير من حيث الآيات السماوية فهو أن عباد الله المقبولين يُغرَقون في أنوار سبحانية، وتُحرَق نفسانيتهم بنار الحب، ويكونون غالبين على غيرهم في كل شؤونهم كيفًا وكمًّا، وتظهر لتأييدهم ونصرتهم آيات الله بكثرة، بحيث لا يسع أحدا في الدنيا أن يأتي بنظيرها، لأنهم، كما سبق أن ذكرنا، مظاهر كاملة لإظهار وجه الله تعالى، ويُظهرون للناس الإله الذي يكون خافيا، والله تعالى بدوره يُظهرهم.
=أما النوع الثالث من أصحاب الرؤى والإلهام فيشمل الذين تكون رؤاهم وإلهاماتهم شبيهة بالمشهد المادي؛ حيث يرى ضوءَ النار كاملا في ليل حالك الظلام شديد البرودة ويمشي في ضوئها، وليس هذا فحسب، بل يدخل أيضا في محيط حرارتها ويحتمي من ضرر البرد كليا. وهذه الدرجة ينالها أولئك الذين يحرقون لباس شهوات النفس بنار حب الله تعالى ويختارون حياة المرارة من أجله. إنهم يرون الموت أمامهم ويختارونه لأنفسهم مسرعين. ويقبلون في سبيل الله كل ألم ومرارة، ويصبحون لنفوسهم كالأعداء ويسلكون مسالك معادية لها ويظهرون قوة إيمانية بحيث يتعجب بإيمانهم حتى الملائكة ويستغربون. إنهم أبطال الروحانية، وهجمات الشيطان كلها لا تساوي أمام قوتهم الروحانية شيئا. إنهم أوفياء مخلصون ورجال صادقون لا تضلهم ملذات الدنيا وإغراءاتها، ولا يصرفهم حب الأولاد أو الزوجة عن حبيبهم الحقيقي. فباختصار، لا تخيفهم مرارة الدنيا ولا تصرفهم أهواء النفس عن الله تعالى ولا تحول علاقة بينهم وبين علاقتهم مع الله.
هذه هي الدرجات الثلاث للمراتب الروحانية: أولها تسمى علم اليقين، والثانية عين اليقين والحالة الثالثة المباركة والكاملة تُسمَّى حق اليقين. ولا تكتمل معرفة الإنسان ولا تتطهر من الشوائب ما لم تصل إلى حق اليقين، لأن حالة حق اليقين لا تقتصر على المشاهدات فقط، بل تطرأ على قلب الإنسان فتصبح حاله. فيدخل الإنسانُ نار حب الله المضطرمة ويفنى وجوده النفسي كليا. وفي هذه المرحلة تتحول معرفة الإنسان من القال إلى الحال، وتحترق الحياة السفلية تماما وتصبح رمادا، فيتربع ذلك الإنسان في حضن الله. وكما أن الحديد عندما يدخل النار يصير مثلها تماما وتبدأ صفات النار بالظهور فيه، كذلك فإن الإنسان الحائز على هذه الدرجة يتصف بصفات الله بصورة ظلية، ويفنى في مرضاة الله تعالى بطبيعته كأنه يتكلم من خلاله ويبصر ويسمع من خلاله ويمشي بواسطته وكأنه ليس في حلته إلا الله ، وتُغلَب الأهواء البشرية تحت التجليات الإلهية. ولما كان هذا الموضوع دقيقا للغاية وليس مما يسهل فهمه على عامة الناس لذا نتركه هنا.
ويمكن أن نصور المرتبة الثالثة التي هي الأعلى والأكمل بأسلوب آخر ونقول إن مَثَلَ وحيٍ كاملٍ -وهو النوع الثالث من الأنواع الثلاثة- ينـزل على شخص كامل كمثل ضوء الشمس وشعاعها الذي يقع على مرآة نقية موضوعة مقابل الشمس تماما. ومعلوم أن ضوء الشمس هو هو ولكن بسبب الاختلاف في المظاهر يُغيِّر كيفية ظهوره؛ فعندما تقع أشعة الشمس على قطعة أرض كثيفة ليس على سطحها ماء نقي بل تراب أسود قاتم وسطحها أيضا غير مستوٍ فإن الشعاع المنعكس يكون ضعيفا جدا، وخاصة إذا حالت بين الشمس والأرض غيوم. ولكن عندما يقع الشعاع نفسه الذي لا تحول دونه غيوم على ماء نقي لامع كمرآة نقية فإن قوته تظهر عشرة أضعاف الشعاع العادي حتى أن العين لا تحتمله.
كذلك حين ينـزل الوحي على نفس زكية ونقيّة من كل الشوائب فإن نوره يظهر بصورة تفوق العادة، وتنعكس فيها (أي النفس) الصفات الإلهية بصورة كاملة، ويظهر وجه الله الأحد كاملا. فيتبين من هذا البحث أن ضوء الشمس عند طلوعها يقع على كل مكان طاهرا كان أم نجسا حتى إن المرحاض المليء بالبراز أيضا يناله نصيبه، إلا أن الفيض الكامل من هذا الضوء تناله المرآة النقية أو الماء الصافي الذي بمقدوره أن يعكس صورة الشمس بسبب نقائه. وبما أن الله تعالى ليس بخيلا فإن كل واحد ينال نصيبا من نوره، ولكن الذين يتخلون عن أهوائهم ويصيرون أتم مظاهر الله ويدخل الله فيهم بصورة ظلية، فإن حالتهم تختلف عن الجميع. كما ترون أن الشمس مع كونها في السماء فإنها حين تقابل ماءً نقيًّا أو مرآة صافية تبدو كأنها موجودة في الماء أو المرآة، ولكنها في الحقيقة ليست في الماء أو المرآة بل بسبب نقائهما وجلائهما يُخَيَّلُ إلى الناس أن الشمس فيهما.
[[الجميل أنه بعد أن اطلعت على كتاب الأحلام لعلي الوردي و قرأت لحد الأن اكثر من مئتي صفحة و اطلعت على أغلب النظريات الموجودة فيه،و أنا اقرأ الآن للمهدي_عليه الصلاة و السلام_ كلما قرأت كلمة اقول بنفسي و قلبي:الله ما أطيب هذا الكلام،أنه فعلا دواء شافي ]]
=ففي هذا الزمن مُلئت الدنيا بالخلافات، إذ يقول اليهود شيئا ويقول النصارى شيئا آخر، ومن جانب آخر هناك خلافات داخلية في الأمة المحمدية. أما المشركون الآخرون فيبدون آراء تخالف الجميع. ولقد وُجدت في هذه الأيام مذاهب جديدة ومعتقدات جديدة وكأن لكل شخص مذهبا خاصا به. فكان ضروريا بحسب سنة الله أن يأتي حَكَم للحُكم في هذه الخلافات. فقد سمِّي هذا الحَكَم مسيحا موعودا ومهديا معهودا، أي قد سمِّي مسيحا نظرا إلى تسويته الخلافات الخارجية، وسمِّي مهديا معهودا بناء على تسويته الخلافات الداخلية. مع أن سنة الله في حقه كانت متواترة بحيث لم تكن هناك حاجة لأن يقال في الأحاديث أن شخصا سيأتي حَكَمًا وسيسمَّى مسيحا، ولكن مع ذلك توجد في الأحاديث نبوءة أن المسيح الموعود الذي سيكون من هذه الأمة سيأتي حَكَما من الله تعالى. أي سيرسله الله لرفع الخلافات الخارجية والداخلية كلها. والاعتقاد الذي سيُثبَّت عليه (المسيح الموعود) يكون هو الاعتقاد الصحيح دون غيره، لأن الله تعالى سوف يثبِّته على الصدق والحق. وكل ما يقوله فإنه يقوله على بصيرة، ولا يحقّ لأية فرقة أن تجادله بناء على الاختلاف معه في المعتقدات، لأن المسائل المنقولة التي لم يأتِ التصريح عنها في القرآن الكريم سيكون مشكوكا فيها بسبب الاختلاف في المعتقدات في ذلك الزمن. والمتخاصمون من الداخل أو أصحاب الخلافات من الخارج -بسبب كثرة الخلافات- سيكونون بحاجة إلى حَكَم يظهَر صدقُه بشهادة سماوية كما حدث في زمن عيسى وبعده في زمن النبي . وهذا ما سيحدث في زمن الموعود الأخير أيضا.
=لقد وقع الكسوف والخسوف في عهدي أنا. وفي زمني تفشى الطاعون حسبما جاء في الأحاديث الصحيحة والقرآن الكريم والكتب السابقة. وفي زمني أنا اكتُشف مركب جديد.. أي القطار. وفي زمني أيضا وقعت الزلازل المخيفة حسب نبوءاتي. أفليس من مقتضى التقوى إذن ألا يتجاسروا على تكذيبي؟
=هذه آيات الله التي أقدمها، فتفكروا هل في أيديكم حجة للمعارضة؟ لكنكم تقدمون أحاديث يشهد القرآن ضدها وتوجد مقابلها أحاديث أخرى، وقد وقعت الأحداث على عكسها تماما. أين الدجال الذي تُرهبون به؟ أمّا الدجال المذكور في: ولا الضالين فيحرز التقدم في الدنيا يوما إثر يوم، وتكاد السماء والأرض يتفطرن بفتنته. فلو كانت في قلوبكم خشية الله لكفاكم التأمل في سورة الفاتحة وحدها. ألا يمكن أن يكون فهمكم نبوءةَ المسيح الموعود خاطئا؟ ألا توجد نماذج هذه الأخطاء في اليهود والنصارى؟ فكيف يمكن ألا تخطئوا أنتم؟ ثم أليس من سنة الله أن يمتحن عباده أحيانا بمثل هذه النبوءات كما امتُحن اليهود والنصارى بالتوراة ونبوءة النبي ملاخي، ونبوءة الإنجيل؟ فلا تخرجوا من دائرة التقوى. هل جاء النبي الأخير من بني إسرائيل أو عاد النبي إيليا إلى الأرض كما فهم اليهود وأنبياؤهم؟ كلا، بل أخطأ اليهود في فهم كِلا الأمرين. احذروا فأن الله يحذركم في سورة الفاتحة أن تكونوا مثل اليهود. كان اليهود أيضا متمسكين بظاهر كلمات كتاب الله مثل دعواكم، ولكنهم أُخِذوا ولم يُقبل منهم عذرٌ بما لم يقبلوا ما قاله الحَكَم ولم يستفيدوا من الآيات.
[[صلى الله عليك و سلم يا مهدينا و حبينا و سيدنا و جمعنا الله معك في جناته المتتاليات آمين]]