أحلام العصافير .
:::::::::::::::::::::::
يقول البروفيسور الدكتور سيد محمود القمني :
اﳌﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
روى ﻣﺠﺎﻫﺪ ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎس ﻗﺎل: ﻣﻠﻚ اﻷرض ﻛﻠﻬﺎ أرﺑﻌﺔ: ﻣﺆﻣﻨﺎن وﻛﺎﻓﺮان: ﻓﺄﻣﺎ المﺆﻣﻨﺎن: ﻓﺴﻠﻴﻤﺎن وذو اﻟﻘﺮﻧين.
وأﻣﺎ اﻟﻜﺎﻓﺮان: ﻓﺎﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن وﺑﺨﺖ ﻧﴫ.
(1) المﺆﻣﻦ اﻷول ﺳﻠﻴﻤﺎن
ﻋﻦ »أﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮة«، وﻋﻦ »أﺑﻲ اﻟﺪرداء«، وﻋﻦ »ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺳﻠﻤﺔ«، ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ، ﻗﺎل: »إن ﻋﻔﺮﻳﺘًﺎ ﻣﻦ اﻟﺠﻦ ﺗﻔﻠﺖ ﻋﲇﱠ اﻟﺒﺎرﺣﺔ ﻟﻴﻘﻄﻊ ﺻﻼﺗﻲ، ﻓﺄﻣﻜﻨﻨﻲ ﷲ ﻣﻨﻪ، ﻓﺄﺧﺬﺗﻪ، ﻓﺄردت أن أرﺑﻄﻪ إﱃ ﺳﺎرﻳﺔ ﻣﻦ ﺳﻮاري المﺴﺠﺪ، ﺣﺘﻰ ﺗﻨﻈﺮوا إﻟﻴﻪ ﻛﻠﻜﻢ، ﻓﺬﻛﺮت دﻋﻮة أﺧﻲ ﺳﻠﻴﻤﺎن، وﷲ ﻟﻮﻻ دﻋﻮة أﺧﻲ ﺳﻠﻴﻤﺎن، ﻷﺻﺒﺢ ﻣﻮﺛﻘًﺎ ﻳﻠﻌﺐ ﺑﻪ وﻟﺪان المﺪﻳﻨﺔ« )رواه اﻟﺒﺨﺎري وﻣﺴﻠﻢ واﻟﻨﺴﺎﺋﻲ.(
وأن ﻫﺬه اﻟﺪﻋﻮة أو اﻟﺪﻋﺎء اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻲ، اﻟﺬي دﻓﻊ اﻟﻨﺒﻲ )ﻣﺤﻤﺪًا ﷺ( ﻟﱰك ﻫﺬا اﻟﻌﻔﺮﻳﺖ المﻨﻔﻠﺖ، وﺣﺮﻣﺎن وﻟﺪان المﺪﻳﻨﺔ — أﺑﻨﺎء أﻧﺼﺎر رﺳﻮل ﷲ — ﻣﻦ اﻟﻠﻌﺐ ﺑﻬﺬه اﻟﻠﻌﺒﺔ اﻟﻔﺮﻳﺪة ﻣﻦ ﻧﻮﻋﻬﺎ، ﻓﻬﻮ ﻣﺎ ﺗﺘﻀﻤﻨﻪ اﻵﻳﺎت اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿وَﻟَﻘَﺪْ ﻓَﺘَﻨﱠﺎ ﺳُﻠَﻴْﻤَﺎنَ وَأَﻟْﻘَﻴْﻨَﺎ ﻋََﲆ ﻛُﺮْﺳِﻴﱢﻪِ ﺟَﺴَﺪًا ﺛُ ﱠﻢ أَﻧَﺎبَ * ﻗَﺎلَ رَ ﱢب اﻏْﻔِﺮْ ِﱄ وَﻫَﺐْ ِﱄ ﻣُﻠْﻜًﺎ ﻻَ ﻳَﻨْﺒَﻐِﻲ ﻷِﺣََﺪٍ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِي إِﻧﱠﻚَ أَﻧْﺖَ اﻟْﻮَ ﱠﻫﺎبُ﴾ )ص: .(٣٥-٣٤ ﻓﻜﺎن دﻋﺎء »ﺳﻠﻴﻤﺎن« إذن ﻟﺮﺑﻪ ﻫﻮ: ﻫﺐ ﱄ ﻣُﻠﻜًﺎ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻷﺣﺪ ﻣﻦ ﺑﻌﺪي، وﻫﻮ المﻠﻚ اﻟﺬي ﺗﻄﺎﻟﻌﻨﺎ ﺑﻪ ﻛﺘﺐ اﻟﱰاث اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻣﺘﺴﻠﻄًﺎ ﻋﲆ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎت ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻌﻔﺎرﻳﺖ واﻟﺠﻦ، وﻣﻦ ﺛﻢ أﻃﻠﻖ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻋﻔﺮﻳﺘﻪ اﻷﺳير، ﺣﺘﻰ
ﻻ ﻳﺘﺠﺎوز ﺳﻠﻴﻤﺎن، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻫﺬا اﻟﺪﻋﺎء ﰲ ﺗﻠﻚ اﻵﻳﺔ اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، وراء المﺄﺛﻮر اﻹﺳﻼﻣﻲ: إن ﺳﻠﻴﻤﺎن واﺣﺪ ﻣﻦ ﺑين أرﺑﻌﺔ ﻣﻠﻜﻮا اﻷرض ﻛﻠﻬﺎ ﻣﺎ ﺑين المﴩق والمﻐﺮب.
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
أﻣﺎ ﻋﻦ اﻟﻔﺘﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺸير إﻟﻴﻬﺎ اﻵﻳﺎت اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، واﻟﺠﺴﺪ المﻠﻘﻰ ﻋﲆ ﻋﺮش ﺳﻠﻴﻤﺎن )ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم(، ﺛﻢ ﺗﻮﺑﺘﻪ وﻣﻜﺎﻓﺄﺗﻪ ﺑﻤﻠﻚ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻷﺣﺪ ﻣﻦ ﺑﻌﺪه، ﻓﻴﻌﻘﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﰲ ﻣﻮﺳﻮﻋﺘﻪ »اﻟﺒﺪاﻳﺔ واﻟﻨﻬﺎﻳﺔ« ﺑﻘﻮﻟﻪ: »ذﻛﺮ اﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ واﺑﻦ أﺑﻲ ﺣﺎﺗﻢ وﻏيرﻫﻤﺎ ﻣﻦ المﻔﴪﻳﻦ ﻫﺎ ﻫﻨﺎ آﺛﺎرًا ﻛﺜيرة ﻋﻦ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻒ، أﻛﺜﺮﻫﺎ أو ﻛﻠﻬﺎ ﻣﺘﻠﻘﺎة ﻣﻦ اﻹﴎاﺋﻴﻠﻴﺎت، وﰲ ﻛﺜير ﻣﻨﻬﺎ ﻧﻜﺎرات ﺷﺪﻳﺪة، وﻗﺪ ﻧﺒﻬﻨﺎ ﻋﲆ ذﻟﻚ ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻨﺎ اﻟﺘﻔﺴير، واﻗﺘﴫﻧﺎ ﻫﻨﺎ ﻋﲆ ﻣﺠﺮد ﺗﻼوة اﻵﻳﺎت1«.
وﻫﻜﺬا ﺗﻮﻗﻒ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻋﻦ اﻟﺘﻔﺴير، واﻗﺘﴫ ﻋﲆ ﻣﺠﺮد اﻟﺘﻼوة، لمﺎ وﺟﺪه ﰲ اﻟﺘﻔﺴيرات ﻣﻦ ﻧﻜﺎرات ﻣﺘﻠﻘﺎة ﻣﻦ اﻹﴎاﺋﻴﻠﻴﺎت، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﺬه اﻟﻨﻜﺎرة ﺗﻌﻮد ﺑﺄﺻﻠﻬﺎ إﱃ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ ﻛﺘﺎب اﻟﻌﱪﻳين المﻘﺪس — أﺻﺤﺎب اﻟﻘﺼﺔ والمﻤﻠﻜﺔ ورﻋﻴﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« — ﺣﻮل اﺧﺘﻼف »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻣﻊ أﺧﻴﻪ اﻷﻛﱪ »أدوﻧﻴﺎ« ﺣﻮل اﻟﻌﺮش، وﻣﺎ ﻗﺎم ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﴏاع اﺳﺘﻨﺪ ﻓﻴﻪ »أدوﻧﻴﺎ« إﱃ ﻣﺒﺪأﻳﻦ ﴍﻋﻴين: اﻷول ﻫﻮ ﻛﻮﻧﻪ اﻻﺑﻦ اﻟﺒﻜﺮ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﺤﻖ ﰲ المﻠﻚ والميراث ﺣﺴﺐ اﻟﴩﻳﻌﺔ اﻟﻌﱪﻳﺔ، واﻟﺜﺎﻧﻲ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﺤﻮز ﺗﺄﻳﻴﺪًا ﺷﻌﺒﻴٍّﺎ وﺟﻤﺎﻫيرﻳٍّﺎ ﻫﺎﺋﻼً، وﺗﻤﻜﻦ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺑﻤﻌﺎوﻧﺔ أﻣﻪ ﻣﻦ اﻏﺘﺼﺎب اﻟﺤﻜﻢ ﻣﻦ ﺻﺎﺣﺒﻪ اﻟﴩﻋﻲ، ﺛﻢ ﺟﺎء اﻟﺨﻼف اﻟﺬي ﻗﻄﻊ آﺧﺮ اﻟﻌﺮى ﺑين اﻷﺧﻮﻳﻦ، وﻛﺎن ﺣﻮل اﻣﺮأة، واﻧﺘﻬﻰ ﺑﺄن أﻣﺮ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺑﺬﺑﺢ أﺧﻴﻪ اﻷﻛﱪ؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ وﺟﺐ ﻛﺸﻒ اﻷﺳﺘﺎر ﻋﻦ اﻟﺮواﻳﺔ ﻛﻤﺎ ﺟﺎءت ﺑﻜﺘﺎﺑﻬﺎ، ﺣﺘﻰ ﺗﻜﺸﻒ ﻟﻨﺎ اﻟﻨﻜﺎرة، ﺛﻢ ﻧﺘﺒﻌﻬﺎ ﺑﺮواﻳﺔ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، وﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ اﻷﺛﺮ اﻟﱰاﺛﻲ اﻹﺳﻼﻣﻲ، إزاﻟﺔ ﻟﻠﺒﺲ، ودﺣﻀًﺎ ﻟﻠﻨﻜﺎرة.
وﺧﱪ ﻣﻘﺘﻞ »أدوﻧﻴﺎ« ﻋﲆ ﻳﺪ أﺧﻴﻪ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« أو ﺑﺄﻣﺮ ﻣﻨﻪ، ﺟﺎء ﺗﻔﺼﻴﻠﻪ ﰲ ﺳﻔﺮ المﻠﻮك اﻷول، وﻫﻮ اﻟﺴﻔﺮ اﻟﺬي ﻳﺤﻮي أﻫﻢ أﺧﺒﺎر المﻠﻚ »ﺳﻠﻴﻤﺎن«، اﻟﺬي ﺳﻨﻜﺘﻔﻲ ﺑﺎﻹﺷﺎرة إﱃ رﻗﻢ اﻹﺻﺤﺎح ﻓﻴﻪ ﻋﻨﺪ اﻻﺳﺘﺸﻬﺎد ﺑﻤﺤﺘﻮﻳﺎﺗﻪ، وﻳﺮوي اﻟﺴﻔﺮ ﻫﺬا اﻟﺨﱪ ﺑﻘﻮﻟﻪ:
وﺟﻠﺲ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﲆ ﻛﺮﳼ داود أﺑﻴﻪ وﺗﺜﺒﺖ ﻣﻠﻜﻪ ﺟﺪٍّا. ﺛﻢ ﺟﺎء أدوﻧﻴﺎ اﺑﻦ ﺣﺠﻴﺚ )أﻣﻪ( إﱃ ﺑﺘﺸﺒﻊ أم ﺳﻠﻴﻤﺎن. ﻓﻘﺎﻟﺖ: أﻟﻠﺴﻼم ﺟﺌﺖ؟ ﻓﻘﺎل: ﻟﻠﺴﻼم. ﺛﻢ ﻗﺎل: ﱄ ﻣﻌﻚ ﻛﻠﻤﺔ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﺗﻜﻠﻢ. ﻓﻘﺎل: أﻧﺖ ﺗﻌﻠﻤين أن المﻠﻚ ﻛﺎن ﱄ، وﻗﺪ ﺟﻌﻞ ﺟﻤﻴﻊ إﴎاﺋﻴﻞ وﺟﻮﻫﻬﻢ ﻧﺤﻮي ﻷﻣﻠﻚ، ﻓﺪار المﻠﻚ وﺻﺎر ﻷﺧﻲ؛ ﻷﻧﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺮب ﺻﺎر ﻟﻪ. واﻵن أﺳﺄﻟﻚ ﺳﺆاﻻً واﺣﺪًا ﻓﻼ ﺗﺮدﻳﻨﻲ ﻓﻴﻪ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ: ﺗﻜﻠﻢ.
1 اﺑﻦ ﻛﺜير، اﻟﺒﺪاﻳﺔ واﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، دار اﻟﻜﺘﺐ اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ، ﺑيروت، ط٤، ١٩٨٨م، ج٢، ص.٢٤
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻓﻘﺎل: ﻗﻮﱄ ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن المﻠﻚ — ﻷﻧﻪ ﻻ ﻳﺮدك — أن ﻳﻌﻄﻴﻨﻲ أﺑﻴﺸﺞ اﻟﺸﻮﻧﻤﻴﺔ اﻣﺮأة. ﻓﻘﺎﻟﺖ ﺑﺘﺸﺒﻊ: ﺣﺴﻨًﺎ، أﻧﺎ أﺗﻜﻠﻢ ﻋﻨﻚ إﱃ المﻠﻚ. ﻓﺪﺧﻠﺖ ﺑﺘﺸﺒﻊ إﱃ المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻟﺘﻜﻠﻤﻪ ﻋﻦ أدوﻧﻴﺎ … وﻗﺎﻟﺖ: إﻧﻤﺎ أﺳﺄﻟﻚ ﺳﺆاﻻً واﺣﺪًا ﺻﻐيًرا ﻻ ﺗﺮدﻧﻲ. ﻓﻘﺎل ﻟﻬﺎ المﻠﻚ: اﺳﺄﱄ ﻳﺎ أﻣﻲ ﻷﻧﻲ ﻻ أردك. ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻟﺘﻌﻂِ أﺑﻴﺸﺞ اﻟﺸﻮﻧﻤﻴﺔ ﻷدوﻧﻴﺎ أﺧﻴﻚ اﻣﺮأة. ﻓﺄﺟﺎب المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن وﻗﺎل ﻷﻣﻪ: ولمﺎذا أﻧﺖ ﺗﺴﺄﻟين أﺑﻴﺸﺞ اﻟﺸﻮﻧﻤﻴﺔ ﻷدوﻧﻴﺎ، ﻓﺎﺳﺄﱄ ﻟﻪ المﻠﻚ ﻷﻧﻪ أﺧﻲ اﻷﻛﱪ ﻣﻨﻲ … وﺣﻠﻒ ﺳﻠﻴﻤﺎن المﻠﻚ ﺑﺎﻟﺮب … واﻵن ﻫﻮ اﻟﺮب اﻟﺬي ﺛﺒﺘﻨﻲ وأﺟﻠﺴﻨﻲ ﻋﲆ ﻛﺮﳼ داود أﺑﻲ، واﻟﺬي ﺻﻨﻊ ﱄ ﺑﻴﺘًﺎ، ﻛﻤﺎ ﺗﻜﻠﻢ، إﻧﻪ اﻟﻴﻮم ﻳﻘﺘﻞ أدوﻧﻴﺎ. ﻓﺄرﺳﻞ المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻴﺪ ﺑﻨﺎﻳﺎ ﻫﻮ ﺑﻦ ﻳﻬﻮﻳﺎ داع، ﻓﺒﻄﺶ ﺑﻪ، ﻓﻤﺎت. )ص(٢
وﺳﻔﺮ المﻠﻮك اﻷول اﻟﺬي وردت ﺑﻪ ﻫﺬه اﻟﻘﺼﺔ، ﻫﻮ اﻟﺴﻔﺮ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺬي اﺳﺘﻔﺎض ﰲ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﻣﺠﺪ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« وﺣﻜﻤﺘﻪ وﻋﻈﻤﺔ ﻣﻠﻜﻪ؛ ﻣﻤﺎ ﻳﺸير إﱃ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻘﺼﺪ ﻟﻠﻤﻠﻚ إﺳﺎءة، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﻗﺼﺪ اﻹﺷﺎدة ﺑﻤﺤﺒﺔ ﷲ ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن، اﻟﺘﻲ دﻋﺖ ﻟﺘﻔﻀﻴﻠﻪ ﻋﲆ »أدوﻧﻴﺎ« أﺧﻴﻪ، وﺗﻤﻜﻴﻨﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﺮش رﻏﻢ ﻓﻌﻠﺘﻪ. وﻗﺪ دﻋﺖ اﺳﺘﻔﺎﺿﺔ ﻫﺬا اﻟﺴﻔﺮ ﰲ ﺗﻤﺠﻴﺪ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ اﻟﺒﺎﺣﺚ اﻹﺳﻼﻣﻲ المﻮﺳﻮﻋﻲ »اﻟﺪﻛﺘﻮر أﺣﻤﺪ ﺷﻠﺒﻲ«، إﱃ اﻻﻗﺘﺒﺎس ﻣﻦ ﻣﻮﺳﻮﻋﺔ »وﻳﻠﺰ« »ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺗﺎرﻳﺦ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ« ﻗﻮﻻً ﻟﻪ أﻫﻤﻴﺘﻪ وﻣﻐﺰاه، وﻫﻮ »أن ﻗﺼﺔ ﻣُﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن وﺣﻜﻤﺘﻪ اﻟﺘﻲ أوردﻫﺎ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس، ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﺤﺸﻮ وإﺿﺎﻓﺎت ﻋﲆ ﻧﻄﺎق واﺳﻊ، ﻋﲆ ﻳﺪ ﻛﺎﺗﺐ ﻣﺘﺄﺧﺮ ﺷﻐﻮف ﺑﺎلمﺒﺎﻟﻐﺎت. وﻗﺪ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﻫﺬه اﻟﺮواﻳﺔ أن ﺗﺤﻤﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ المﺴﻴﺤﻲ، ﺑﻞ واﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻋﲆ اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺄن المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻛﺎن ﻣﻦ أﺷﺪ المﻠﻮك ﻋﻈﻤﺔ وأﺑﻬﺔ، وﻗﺪ أﺳﻬﺐ ﺳﻔﺮ المﻠﻮك اﻷول ﰲ ﺗﺼﻮﻳﺮ ﻣﺠﺪ ﺳﻠﻴﻤﺎن وأﺑﻬﺘﻪ وﻓﺨﺎﻣﺘﻪ، وﻟﻜﻦ اﻟﺤﻖ أﻧﻪ إذا ﻗﻴﺴﺖ ﻣﻨﺸﺂت ﺳﻠﻴﻤﺎن، ﺑﻤﻨﺸﺂت ﺗﺤﺘﻤﺲ اﻟﺜﺎﻟﺚ أو رﻣﺴﻴﺲ اﻟﺜﺎﻧﻲ أو ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ، ﻓﺈن ﻣﻨﺸﺂت ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺗﺒﺪو ﻣﻦ اﻟﺘﻮاﻓﻪ اﻟﻬﻴﻨﺎت … وﻛﺎﻧﺖ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن رﻫﻴﻨﺔ ﺗﺘﺠﺎذﺑﻬﺎ ﻣﴫ وﻓﻴﻨﻴﻘﻴﺎ، وﺗﺮﺟﻊ أﻫﻤﻴﺘﻬﺎ ﰲ ﻣﻌﻈﻢ أﻣﺮﻫﺎ إﱃ ﺿﻌﻒ ﻣﴫ المﺆﻗﺖ … ﻓﺴﻠﻴﻤﺎن وﻫﻮ ﰲ أوج ﻣﺠﺪه ﻟﻢ ﻳﻜﻦ إﻻ ﻣﻠﻜًﺎ ﺻﻐيًرا ﺗﺎﺑﻌًﺎ، ﻳﺤﻜﻢ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺻﻐيرة، وﻛﺎﻧﺖ دوﻟﺘﻪ ﻣﻦ اﻟﻬﺰال وﴎﻋﺔ اﻟﺰوال، ﺑﺤﻴﺚ إﻧﻪ ﻟﻢ ﺗﻨﻘﺾِ ﺑﻀﻌﺔ أﻋﻮام ﻋﲆ وﻓﺎﺗﻪ، ﺣﺘﻰ اﺳﺘﻮﱃ ﺷﻴﺸﻨﻖ أول ﻓﺮاﻋﻨﺔ اﻷﴎة اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ واﻟﻌﴩﻳﻦ ﻋﲆ أورﺷﻠﻴﻢ2«.
2 د. أﺣﻤﺪ ﺷﻠﺒﻲ، ﻣﻘﺎرﻧﺔ اﻷدﻳﺎن (١)» اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ«، ﻣﻜﺘﺒﺔ اﻟﻨﻬﻀﺔ المﴫﻳﺔ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ط٥، ١٩٧٨م، ص٧٨،
.٧٩
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
المﻠﻚ واﻟﺤﻜﻤﺔ
ورﻏﻢ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎت اﻟﺴﻔﺮ المﺬﻛﻮر، ﻓﺈﻧﻪ ﺑﺨﻼف ﺣﺪﻳﺚ المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ، ﻟﻢ ﻳﺨﺮج ﺑﺤﺪود ﻣﻤﻠﻜﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻦ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﻓﻠﺴﻄين اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ »وﻛﺎن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻣﺘﺴﻠﻄًﺎ ﻋﲆ ﺟﻤﻴﻊ المﻤﺎﻟﻚ، ﻣﻦ اﻟﻨﻬﺮ إﱃ أرض ﻓﻠﺴﻄين، وإﱃ ﺗﺨﻮم ﻣﴫ« )ص.(٤ أﻣﺎ ﻋﻦ ﺣﻜﻤﺘﻪ وﻋﻈﻤﺘﻪ، ﻓﻴﻘﺮر اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس أﻧﻪ أﻋﻄﻴﻬﻤﺎ ﺑﻨﺎء ﻋﲆ دﻋﺎﺋﻪ رﺑﻪ، وﻛﺎن رد اﻟﺮب ﻋﻠﻴﻪ »ﻫﻮ ذا ﻗﺪ ﻓﻌﻠﺖ ﺣﺴﺐ ﻛﻼﻣﻚ، ﻫﻮ ذا أﻋﻄﻴﻚ ﻗﻠﺒًﺎ ﺣﻜﻴﻤًﺎ وﻣﻤﻴﺰًا، ﺣﺘﻰ إﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺜﻠﻚ ﻗﺒﻠﻚ، وﻻ ﻳﻘﻮم ﺑﻌﺪك ﻧﻈير … ﻓﺘﻌﺎﻇﻢ المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﲆ ﻛﻞ ﻣﻠﻮك اﻷرض، ﰲ اﻟﻐﻨﻰ واﻟﺤﻜﻤﺔ … وﻓﺎﻗﺖ ﺣﻜﻤﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺣﻜﻤﺔ ﻛﻞ ﺑﻨﻲ المﴩق، وﻛﻞ ﺣﻜﻤﺔ المﴫﻳين )ﻟﻨﻼﺣﻆ اﻷﺛﺮ اﻟﻨﻔﴘ ﻟﺬﻛﺮى أﻳﺎم اﻻﺳﺘﻌﺒﺎد ﰲ ﻣﴫ، ووﺟﻮب ﺗﻔﻮق ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﻠﻴﻬﻢ( ﻓﺘﻜﻠﻢ ﺑﺜﻼﺛﺔ آﻻف ﻣﺜﻞ، وﻛﺎﻧﺖ ﻧﺸﺎﺋﺪه أﻟﻔًﺎ وﺧﻤﺴًﺎ، وﺗﻜﻠﻢ ﻋﻦ اﻷﺷﺠﺎر ﻣﻦ اﻷرز اﻟﺘﻲ ﰲ ﻟﺒﻨﺎن إﱃ اﻟﺰوﻓﺎ اﻟﻨﺎﺑﺖ ﰲ اﻟﺤﺎﺋﻂ، وﺗﻜﻠﻢ ﻋﻦ اﻟﺒﻬﺎﺋﻢ وﻋﻦ اﻟﻄير وﻋﻦ اﻟﺪﺑﻴﺐ وﻋﻦ اﻟﺴﻤﻚ، وﻛﺎﻧﻮا ﻳﺄﺗﻮن ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺸﻌﻮب ﻟﻴﺴﻤﻌﻮا ﺣﻜﻤﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن، ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻠﻮك اﻷرض اﻟﺬﻳﻦ ﺳﻤﻌﻮا ﺑﺤﻜﻤﺘﻪ« )ص٣،
.(١٠ ،٤
وأول ﻣﺎ ﻧﻼﺣﻈﻪ ﺣﻮل ﺣﺪود المﻤﻠﻜﺔ، أﻧﻪ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﻬﺎ وﻗﺪ ﻧﺒﺘﺖ ﻛﺪوﻳﻠﺔ ﺑﺎﻷﻣﺲ، وﻣﺎ ﻛﺎن لمﻠﻚ ﻧﺎﺷﺊ، أن ﻳﺼﻞ ﺑﺴﻠﻄﺎﻧﻬﺎ إﱃ اﻟﻨﻬﺮ »اﻟﻔﺮات« وﻗﺖ اﻟﺴﻴﺎدة اﻵﺷﻮرﻳﺔ وﻣﺎ أدراك ﻣﺎ اﻵﺷﻮرﻳﻮن، أو أن ﺗﺘﺠﺮأ اﻟﺪوﻳﻠﺔ ﻓﺘﺘﺒﺴﻂ ﰲ ﻣﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴﻠﻄﺎن ﻋﲆ ﺗﺨﻮم ﻣﴫ وﻣﺎ أدراك ﻣﺎ اﻟﻔﺮاﻋين، وﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﻬﺎ أن ﺗﻄﺎل ﻟﺒﻨﺎن. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻘﻮل اﻟﺴﻔﺮ ﻧﻔﺴﻪ: إن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻛﺎن ﻳﺪﻓﻊ ﻟﺤيرام ﻣﻠﻚ ﺻﻮر وﺻﻴﺪا إﺗﺎوة ﺳﻨﻮﻳﺔ »وأﻋﻄﻰ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺣيرام ﻋﴩﻳﻦ أﻟﻒ ﻛﺮ ﺣﻨﻄﺔ، وﻃﻌﺎﻣًﺎ ﻷﻫﻞ ﺑﻴﺘﻪ، وﻋﴩﻳﻦ ﻛﺮ زﻳﺖ، وﻫﻜﺬا ﻛﺎن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻳﻌﻄﻲ ﺣيرام ﺳﻨﺔ ﻓﺴﻨﺔ« )ص.(٥
والمﻼﺣﻈﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻫﻲ أن ﺣﻜﻤﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺗﻤﺜﻠﺖ ﰲ ﺛﻼﺛﺔ آﻻف ﻣﺜﻞ، وﺷﻌﺮ ﺣﻜﻤﻲ ﺗﻀﻤﻦ ﺣﺪﻳﺜًﺎ ﻋﻦ اﻟﺸﺠﺮ واﻟﻄير واﻟﺴﻤﻚ واﻟﺪﺑﻴﺐ )أي اﻟﻨﻤﻞ(، وﺗﺤﺘﻮﻳﻪ أﺳﻔﺎر أﺧﺒﺎر اﻷﻳﺎم اﻟﺜﺎﻧﻲ واﻷﻣﺜﺎل وﻧﺸﻴﺪ اﻹﻧﺸﺎد، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﰲ اﻷﺻﻞ اﻟﻌﱪاﻧﻲ ﻟﻠﻜﺘﺎب إﺻﺤﺎﺣﺎت ﺗﺤﺘﻮي ﻋﲆ ﳾء ﻳﺸﺒﻪ ﻛﺘﺎب »ﺑﻴﺪﺑﺎ« »ﻛﻠﻴﻠﺔ ودﻣﻨﺔ«، اﻟﺬي ﻳﺤﻮي أﻣﺜﻠﺔ ﺣﻜﻤﻴﺔ وﺿﻌﻬﺎ ﻣﺆﻟﻔﻬﺎ ﻋﲆ أﻟﺴﻨﺔ اﻟﺤﻴﻮان واﻟﻄير واﻟﻬﻮام. أﻣﺎ المﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ، ﻓﻬﻲ ﺣﻮل اﻷﺻﻞ اﻟﻌﱪاﻧﻲ ﻟﻠﻜﺘﺎب المﻘﺪس، اﻟﺬي ﻛﺘﺐ ﺑﻠﻐﺔ ﺑﺪاﺋﻴﺔ، ﺑﺤﺮوف ﻏير ﺻﺎﺋﺘﺔ، وﺳﺎﻛﻨﺔ، ﻗﺒﻞ ﺗﺼﻮﻳﺘﻬﺎ وﺗﺤﺮﻳﻜﻬﺎ ﻗﻴﺎﺳًﺎ ﻋﲆ اﻟﻠﻐﺔ اﻵراﻣﻴﺔ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﺤﺪث ﺧﻠﻄًﺎ ﰲ ﻓﻬﻢ اﻟﻨﺼﻮص، وﺧﺎﺻﺔ ﰲ اﻟﺤﺮوف، ﻣﺜﻞ ﺣﺪﻳﺜﻪ »ﻋﻦ« اﻷﺷﺠﺎر واﻟﺤﻴﻮان واﻟﻨﻤﻞ، واﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﰲ اﻟﺤﺎل اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻓﻬﻤﻬﺎ أﻧﻬﺎ ﺣﺪﻳﺚ »إﱃ« و»ﻣﻊ.«
واﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﰲ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﻋﻦ ﻣﺠﻲء ﻛﻞ ﻣﻠﻮك اﻷرض ﻟﻴﺴﻤﻌﻮا ﻣﻦ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺣﻜﻤﺘﻪ، ﻧﺠﺪه ﻋﲆ ﻏير ﻋﺎدﺗﻪ ﰲ اﻟﺘﻔﺼﻴﻞ واﻟﺘﺪﻗﻴﻖ واﻟﺘﻜﺮار، ﻻ ﻳﺬﻛﺮ ﻟﻨﺎ ﺳﻮى ﺧﱪ ﻋﻦ ﻣﻠﻜﺔ ﻣﻨﻜﻮرة، ﻻ ﻳﻌﻠﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻣﻦ أﻣﺮﻫﺎ ﺷﻴﺌًﺎ، ﻳﻘﻮل ﻓﻴﻪ: »ﺳﻤﻌﺖ ﻣﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ ﺑﺨﱪ ﺳﻠﻴﻤﺎن لمﺠﺪ اﻟﺮب، ﻓﺄﺗﺖ ﻟﺘﻤﺘﺤﻨﻪ ﺑﻤﺴﺎﺋﻞ. ﻓﺄﺗﺖ إﱃ أورﺷﻠﻴﻢ ﺑﻤﻮﻛﺐ ﻋﻈﻴﻢ ﺟﺪٍّا، ﺑﺠﻤﺎل ﺣﺎﻣﻠﺔ أﻃﻴﺎﺑًﺎ وذﻫﺒًﺎ ﻛﺜيًرا ﺟﺪٍّا وﺣﺠﺎرة ﻛﺮﻳﻤﺔ. وأﺗﺖ إﱃ ﺳﻠﻴﻤﺎن وﻛﻠﻤﺘﻪ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﺑﻘﻠﺒﻬﺎ. ﻓﺄﺧﱪﻫﺎ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻜﻞ ﻛﻼﻣﻬﺎ … ﻓﻠﻤﺎ رأت ﻣﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ ﻛﻞ ﺣﻜﻤﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن، واﻟﺒﻴﺖ اﻟﺬي ﺑﻨﺎه، وﻃﻌﺎم ﻣﺎﺋﺪﺗﻪ، وﻣﺠﻠﺲ ﻋﺒﻴﺪه، وﻣﻮﻗﻒ ﺧﺪاﻣﻪ وﻣﻼﺑﺴﻬﻢ، وﺳﻘﺎﺗﻪ، وﻣﺤﺮﻗﺎﺗﻪ اﻟﺘﻲ ﻛﺎن ﻳﺼﻌﺪﻫﺎ ﰲ ﺑﻴﺖ اﻟﺮب، ﻟﻢ ﻳﺒﻖَ ﻓﻴﻬﺎ روح ﺑﻌﺪ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻠﻤﻠﻚ: ﺻﺤﻴﺤًﺎ ﻛﺎن اﻟﺨﱪ اﻟﺬي ﺳﻤﻌﺘﻪ ﰲ أرﴈ ﻋﻦ أﻣﻮرك وﻋﻦ ﺣﻜﻤﺘﻚ، وﻟﻢ أﺻﺪق اﻷﺧﺒﺎر ﺣﺘﻰ ﺟﺌﺖ وأﺑﴫت ﻋﻴﻨﺎي، ﻓﻬﻮ ذا اﻟﺼﻨﻒ اﻟﺬي ﻟﻢ أﺧﱪ ﺑﻪ … ﻓﺎﻧﴫﻓﺖ، وذﻫﺒﺖ إﱃ أرﺿﻬﺎ«
.(١٠ص)
وﻫﻨﺎ أﻳﻀًﺎ ﻧﻈﺮ وﻣﻠﺤﻮﻇﺎت
المﻠﺤﻮﻇﺔ اﻷوﱃ أن اﻟﻨﺺ ﻟﻢ ﻳﺬﻛﺮ اﺳﻢ المﻠﻜﺔ أﺻﻼً، واﻟﺜﺎﻧﻴﺔ أن اﻟﺘﻌﺒير »وﻛﻠﻤﺘﻪ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﺑﻘﻠﺒﻬﺎ«، إﻧﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﻌﻨﻲ »ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﺪور ﰲ ﺧﺎﻃﺮﻫﺎ ﻣﻦ اﺳﺘﻔﺴﺎرات؛ ﻟﺘﻤﺘﺤﻨﻪ ﺑﻤﺴﺎﺋﻞ«، إذ ﻛﺎن ﻣﻈﻨﻮﻧًﺎ آﻧﺬاك أن اﻟﻘﻠﺐ ﻣﺮﻛﺰ اﻟﺘﻔﻜير، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺸﻬﺪ ﺑﻪ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻧﻔﺴﻪ ﰲ ﻗﻮل اﻟﺮب ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن: »ﻫﻮ ذا أﻋﻄﻴﻚ ﻗﻠﺒًﺎ ﺣﻜﻴﻤًﺎ وﻣﻤﻴﺰًا«، ﻟﻜﻦ ﻗﺮاءة أﺧﺮى ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﺤﻮل اﻷﻣﺮ إﱃ ﺣﺪﻳﺚ ﻋﻦ اﻟﺤﺐ وﻟﻮﻋﺘﻪ، ورﺑﻤﺎ اﺳﺘﺪﻋﻰ ﻣﺮﻛﺰ اﻟﻌﺎﺷﻘين إﻧﻬﺎء ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻮﺟﺪ ﺑﺰواج ﻣﻠﻜﻲ ﻋﻈﻴﻢ، والمﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻫﻲ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻋﻦ اﺳﻢ ﻫﺬه المﻠﻜﺔ ﰲ اﻟﱰاث اﻟﻌﺮﺑﻲ »ﺑﻠﻘﻴﺲ«، ﻣﻘﺎرﻧًﺎ ﺑﻤﺎ ﺟﺎء ﰲ ﻗﻮل »إﺳﺤﺎق اﻷﻧﻄﺎﻛﻲ« ﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ المﻴﻼدي، إن اﻟﻌﺮب ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻌﺒﺪون إﻟﻬﺔ ﺗﺪﻋﻰ »ﺑﻠﺘﻴﺲ«، وﻗﺪ ذﻛﺮ »ﺑﻠﺘﻴﺲ« أﻳﻀًﺎ »ﺑﺮ ﻋﲆ« ﰲ ﻣﻌﺠﻤﻪ ﻋﲆ أﻧﻬﺎ المﻌﺒﻮد اﻟﻜﻮﻛﺒﻲ »ﻓﻴﻨﻮس« أو اﻟﺰﻫﺮة، وأﻧﻬﺎ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﻣﺜﻠﻮﻫﺎ ﰲ ﺻﻨﻢ اﻟﻌﺰى؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻳﺒﺪو أن اﺳﻢ »ﺑﻠﻘﻴﺲ« ﻻ ﻳﻌﺪو ﻛﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﺑﻘﺎﻳﺎ اﻟﻌﺒﺎدات اﻷﺳﻄﻮرﻳﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، أﻣﺎ آﺧﺮ أﺑﺎﻃﺮة اﻟﺤﺒﺸﺔ »ﻫﻴﻼﺳﻼﳼ« ﻓﻜﺎن ﻳﺰﻋﻢ أﻧﻪ اﻟﺤﻔﻴﺪ اﻷﺧير ﰲ ﺳﻠﺴﻠﺔ أﺑﺎﻃﺮة ﺣﻜﻤﻮا اﻟﺤﺒﺸﺔ، وأن ﻫﺬا اﻟﺴﻠﺴﺎل ﻳﻌﻮد ﺑﺎﻟﺒﻨﻮة إﱃ اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺎﻣﺖ ﺑين »ﺳﻠﻴﻤﺎن« و»ﺑﻠﻘﻴﺲ«، ﺑﻌﺪ أن ﺧﻠﺒﺖ ﻟﺒﻪ ﺑﻔﺘﻨﺘﻬﺎ، وﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺴﻠﻴﻤﺎن ﻣﻠﻚ اﻟﻴﻬﻮد، ﻓﻘﺪ اﺳﺘﺴﺎغ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻟﻘﺐ »أﺳﺪ ﻳﻬﻮذا«، وﻻ ﻳﻐﻴﺐ ﻋﻦ ﻓﻄﻦ إﻣﻜﺎن ﺗﺤﻮل اﻻﺳﻢ »ﺑﻠﻘﻴﺲ«
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
إﱃ »ﺑﻠﺘﻴﺲ«، ﻧﺘﻴﺠﺔ اﻟﺨﻠﻂ اﻟﻠﺴﺎﻧﻲ، وﻣﺎ اﺷﺘﻬﺮ ﰲ اﻷﺳﻄﻮرة: أن اﻟﺰﻫﺮة ﻛﺎﻧﺖ رﺑﺔ ﻓﺘﻨﺔ وإﻏﻮاء ﺟﺴﺪي )ارﺟﻊ ﻟﻠﻤﺰﻳﺪ ﺣﻮل ﻣﻮﺿﻮﻋﻨﺎ: اﻟﺰﻫﺮة ﺑين اﻟﺨﺼﺐ واﻟﺤﺮب3.(
أﻣﺎ المﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺮاﺑﻌﺔ، ﻓﻬﻲ ﺑﻌﺪ اﻟﺸﻘﺔ ﻣﺎ ﺑين ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ اﻟﻴﻤﻨﻴﺔ وﻓﻠﺴﻄين، ﻣﺮورًا ﺑﺼﺤﺮاء ﻋﻈﻤﻰ ﰲ اﻟﺠﺰﻳﺮة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، وﺻﻌﻮﺑﺔ ﺗﺼﻮر المﻠﻜﺔ ﺗﺤﺘﻤﻞ ﻛﻞ ﻫﺬه المﺸﺎق، لمﺠﺮد أن ﺗﻤﺘﺤﻦ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺑﻤﺴﺎﺋﻞ! إﻻ أن ﺣﻞ المﺴﺄﻟﺔ ﻫﻨﺎ، ﻧﺠﺪه ﰲ ﻛﺸﻒ لمﺪرﺳﺔ اﻵﺛﺎري »ﻓﺮﺗﺰ ﻫﻮﻣﻞ«، اﻟﺘﻲ ذﻫﺒﺖ إﱃ أن اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﺘﻲ ﻛ ﱠﻮﻧﺖ دوﻟﺔ ﺳﺒﺄ اﻟﻴﻤﻨﻴﺔ، ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺒﻞ ﻧﺰوﺣﻬﺎ إﱃ اﻟﻴﻤﻦ، ﺗﺴﻜﻦ ﴍﻗﻲ ﺧﻠﻴﺞ اﻟﻌﻘﺒﺔ، أي إﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﻜﻦ ﻋﲆ اﻟﺤﺪود اﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﻟﻔﻠﺴﻄين اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ،4 وﺛﻤﺔ دﻋﻢ وﺟﺪﻧﺎه ﻟﻮﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ »ﻫﻮﻣﻞ« ﻓﻴﻤﺎ ﺟﺎء ﺑﺎﻟﻨﺼﻮص اﻟﺮاﻓﺪﻳﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، ﺣﻮل ﺑﺪو أﻋﺮاب ﻳﻌﻴﺸﻮن ﰲ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻳﺤﻜﻤﻬﺎ اﻟﻨﺴﺎء. وأﻃﻠﻘﺖ اﻟﻨﺼﻮص ﻋﲆ ﻫﺬه المﻤﻠﻜﺔ اﺳﻢ »أرﻳﺒﻲ« أو »ﻋﺮﻳﺒﻲ«، وأﺷﺎرت إﱃ أﻧﻬﺎ ﺗﻘﻊ ﴍﻗﻲ ﺧﻠﻴﺞ اﻟﻌﻘﺒﺔ، أو ﺑﺎﻟﺘﺪﻗﻴﻖ إﱃ اﻟﺠﻨﻮب اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻣﻦ ﺑﻼد اﻟﻌﺮاق5.
وﻏير ﺗﻠﻚ المﻠﻜﺔ المﺸﻐﻮﻟﺔ ﺑﺤﻞ المﺴﺎﺋﻞ، ﻻ ﻳﺤﺪﺛﻨﺎ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻋﻦ اﺳﺘﻘﺒﺎل اﻟﺒﻼط اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻲ لمﻠﻚ آﺧﺮ ﻣﻦ ﻣﻠﻮك اﻷرض، والمﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ، ﻓﻬﻲ ﺣﻮل ﻣﺠﺪ وﻋﻈﻤﺔ ﻫﺬه المﻤﻠﻜﺔ، اﻟﺘﻲ وﺻﻞ ﺧﱪﻫﺎ إﱃ ﻣﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻌﻘﺐ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺪﻛﺘﻮر »أﺣﻤﺪ ﺳﻮﺳﺔ« ﺑﻘﻮﻟﻪ: »أﻣﺎ اﻟﻮﺻﻒ اﻟﺬي اﻋﺘﺎد أﻛﺜﺮ اﻟﺒﺎﺣﺜين ﺗﺮدﻳﺪه ﻋﻦ اﺗﺴﺎع واﻣﺘﺪاد ﺣﺪود ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن، ﻓﻴﻌﺪه أﻛﺜﺮ اﻟﺒﺎﺣﺜين ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ المﺒﺎﻟﻐﺎت اﻟﺘﻲ درﺟﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ دوﻳﻼت ﺗﻠﻚ اﻟﻌﺼﻮر، واﻟﺤﻘﻴﻘﺔ أن ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن اﻟﺘﻲ ﺗﺒﺠﺢ اﻟﻴﻬﻮد ﺑﻌﻈﻤﺘﻬﺎ، ﻛﺎﻧﺖ أﺷﺒﻪ ﺑﻤﺤﻤﻴﺔ ﻣﴫﻳﺔ ﻣﺮاﺑﻄﺔ ﻋﲆ ﺣﺪود ﻣﴫ، ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﲆ ﺣﺮاب أﺳﻴﺎدﻫﺎ اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ، اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎن أﻫﻢ ﻣﺎ ﻳﻬﺪﻓﻮن إﻟﻴﻪ ﻣﻦ وراء ﻫﺬا اﻹﺳﻨﺎد، ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺣﺪودﻫﻢ اﻟﴩﻗﻴﺔ ﻣﻦ ﻏﺎرات اﻷﻗﻮام اﻟﻄﺎﻣﻌﺔ ﺑﻤﴫ، وﰲ ﻣﻘﺪﻣﺘﻬﻢ اﻵﺷﻮرﻳﻮن، وﻛﺎن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻳﺮﻳﺪ أن ﻳﺠﺎري اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ ﰲ اﻟﺒﺬخ، واﻟﻈﻬﻮر ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻮق ﻃﺎﻗﺘﻪ وإﻣﻜﺎﻧﻴﺎﺗﻪ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، وذﻟﻚ ﺑﺈﻏﺪاﻗﻪ ﰲ إﻗﺎﻣﺔ اﻷﺑﻨﻴﺔ اﻟﺸﺎﻫﻘﺔ واﻟﻘﺼﻮر اﻟﻔﺨﻤﺔ، ﻓﺄﺛﻘﻞ ﻛﺎﻫﻞ اﻟﺸﻌﺐ ﺑﻜﺜﺮة اﻟﴬاﺋﺐ، ﻛﻤﺎ أﺛﻘﻞ ﺧﺰﻳﻨﺔ اﻟﺪوﻟﺔ
3 د. ﺳﻴﺪ ﻣﺤﻤﻮد اﻟﻘﻤﻨﻲ، اﻟﺰﻫﺮة ﺑين اﻟﺨﺼﺐ واﻟﺤﺮب، اﻟﻜﺮﻣﻞ، ﻧﻴﻘﻮﺳﻴﺎ ﻗﱪص، ١٩٨٩م، ﻋﺪد .٣٣
4 ﻓﺮﺗﺰ ﻫﻮﻣﻞ، اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻟﻌﺎم ﻟﺒﻼد اﻟﻌﺮب اﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﺿﻤﻦ ﻛﺘﺎب اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻟﻘﺪﻳﻢ، ﺗﺮﺟﻤﺔ، د. ﻓﺆاد ﺣﺴﻨين، ﻣﻜﺘﺒﺔ اﻟﻨﻬﻀﺔ المﴫﻳﺔ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٩٥٨م، ص.٦٤
5 ﻧﻔﺴﻪ، ص٦٢، .٦٣
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﺑﺎﻟﺪﻳﻮن المﱰاﻛﻤﺔ6«. وﺣﺘﻰ ﻫﺬه اﻷﺑﻨﻴﺔ اﻟﺸﺎﻫﻘﺔ اﻟﺘﻲ أﺛﻘﻠﺖ ﻛﺎﻫﻞ اﻟﺸﻌﺐ ﺑﺎﻟﺪﻳﻮن — ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺮى »ﺳﻮﺳﺔ« — ﻫﻲ ﺑﺪورﻫﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻧﻈﺮ وﻣﻠﺤﻮﻇﺎت.
ﺗﻐﻨﻴًﺎ ﺑﻬﺬه اﻟﻌﻈﻤﺔ، ﻳﻔﺎﺧﺮ ﺳﻔﺮ المﻠﻮك اﻷول ﺑﺠﻴﺶ المﻠﻚ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« اﻟﻬﺎﺋﻞ، ﻓﻴﻘﻮل: »وﻛﺎن ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن أرﺑﻌﻮن أﻟﻒ ﻣﺬود ﻟﺨﻴﻞ ﻣﺮﻛﺒﺎﺗﻪ، واﺛﻨﺎ ﻋﴩ أﻟﻒ ﻓﺎرس … ﻓﻜﺎن ﻟﻪ أﻟﻒ وأرﺑﻌﻤﺎﺋﺔ ﻣﺮﻛﺒﺔ« )ص٤، (١٠، ﻫﺬا ﻧﺎﻫﻴﻚ ﻋﻦ ﻣﻨﺸﺂﺗﻪ المﻌﻤﺎرﻳﺔ، اﻟﺘﻲ ﺗﻤﺜﻠﺖ ﰲ ﺑﻨﺎءﻳﻦ: اﻷول ﺑﻴﺖ اﻟﺮب أو اﻟﻬﻴﻜﻞ )واﺳﻤﻪ ﻣﺄﺧﻮذ ﻋﻦ اﻟﻜﻠﻤﺔ اﻟﻜﻨﻌﺎﻧﻴﺔ ﻫﻴﻜﺎل(، واﻟﺜﺎﻧﻲ ﻫﻮ اﻟﻘﴫ اﻟﺬي ﺧﺼﺼﻪ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻛﺴﻜﻦ ﺧﺎص ﻟﻪ، وﻣﻘﺮ ﻟﻠﺤﻜﻢ، ﻓﺄﻣﺎ اﻟﻬﻴﻜﻞ ﻓﻬﻮ »اﻟﺒﻴﺖ اﻟﺬي ﺑﻨﺎه ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻟﻠﺮب، وﻃﻮﻟﻪ ﺳﺘﻮن ذراﻋًﺎ، وﻋﺮﺿﻪ ﻋﴩون ذراﻋًﺎ، وﺳﻤﻜﻪ ﺛﻼﺛﻮن ذراﻋًﺎ … وﺟﻤﻴﻊ اﻟﺒﺒﺖ ﻏﺸﺎه ﺑﺬﻫﺐ … وﻋﻤﻞ ﰲ المﺤﺮاب ﻛﺮوﺑين … وﻏﴙ اﻟﻜﺮوﺑين ﺑﺬﻫﺐ )اﻟﻜﺮوﺑين ﻣﺜﻨﻲ ﻛﺮوب، وﻫﻮ ﻧﺼﺐ ﰲ ﻫﻴﺌﺔ ﻧﴪ ﻣﺠﻨﺢ«( )ص.(٦ أﻣﺎ اﻟﻘﴫ ﻓﻜﺎن واﺿﺤًﺎ أﻧﻪ أﻛﺜﺮ ﺿﺨﺎﻣﺔ وﻓﺨﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺑﻴﺖ اﻟﺮب، ﻓﻘﺪ ﻛﺎن »ﻃﻮﻟﻪ ﻣﺎﺋﺔ ذراع، وﻋﺮﺿﻪ ﺧﻤﺴﻮن ذراﻋًﺎ، وﺳﻤﻜﻪ ﺛﻼﺛﻮن ذراﻋًﺎ … ﻛﻞ ﻫﺬا ﻣﻦ أﺣﺠﺎر ﻛﺮﻳﻤﺔ … وﻛﺎن ﻣﺆﺳﺴًﺎ ﻋﲆ ﺣﺠﺎرة ﻛﺮﻳﻤﺔ … وﻋﻤﻞ اﻟﺒﺤﺮ ﻣﺴﺒﻮﻛًﺎ ﻋﴩة أذرع )ﻳﻘﺼﺪ ﺣﻮض أﺳﻤﺎك زﻳﻨﺔ«( )ص.(٧
أﻣﺎ ﻋﺮش المﻠﻚ ﻓﻘﺪ »ﻏﺸﺎه ﺑﺬﻫﺐ ﻣﻦ إﺑﺮﻳﺰ، وﻟﻠﻜﺮﳼ ﺳﺖ درﺟﺎت … أﺳﺪان واﻗﻔﺎن ﺑﺠﺎﻧﺐ اﻟﻴﺪﻳﻦ … واﺛﻨﺎ ﻋﴩ أﺳﺪًا واﻗﻔﺔ ﻫﻨﺎ وﻫﻨﺎك ﻋﲆ اﻟﺪرﺟﺎت اﻟﺴﺖ )ﻳﻘﺼﺪ ﺗﻤﺎﺛﻴﻞ( … وﺟﻤﻴﻊ آﻧﻴﺔ ﴍب المﻠﻚ ﻣﻦ ذﻫﺐ … وﺟﻌﻞ المﻠﻚ اﻟﻔﻀﺔ ﰲ أورﺷﻠﻴﻢ ﻣﺜﻞ اﻟﺤﺠﺎرة« )ص.(١٠ وﺣﺘﻰ ﺗﺴﺘﻜﻤﻞ اﻟﻌﻈﻤﺔ، ﻛﺎن ﻣﺤﺘﻤًﺎ أن ﻳﺘﻤﻢ المﻠﻚ اﻷﺑﻬﺔ ﺑﺰوﺟﺔ ﺗﻠﻴﻖ ﺑﻪ، وﻧﺴﺐ ﻳﻀﺎﻫﻴﻪ ﺟﺎﻫًﺎ واﻗﺘﺪارًا، ولمﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ وﻗﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﻫﻮ أﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﻓﺮاﻋﻨﺔ ﻣﴫ أﺑﻬﺔ وﺟﺎﻫًﺎ واﻗﺘﺪارًا، ورﻏﻢ اﻟﻌﺪاء المﺮﻳﺮ اﻟﺬي ﺗﻘﻄﺮ ﻣﺮارﺗﻪ ﰲ ﻛﻞ إﺻﺤﺎح ﻣﻦ أﺳﻔﺎر اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس، ﺿﺪ ﻣﴫ والمﴫﻳين، ﻓﻘﺪ »ﺻﺎﻫﺮ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻓﺮﻋﻮن ﻣﴫ، وأﺧﺬ ﺑﻨﺖ ﻓﺮﻋﻮن« )ص(٣، وﻗﺪ ﻗﺪم اﻟﻔﺮﻋﻮن ﻻﺑﻨﺘﻪ ﻫﺪﻳﺔ زﻓﺎف ﻋﻈﻴﻤﺔ، »وﺻﻌﺪ ﻓﺮﻋﻮن ﻣﻠﻚ ﻣﴫ، وأﺧﺬ ﺟﺎزر وأﺣﺮﻗﻬﺎ ﺑﺎﻟﻨﺎر )ﺟﺎزر ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺳﺎﺣﻠﻴﺔ ﻓﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ(، وﻗﺘﻞ اﻟﻜﻨﻌﺎﻧﻴين اﻟﺴﺎﻛﻨين ﰲ المﺪﻳﻨﺔ، وأﻋﻄﺎﻫﺎ ﻣﻬﺮًا ﻻﺑﻨﺘﻪ اﻣﺮأة ﺳﻠﻴﻤﺎن« )ص.(٩
وﺣﺘﻰ ﻳﺴﺘﻜﻤﻞ المﻠﻚ ﺑﻘﻴﺔ ﻣﻈﺎﻫﺮ اﻷﺑﻬﺔ، ﻓﻘﺪ »أﺣﺐ المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻧﺴﺎء ﻏﺮﻳﺒﺔ ﻛﺜيرة ﻣﻊ ﺑﻨﺖ ﻓﺮﻋﻮن، ﻣﺆاﺑﻴﺎت وﻋﻤﻮﻧﻴﺎت وآدوﻣﻴﺎت وﺻﻴﺪوﻧﻴﺎت وﺣﻴﺜﻴﺎت … وﻛﺎﻧﺖ
6 د. أﺣﻤﺪ ﺳﻮﺳﺔ، اﻟﻌﺮب واﻟﻴﻬﻮد ﰲ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻟﻺﻋﻼن واﻟﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﻨﴩ، دﻣﺸﻖ، ط٢، ص.٢٩٦
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻟﻪ ﺳﺒﻌﻤﺎﺋﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﺴﻴﺪات، وﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ ﻣﻦ اﻟﴪاري« )ص(١١، وﻛﻲ ﻳﻄﻴﻖ المﻠﻚ وﺻﺎل ﻫﺬا اﻟﺤﺸﺪ المﻬﻮل ﻣﻦ اﻷﺟﺴﺎد، ﻓﻘﺪ ﻣﻨﺤﻪ ﷲ ﻗﺪرة أﻛﺜﺮ ﻫﻮﻻً، ﺗﻤﺜﻠﺖ ﰲ ﻗﻮل اﻟﻜﺘﺎب: »وﻛﺎن ﻃﻌﺎم ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻟﻠﻴﻮم اﻟﻮاﺣﺪ: ﺛﻼﺛين ﻛﺮ ﺳﻤﻴﺪ، وﺳﺘين ﻛﺮ دﻗﻴﻖ، وﻋﴩة ﺛيران ﻣﺴﻤﻨﺔ وﻋﴩﻳﻦ ﺛﻮرًا ﻣﻦ المﺮاﻋﻲ، وﻣﺎﺋﺔ ﺧﺮوف، ﻣﺎ ﻋﺪا اﻷﻳﺎﺋﻞ واﻟﻈﺒﺎء واﻟﻴﺤﺎﻣير واﻹوز المﺴﻤﻦ« )ص.(٤
واﻷﻣﺮ إﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﻃﺮاﻓﺘﻪ، ﻓﺈن ﻓﻴﻪ ﻧﻈﺮًا وﻣﻠﺤﻮﻇﺎت: المﻠﺤﻮﻇﺔ اﻷوﱃ وﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻬﺬا اﻟﺠﻴﺶ اﻟﻌﺮﻣﺮم ﻣﻦ المﺮﻛﺒﺎت واﻟﻔﺮﺳﺎن، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻨﺎﻟﻪ ﺷﻚ ﻛﺒير، ﰲ ﺿﻮء ﻧﺺ آﺧﺮ ﺑﺎﻟﺴﻔﺮ ﻧﻔﺴﻪ، ﻳﺸير إﱃ اﺳﺘﻌﺼﺎء المﺪﻳﻨﺔ اﻟﺴﺎﺣﻠﻴﺔ )ﺟﺎزر( ﻋﲆ »ﺳﻠﻴﻤﺎن«، ﺣﺘﻰ إن ﺻﻬﺮه اﻟﻔﺮﻋﻮن أرﺳﻞ ﺑﻀﻊ ﻛﺘﺎﺋﺐ اﺣﺘﻠﺘﻬﺎ ﻟﻪ، ﺛﻢ أﻫﺪﺗﻬﺎ إﻳﺎه ﻛﻌﺮﺑﻮن ﺻﺪاق ﻟﻌﺮس اﺑﻨﺔ اﻟﻔﺮﻋﻮن، ﻟﻜﻦ ﺣﺘﻰ ﻫﺬا اﻟﺰواج ﺑﺪوره ﻳﺸﻮﺑﻪ ﺷﻚ أﻛﱪ، ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﻣﺎ ﻧﻌﻠﻤﻪ ﻣﻦ وﺛﺎﺋﻖ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻋﻦ ﺳﻨﻦ اﻟﻔﺮاﻋين، اﻟﺬﻳﻦ ﻟﻢ ﻳﺪرﺟﻮا ﻋﲆ زواج ﺑﻨﺎﺗﻬﻢ ﻟﻐير ﻣﴫﻳين، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﻠﻮﻛًﺎ، اﺗﺒﺎﻋًﺎ ﻟﺴﻨﺔ ﺳﻨﺖ ﺣﻖ المﻠﻚ ﻟﻺﻧﺎث ﻣﻦ اﻷﴎ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ، وأن اﻟﻌﺮش ﻛﺎن ﻻ ﻳﺌﻮل ﻟﻮﻟﻴﻪ إﻻ ﺑﺰواﺟﻪ ﻣﻦ اﻷﻣيرة ﺻﺎﺣﺒﺔ الميراث؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﺳﻮﻏﻮا — وﻻ ﻏﻀﺎﺿﺔ — زواج اﻷﺧﺖ اﻟﺸﻘﻴﻘﺔ ﻟﻴﺘﻤﻜﻦ اﻷﻣير ﻣﻦ ﴍﻋﻴﺔ ﺣﻜﻤﻪ، وإذا ﻋﺰ وﺟﻮد ذﻛﺮ ﻣﻦ داﺧﻞ اﻷﴎة المﺎﻟﻜﺔ، ﻓﻜﺎن ﻻ ﺑﺪ ﻟﻠﻤﺮﺷﺢ ﻟﻠﻌﺮش ﻣﻦ المﺮور ﺑﻄﻘﻮس دﻳﻨﻴﺔ وﺗﻄﻬيرﻳﺔ وارﺗﻘﺎﺋﻴﺔ ﻳﻄﻮل ﴍﺣﻬﺎ، ﺗﻨﺘﻬﻲ أﻳﻀًﺎ ﺑﴩط زواﺟﻪ ﻣﻦ اﻷﻣيرة اﻟﻮارﺛﺔ، ﻓﻤﺎ ﺑﺎﻟﻨﺎ واﻷﻣﺮ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻠﻚ ﻣﻦ اﻟﻌﱪﻳين؟ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﰲ ﻧﻈﺮ المﴫﻳين اﻻﻋﺘﻴﺎدﻳين وﻟﻴﺲ المﻠﻮك، وﺣﺴﺐ ﻧﺺ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻧﻔﺴﻪ، رﺟﺴًﺎ وﻧﺠﺴًﺎ ﻳﺠﺐ ﻋﲆ المﴫي ﺗﺤﺎﺷﻴﻪ واﺟﺘﻨﺎﺑﻪ، ﻓﻼ ﻳﺴﺎﻛﻨﻪ )ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺮر إﺻﺤﺎح ٤٦ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ(، وﻻ ﻳﺆاﻛﻠﻪ )ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺮر إﺻﺤﺎح ٤٣ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ.(
وﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺳﻠﻤﻨﺎ ﺑﺼﺪق اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﺘﻮراﺗﻴﺔ ﺣﻮل ﻫﺬا اﻟﺰواج، ﻓﺈن »وﻳﻠﺰ« ﻳﻌﻘﺐ ﺑﺎﻟﻘﻮل: »ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﺠﺎﺋﺰ أن ﻳﺘﻨﺎزل اﻟﻔﺮﻋﻮن، ﻓﻴﻘﺒﻞ ﰲ ﺣﺮﻳﻤﻪ أﻣيرة ﺑﺎﺑﻠﻴﺔ، وﻟﻜﻨﻪ ﻛﺎن ﻳﺮﻓﺾ رﻓﻀًﺎ ﺑﺎﺗٍّﺎ أن ﻳﺴﻤﺢ ﻷﻣيرة ﻣﴫﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﻣﺎ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺪاﺳﺔ، أن ﺗﺼﺒﺢ زوﺟﺔ ﻟﻌﺎﻫﻞ ﺑﺎﺑﲇ، ﻓﻤﺎ ﺑﺎﻟﻚ ﺑﻤﻠﻚ ﺻﻐير ﻛﺴﻠﻴﻤﺎن، اﺳﺘﻄﺎع أن ﻳﺘﺰوج أﻣيرة ﻣﴫﻳﺔ. إن ﻫﺬا ﻳﺪل دﻻﻟﺔ واﺿﺤﺔ ﻋﲆ اﻧﺤﻄﺎط ﻣﻬﺎﺑﺔ ﻣﴫ وﺗﺪﻫﻮرﻫﺎ ﰲ ﻫﺬه اﻷﺛﻨﺎء7«. ﺛﻢ ﻳﺸير إﱃ أﻧﻪ ﻟﻮﻻ ﻫﺬا اﻟﺘﺪﻫﻮر المﺆﻗﺖ لمﺎ ﻗﺎﻣﺖ ﻣﻤﻠﻜﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن«، ﻓﺘﺪﻫﻮر ﻣﴫ ﺣﻴﻨﺬاك ﻫﻮ اﻟﺬي أدى إﱃ
..Wells the Otline of History, p. 236 7
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﺗﺨﻔﻴﻒ ﻫﻴﻤﻨﺘﻬﺎ ﻋﲆ ﻓﻠﺴﻄين وﺑﻼد اﻟﺸﺎم؛ ﻣﻤﺎ ﺳﺎﻋﺪ ﻋﲆ ﻗﻴﺎم المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ، وﻣﻨﺢ »داود« واﻟﺪ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺷﻴﺌًﺎ ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺤﺮﻛﺔ واﻟﻨﺸﺎط واﻟﺘﺒﺴﻂ ﰲ ﻣﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴﻴﺎدة.
والمﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻨﺸﺂت »ﺳﻠﻴﻤﺎن«، اﻟﺘﻲ ﺗﺄﻛﺪ أﻧﻪ ﻗﺪ ﻗﺎم ﺑﻬﺎ ﻓﻨﻴﻮن ﻣﺘﺨﺼﺼﻮن، أرﺳﻠﻬﻢ »ﺣيرام« ﻣﻠﻚ ﺻﻮر وﺻﻴﺪا ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن، إﺿﺎﻓﺔ إﱃ المﻬﻨﺪﺳين المﴫﻳين واﻟﺮاﻓﺪﻳين، وذﻟﻚ ﻓﻴﻤﺎ وﺻﻞ إﻟﻴﻪ اﻟﺒﺤﺎﺛﺔ »ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ8.« أﻣﺎ اﻟﺪﻛﺘﻮر »ﺷﻠﺒﻲ«، ﻓﻬﻮ ﻛﻌﺎدﺗﻪ ﻳﻠﺠﺄ إﱃ »وﻳﻠﺰ« ﻳﺴﺘﻨﻄﻘﻪ ﻓﻴﻘﻮل: »إﻧﻨﺎ ﻟﻮ اﺳﺘﺨﺮﺟﻨﺎ ﻣﻦ ﻗﺼﺔ اﻟﺘﻮراة أﻃﻮال ﻣﻌﺒﺪ ﺳﻠﻴﻤﺎن، ﻟﻮﺟﺪﻧﺎ أن ﺑﺎﻹﻣﻜﺎن وﺿﻌﻪ داﺧﻞ ﻛﻨﻴﺴﺔ ﺻﻐيرة ﻣﻦ ﻛﻨﺎﺋﺲ اﻟﻀﻮاﺣﻲ9«. ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻨﺎﺳﺒًﺎ ﻫﻨﺎ إﻳﺮاد ﺗﺄﻛﻴﺪ »ﻏﻮﺳﺘﺎف ﻟﻮﺑﻮن« لمﺎ اﻧﺘﻬﻰ إﻟﻴﻪ »ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ«، إذ ﻳﻘﻮل: »ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻨﺎ أن ﻧﺘﺤﺪث ﻋﻦ وﺟﻮد ﳾء ﻣﻦ ﻓﻦ اﻟﻨﺤﺖ أو اﻟﺘﺼﻮﻳﺮ ﻋﻨﺪ ﺑﻨﻲ إﴎاﺋﻴﻞ، وﻗﻞ ﻣﺜﻞ ﻫﺬا ﻋﻦ ﻓﻦ اﻟﺒﻨﺎء ﻋﻨﺪﻫﻢ، ﻓﺎﻧﻈﺮ إﱃ ﻫﻴﻜﻠﻬﻢ المﺸﻬﻮر، اﻟﺬي ﻧﴩ ﺣﻮﻟﻪ ﻛﺜير ﻣﻦ اﻷﺑﺤﺎث المﻤﻠﺔ، ﺗﺠﺪه ﺑﻨﺎء أﻗﻴﻢ ﻋﲆ اﻟﻄﺮاز اﻵﺷﻮري المﴫي، ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺑﻨﺎﺋين ﻣﻦ اﻷﺟﺎﻧﺐ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮل اﻟﺘﻮراة، وﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺼﻮر ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻏير ﻧﺴﺦ ردﻳﺌﺔ ﻟﻠﻘﺼﻮر المﴫﻳﺔ واﻵﺷﻮرﻳﺔ10«.
والمﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻫﻲ ﺣﻮل ﻛﻤﻴﺔ اﻷﺣﺠﺎر اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، واﻟﺬﻫﺐ، اﻟﺘﻲ اﺳﺘﺨﺪﻣﻬﺎ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﰲ ﺑﻨﺎء ﻣﻨﺸﺂﺗﻪ ودﻻﻟﺔ ﻋﲆ ﻋﻈﻤﺔ المﻠﻚ، ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻈﻤﺔ اﻟﺘﻲ أدت ﺑﻪ ﻟﺮدم أﺳﺲ المﻨﺸﺂت ﺑﺎﻷﺣﺠﺎر اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، وﺟﻌﻠﺖ اﻟﻔﻀﺔ ﰲ أورﺷﻠﻴﻢ ﻛﺎﻟﺤﺠﺎرة، اﻟﺘﻲ ﻳﻌﻘﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ ﺑﺎﻟﻘﻮل: »إن اﻟﺰﻳﺎدة اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﰲ ﺳﻌﺔ اﻟﺒﻼط وﻓﺨﺎﻣﺘﻪ … اﺿﻄﺮت ﺳﻠﻴﻤﺎن إﱃ إﻗﺎﻣﺔ ﻧﻈﺎم ﴐاﺋﺐ، أﻟﻘﻰ ﻋﲆ ﺷﻌﺒﻪ ﻋﺒﺌًﺎ ﺛﻘﻴﻼً … ﻓﻜﺎﻧﺖ اﻟﺒﻼد رﻏﻢ اﻟﺮﺧﺎء ﺗﺴير ﻧﺤﻮ أزﻣﺔ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ11«.
وﰲ رأﻳﻨﺎ أن أﺑﺮز اﻷدﻟﺔ ﻋﲆ ﺗﻔﺎﻗﻢ ﻫﺬه اﻷزﻣﺔ واﺣﺘﺪادﻫﺎ، ﻫﻮ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ ﺳﻔﺮ المﻠﻮك اﻷول ﻋﻦ أﺳﻠﻮب ﺳﺪاد »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻟﺪﻳﻮﻧﻪ، ﻣﻦ أﺟﻮر اﻟﺒﻨﺎﺋين والمﻬﻨﺪﺳين ﻟﻠﻤﻠﻚ »ﺣيرام«، ﻓﻴﻘﻮل: »وﺑﻌﺪ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻋﴩﻳﻦ ﺳﻨﺔ، ﺑﻌﺪﻣﺎ ﺑﻨﻰ ﺳﻠﻴﻤﺎن اﻟﺒﻴﺘين: ﺑﻴﺖ اﻟﺮب وﺑﻴﺖ المﻠﻚ. وﻛﺎن ﺣيرام ﻗﺪ ﺳﺎﻋﻒ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﺨﺸﺐ أرز وﺧﺸﺐ ﴎو وذﻫﺐ ﺣﺴﺐ ﻛﻞ ﻣﴪﺗﻪ. أﻋﻄﻰ
8 ﺳﺒﺘﻴﻨﻮ ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ، اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، ﺗﺮﺟﻤﺔ د. اﻟﺴﻴﺪ ﻳﻌﻘﻮب ﺑﻜﺮ، دار اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻟﻠﻄﺒﺎﻋﺔ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٩٥٧م، ص.١٤٤
9 د. أﺣﻤﺪ ﺷﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٨٠
10 ﻏﻮﺳﺘﺎف ﻟﻮﺑﻮن، اﻟﻴﻬﻮد ﰲ اﻟﺤﻀﺎرات اﻷوﱃ، ص٤٠، ٤١، ﰲ أﺣﻤﺪ ﺷﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه. 11 ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٤٤
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﺣﻴﻨﺌﺬ المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺣيرام ﻋﴩﻳﻦ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﰲ أرض اﻟﺠﻠﻴﻞ« )ص(٩، ﻫﺬا ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺟﻌﻞ »ﺣيرام« ﻣﻦ ﻣﻤﻠﻜﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« أرﺿًﺎ ﻣﺴﺘﺒﺎﺣﺔ ﻟﺠﻴﻮﺷﻪ، وﻣﻌًﱪا ﻟﻪ إﱃ اﻟﺒﺤﺮ اﻷﺣﻤﺮ. وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻨﺘﺞ ﻣﻦ ﻗﻮل اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس: »وﻋﻤﻞ المﻠﻚ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺳﻔﻨًﺎ ﰲ ﻋﺼﻴﻮن ﺟﺎﺑﺮ )رﺑﻤﺎ اﻟﻌﻘﺒﺔ اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ( اﻟﺘﻲ ﺑﺠﺎﻧﺐ أﻳﻠﺔ ﻋﲆ ﺷﺎﻃﺊ ﺑﺤﺮ ﺳﻮف ﰲ أرض أدوم. ﻓﺄرﺳﻞ ﺣيرام ﰲ اﻟﺴﻔﻦ ﻋﺒﻴﺪه اﻟﻨﻮاﺗﻲ اﻟﻌﺎرﻓين ﺑﺎﻟﺒﺤﺮ ﻣﻊ ﻋﺒﻴﺪ ﺳﻠﻴﻤﺎن، ﻓﺄﺗﻮا إﱃ أوﻓير )ﻣﻈﻨﻮن أﻧﻬﺎ اﻟﺼﻮﻣﺎل ﺣﺎﻟﻴٍّﺎ( وأﺧﺬوا ﻣﻦ ﻫﻨﺎك ذﻫﺒًﺎ «… )ص .(٩
وﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻋﺎم ٩٢٣ق.م. ﺣﺘﻰ اﻧﻘﺴﻤﺖ ﻣﻤﻠﻜﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﲆ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻃﻠﺒﺖ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ »رﺣﺒﻌﺎم ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎن« إﻋﻔﺎءﻫﺎ ﻣﻦ اﻟﴬاﺋﺐ، ورﻓﺾ »رﺣﺒﻌﺎم«، ﻓﻜﺎن أن ﻗﺎﻣﻮا ﺑﺜﻮرة اﻧﺘﻬﺖ ﺑﺎﻧﻔﺼﺎل ﻧﺼﻒ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺸﻤﺎﱄ، وأﺳﺴﻮﻫﺎ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺗﺤﻤﻞ اﺳﻢ إﴎاﺋﻴﻞ، أﻣﺎ اﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﻓﺤﻤﻠﺖ اﺳﻢ ﻳﻬﻮذا.
ﺛﻨﺎﺋﻴﺎت اﻟﺘﺄﺳﻴﺲ واﻟﺴﻘﻮط
واﻧﻘﺴﻤﺖ ﻣﻤﻠﻜﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﲆ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺑﻤﻮﺗﻪ، ﻋﺎم ٩٢٣ق.م.
وﰲ رأﻳﻨﺎ أن ﻫﺬا اﻻﻧﻘﺴﺎم ﰲ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﻨﺎﺷﺌﺔ، واﻟﺬي اﻧﺘﻬﻰ ﺑﺎﻧﻬﻴﺎرﻫﺎ اﻟﺘﺎم واﻧﺪﺛﺎرﻫﺎ، ﻫﻮ ﻧﺎﺗﺞ ﻃﺒﻴﻌﻲ، وإﻓﺮاز ﻣﻨﻄﻘﻲ، لمﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﴫاﻋﺎت ﺑين ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﻘﺎﺋﺾ، ﺗﺘﻤﺜﻞ ﰲ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ داﺧﻞ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ.
ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ أوﱃ ﻳﻤﺜﻠﻬﺎ ﻋﻨﴫان: اﻟﻌﻨﴫ اﻟﻮﻃﻨﻲ ﻣﻦ أﻫﻞ المﻨﻄﻘﺔ اﻷﺻﻠﻴين، اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺸﻜﻠﻮن ﻣﻤﺎﻟﻚ ﺻﻐيرة ﰲ ﻫﻴﺌﺔ ﻣﺪن ﻣﺘﻨﺎﺛﺮة، ﻗﺒﻞ أن ﺗﻨﺪرج ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﰲ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﱪاﻧﻴﺔ، واﻟﻌﻨﴫ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻳﻤﺜﻠﻪ اﻟﻌﱪﻳﻮن اﻟﻮاﻓﺪون، واﻟﺬﻳﻦ ﺷﻜﻠﻮا أﻣﺜﻞ ﻧﻤﺎذج اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر اﻻﺳﺘﻴﻄﺎﻧﻲ. ﻫﺬا إﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﻣﺎ ﺗﺮﻛﻪ اﻟﻌﻨﻒ اﻟﺬي ﺻﺎﺣﺐ إﻧﺸﺎء المﻤﻠﻜﺔ، وﻣﺎ ﺗﺮﻛﻪ ﻣﺘﺄﺟﺠًﺎ ﰲ ﺻﺪور أﻫﻞ اﻟﺒﻼد، واﻟﺬي دﻋﺎ ﻛﺎﺗﺒًﺎ إﺳﻼﻣﻴٍّﺎ ﻛﺎﻟﺪﻛﺘﻮر »ﺷﻠﺒﻲ« ﻟﻠﺘﻌﻘﻴﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ: »وﻛﺎن ﻋﻬﺪ داود — ﺑﻨﺎء ﻋﲆ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ — ﻏﺎرﻗًﺎ ﰲ دﻣﺎء اﻟﻀﺤﺎﻳﺎ، ﺷﺪﻳﺪ اﻟﻘﺴﻮة«. وﻋﻘﺐ ﻋﻠﻴﻪ »وﻳﻠﺰ« ﺑﻘﻮﻟﻪ: »وﻗﺼﺔ داود ﺑﻤﺎ ﺗﺤﻮي ﻣﻦ ﻗﺘﻞ وﺳﻔﻚ دﻣﺎء واﻏﺘﻴﺎﻻت ﻣﺘﻼﺣﻘﺔ، ﻳﺄﺧﺬ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﺮﻗﺎب ﺑﻌﺾ، أﺷﺒﻪ ﺑﺘﺎرﻳﺦ أﺣﺪ اﻟﺮؤﺳﺎء المﺘﻮﺣﺸين، ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺘﺎرﻳﺦ ﻣﻠﻚ ﻣﺘﻤﺪن12«. وﻛﻼ اﻟﻜﺎﺗﺒين إﻧﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﻌﻘﺐ ﻋﲆ ﻣﺎ ورد
12 د. أﺣﻤﺪ ﺷﻠﺒﻲ، ﻣﻘﺎرﻧﺔ اﻷدﻳﺎن، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص٧٦؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ، History, of outline The WeIIs
.p. 282
ﰲ ﺳﻔﺮ ﺻﻤﻮﺋﻴﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ، اﻟﺬي ﻳﺤﻜﻲ ﻗﺼﺔ اﺣﺘﻼل داود لمﻤﻠﻜﺔ ﻋﻤﻮن )المﻈﻨﻮن أﻧﻬﺎ ﻋﻤﺎن اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ(، ﻓﺄﺧﺬ ﻏﻨﺎﺋﻤﻬﺎ وﻋﲆ رأﺳﻬﺎ ﺗﺎج المﻠﻚ، ﺛﻢ ﻗﺎم ﺑﺈﺑﺎدة ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻟﻜﻞ اﻟﻌﻨﺎﴏ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﰲ المﺪﻳﻨﺔ المﻤﻠﻜﺔ، أو ﺑﻨﺺ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس: »وأﺧﺮج اﻟﺸﻌﺐ اﻟﺬي ﻓﻴﻬﺎ، ووﺿﻌﻬﻢ ﺗﺤﺖ ﻣﻨﺎﺷير وﻧﻮارج ﺣﺪﻳﺪ وﻓﺌﻮس ﺣﺪﻳﺪ، وأﻣَ ﱠﺮﻫﻢ ﰲ أﺗﻮن اﻵﺟﺮ« )ص.(١٢
وﺛﻨﺎﺋﻴﺔ أﺧﺮى ﻳﻤﺜﻠﻬﺎ ﻃﺮﻓﺎن: اﻟﻄﺮف اﻷول: اﻷرﺳﺘﻘﺮاﻃﻴﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ وﻣﺎ ﻳﻨﻄﻮي
ﰲ داﺧﻠﻬﺎ ﻣﻦ رﺟﺎل المﺆﺳﺴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ وإدارات اﻟﺪوﻟﺔ، واﻟﻄﺮف اﻟﺜﺎﻧﻲ أرﺳﺘﻘﺮاﻃﻴﺔ ﻛﻬﻨﻮﺗﻴﺔ ﻋﺮﻳﻘﺔ ﻗﺎﻣﺖ وﺗﻤﻜﻨﺖ ﻣﻨﺬ أﻳﺎم اﻟﻨﺒﻲ »ﻣﻮﳻ«، وﻣﺜﻠﻬﺎ ﺑﻴﺖ »ﻻوي« أو »ﻟﻴﻔﻲ« ﻣﻦ أﺳﺒﺎط ﺑﻨﻲ إﴎاﺋﻴﻞ، ﺣﺘﻰ اﺳﺘﻄﺎع »ﺳﻠﻴﻤﺎن« وأﺑﻮه »داود« ﺗﺮوﻳﻀﻬﺎ وﺗﺴﻴﻴﺴﻬﺎ، ﺑﺈﺧﻀﺎع اﻟﻜﺎﻫﻦ اﻷﻛﱪ »أﺑﻴﺜﺎر« ﻟﺴﻠﻄﺎن المﻠﻚ، وﺑﺴﻂ ﺣﻤﺎﻳﺔ اﻟﺪوﻟﺔ ﻋﲆ اﻟﺪﻳﻦ، وإﻟﺤﺎق ﺑﻴﺖ »ﻟﻴﻔﻲ« ﺑﺈدارات اﻟﺪوﻟﺔ، ﻟﻴﺲ ﻛﻬﻴﺌﺔ ﻗﺒﻠﻴﺔ ﺗﻘﻮم ﺑﺄﻋﻤﺎل اﻟﻜﻬﺎﻧﺔ، وإﻧﻤﺎ ﺑﺈذاﺑﺘﻬﻢ ﻛﻤﻮﻇﻔين ﺗﺎﺑﻌين ﰲ المﺆﺳﺴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، ﻟﻜﻦ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻌﻨﻲ ﻋﺪم اﺳﺘﺒﻄﺎن اﻟﻘﺴﻤﺔ اﻟﻘﺒﻠﻴﺔ اﻷوﱃ، وﺗﺤﻔﺰ ﺑﻴﺖ »ﻟﻴﻔﻲ« وﺗﺮﻗﺒﻪ اﻟﻔﺮص ﻟﻠﻘﻔﺰ ﻋﲆ ﻛﺮﳼ اﻟﺴﻠﻄﺔ.
وﻛﺎن ﺗﺴﻴﻴﺲ اﻟﻜﻬﺎﻧﺔ ﻧﺎﺗﺠًﺎ ﻋﻦ ﺗﺤﻮل اﻟﻌﱪﻳين ﻣﻦ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺒﺪاوة إﱃ ﺣﺎﻟﺔ اﻻﺳﺘﻘﺮار، ﰲ ﻣﻨﺎﻃﻖ زراﻋﻴﺔ؛ ﻣﻤﺎ ﺣﻮل ﺑﻌﻀﻬﻢ إﱃ اﻟﻌﻤﻞ ﰲ ﻓﻼﺣﺔ اﻷرض، واﻟﺘﻮﺣﺪ ﰲ ﻛﻴﺎن ﻣﺮﻛﺰي واﺣﺪ، رﺑﻤﺎ ﻣﻬﺪ ﻣﻊ ﻃﻮل اﻟﻮﻗﺖ وﺑﺎﻟﺘﺪرج اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻟﻨﻀﻮج اﻷوﺿﺎع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، إﱃ ﺗﻔﺠير اﻷﻃﺮ اﻟﻘﺒﻠﻴﺔ، ﻹﻗﺎﻣﺔ المﺸﺎرﻳﻊ اﻟﻜﱪى اﻟﺘﻲ ﺗﻔﺮﺿﻬﺎ ﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﺤﻴﺎة ﰲ ﺑﻴﺌﺔ زراﻋﻴﺔ، ﻟﻜﻦ ﻣﺸﺎرﻳﻊ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻧﺎﺗﺞ ﻋﻼﻗﺔ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﺑﺎﻷرض وﻃﺒﻴﻌﺘﻬﺎ، وﻻ ﻧﺎﺗﺞ إﻓﺮاز ﺗﻠﻘﺎﺋﻲ ﺗﻄﻮري، ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﰲ ﻣﴫ واﻟﺮاﻓﺪﻳﻦ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺣﺪث ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻻﺳﺘﺨﺪام اﻷﻣﺜﻞ والمﻮﺣﺪ ﻟﻠﻄﺎﻗﺎت اﻟﺒﴩﻳﺔ ﰲ ﺗﻠﻚ اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ؛ ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ اﻟﺰراﻋﺔ واﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﲆ المﻴﺎه وإﻗﺎﻣﺔ المﺸﺎرﻳﻊ اﻟﻀﺨﻤﺔ، ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﺖ اﻷﻧﻬﺎر اﻟﻜﱪى )اﻟﻨﻴﻞ، دﺟﻠﺔ، اﻟﻔﺮات( وﻣﺎ ﺗﻜ ﱢﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﺷﺒﻜﺎت ﻣﺎﺋﻴﺔ ﻣﺘﻌﺪدة اﻟﺮواﻓﺪ واﻟﱰع واﻟﻘﻨﻮات، ﻳﺼﻌﺐ أﺣﻴﺎﻧًﺎ اﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﻠﻴﻬﺎ وﻗﺖ اﻟﻔﻴﻀﺎن، ﺑﺤﺎﺟﺔ إﱃ ﺗﻮﺣﺪ اﻟﺸﻌﻮب ﻟﱰوﻳﺾ ﻫﺬه المﻴﺎه اﻟﻬﺎﺋﻠﺔ؛ ﻣﻤﺎ أدى ﻹﻓﺮاز ﺗﻠﻘﺎﺋﻲ ﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺎت ﻛﱪى ﺗﺘﻤﺮﻛﺰ ﰲ ﻗﻮى ﻣﻮﺣﺪة وﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ، ﺗﻀﻢ ﻣﻼﻳين اﻟﺮﺟﺎل ﻟﻸﻋﻤﺎل اﻟﻜﱪى، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ أرض ﻓﻠﺴﻄين ﻃﻮال ﺗﺎرﻳﺨﻬﺎ ﻋﲆ ﻋﻜﺲ ﺟﺎرﺗﻴﻬﺎ ﺗﻤﺎﻣًﺎ؛ وﻟﻬﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻟﻢ ﺗﺸﻬﺪ ﺳﻮى اﻟﺪوﻳﻼت، أو المﺪن اﻟﺪول أو المﺪن المﻤﺎﻟﻚ، وذﻟﻚ ﻻﺧﺘﻼف ﺑﻴﺌﺔ ﻓﻠﺴﻄين اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ، ﻋﻦ اﻟﺒﻴﺌﺔ ﰲ ﻣﴫ واﻟﻌﺮاق، واﻋﺘﻤﺎدﻫﺎ ﰲ ﻣﺠﺎل اﻟﻔﻼﺣﺔ ﻋﲆ اﻷﻣﻄﺎر واﻟﻨﻬير )ﻗﻴﺎﺳًﺎ ﻋﲆ أﻧﻬﺎر ﻣﴫ واﻟﻌﺮاق(، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺷ ﱠﻜﻞ اﻟﺮﻋﻲ اﻟﻌﻤﻞ اﻷﺳﺎﳼ إﱃ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﺘﺠﺎرة؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻛﺎن ﻗﻴﺎم المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ ﺑﺘﻔﺠير اﻷﻃﺮ اﻟﻘﺒﻠﻴﺔ، ﻟﻴﺲ اﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺎت ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ وإﻓﺮازًا لمﺴﺎر ﺗﺎرﻳﺨﻲ وﺗﻄﻮري ﻃﻮﻳﻞ، ﻗﺪر ﻣﺎ ﻛﺎن اﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺎت
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﺷﺨﺼﻴﺔ وﻋﻨﴫﻳﺔ، ﺑﺸﻜﻞ ﻗﴪي وﻣﻔﺮوض ﻣﻦ أﻋﲆ، ﻹﻗﺎﻣﺔ ﻣﴩوﻋﺎت ﻟﻴﺲ ﻟﻠﻨﺎس ﻓﻴﻬﺎ ﻧﺎﻗﺔ وﻻ ﺟﻤﻞ، ﻛﺎﻟﻘﺼﻮر اﻟﻔﺎرﻫﺔ ﻣﺒﺎﻫﺎة وﻣﻀﺎﻫﺎة ﻟﻠﻔﺮاﻋين، وﻣﻠﻮك آﺷﻮر وﺑﺎﺑﻞ، وﻹﻗﺎﻣﺔ ﻫﻴﻜﻞ دﻳﻨﻲ ﺧﺎص ﺑﺎﻟﻘﺒﻴﻠﺔ اﻟﻌﱪاﻧﻴﺔ؛ ﻟﻴﻤﺜﻞ اﻟﺸﻜﻞ اﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﻠﺪوﻟﺔ، وﻳﻤﻴﺰ اﻟﻘﺒﻴﻠﺔ اﻟﻘﺎﺑﻀﺔ ﻋﲆ أﻋﻨﺔ اﻟﺴﻠﻄﺎن.
ﻫﺬا ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﻣﻊ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ أﺧﺮى أﺳﺎﺳﻴﺔ، ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﻳﻬﻮدﻳﺔ ﻳﻬﻮدﻳﺔ، ﺗﻤﺜﻠﻬﺎ ﻗﺒﺎﺋﻞ ﻋﱪﻳﺔ دﺧﻠﺖ ﻣﴫ وﺧﺮﺟﺖ ﻣﺘﺄﺛﺮة ﺑﻌﺒﺎدات المﴫﻳين وأﻧﻈﻤﺘﻬﻢ وﻋﺎداﺗﻬﻢ، وﻗﺒﺎﺋﻞ ﻋﱪﻳﺔ أﺧﺮى ﻇﻠﺖ ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﺒﺪاوﺗﻬﺎ ﻋﲆ اﻟﺤﺪود اﻟﺴﻴﻨﺎﺋﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﻗﺎم اﻟﻨﺒﻲ ﻣﻮﳻ )ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم( ﺑﺈﺟﺮاء ﻋﻤﻠﻴﺔ المﺰج ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﰲ ﻗﺎدش، ﻟﻜﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺻﻬﺮًا ﻟﻠﻘﺒﺎﺋﻞ أﺑﺪًا، ﻗﺪر ﻣﺎ ﻛﺎن ﻧﻮﻋًﺎ ﻣﻦ اﻻﺋﺘﻼف اﻟﻜﻮﻧﻔﺪراﱄ، اﻟﺬي ﴎﻋﺎن ﻣﺎ أﺑﺮزت ﺗﻨﺎﻗﻀﺎﺗﻪ ﻣﺴﺘﺠﺪات اﻷﺣﺪاث ﰲ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ، واﻧﺘﻬﻰ ﺑﺎﻧﻘﺴﺎم ﺻﻨﻔﻲ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ ﻣﺎ ﺑين ﺷﻤﺎل وﺟﻨﻮب، أو ﺑين إﴎاﺋﻴﻞ وﻳﻬﻮذا.
وﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﻘﻴﺎم المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ ﻋﲆ أﻧﻘﺎض المﺪن المﻤﺎﻟﻚ، وﺗﻔﺠيرﻫﺎ اﻟﻘﴪي ﻟﻸﻃﺮ اﻟﻘﺒﻠﻴﺔ، ﻧﺸﺄت ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ أﺧﺮى ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺗﻌﺮﻓﻬﺎ اﻟﺒﻠﺪان اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ وﻣﻤﺎﻟﻜﻬﺎ اﻟﺼﻐيرة؛ إذ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻫﻨﺎك ﻫﻮة ﻛﱪى ﺗﻔﺼﻞ أﻓﺮاد المﺠﺘﻤﻊ ﻋﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎت، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺑﺎت واﺿﺤًﺎ أن المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ ﻗﺪ أﻧﺸﺄت ﻫﻮة ﻫﺎﺋﻠﺔ ﺑين اﻟﻘﺒﻴﻠﺔ اﻟﻌﱪﻳﺔ ﰲ ﺟﺎﻧﺐ، وﺑﺎﻗﻲ ﺷﻌﻮب
المﻨﻄﻘﺔ اﻷﺻﻠﻴين ﰲ ﺟﺎﻧﺐ آﺧﺮ، واﻟﺬﻳﻦ ﺗﻬﺎوت ﻣﺪﻧﻬﻢ، وأﺟﱪوا ﻋﲆ اﻻﻧﻀﻮاء ﺗﺤﺖ ﺳﻠﻄﺎن اﻟﺪوﻟﺔ. ﺛﻢ ﻛﺎﻧﺖ اﻷﻋﻤﺎل اﻹﻧﺸﺎﺋﻴﺔ ﻋﺎﻣﻼً آﺧﺮ ﺳﺒﱠﺐ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺟﺪﻳﺪة، ﻣﺜﱠﻠﻬﺎ ﻋﲆ اﻟﻄﺮف اﻷرﺳﺘﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ وﻣﻮﻇﻔﻮﻫﺎ وﻛﻬﺎﻧﺘﻬﺎ اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ وإدارﻳﻮﻫﺎ وﻣﻼﻛﻬﺎ، وﻣﺜﱠﻠﻬﺎ ﻋﲆ اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ اﻟﻌﺒﻴﺪ والمﻌﺪﻣﻮن، ﺳﻮاء أﻛﺎﻧﻮا ﻋﱪاﻧﻴين أم ﻛﻨﻌﺎﻧﻴين ﻣﻮاﻃﻨين،
ﺣﻴﺚ ﺟﻤﻌﻬﻢ ﻣﻌًﺎ ﺷﻘﺎء ﺗﻨﻄﻖ ﺑﻪ آﻳﺎت اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس اﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮل ﰲ ﺳﻔﺮ المﻠﻮك اﻷول: »وﺳﺨﺮ ﺳﻠﻴﻤﺎن المﻠﻚ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ إﴎاﺋﻴﻞ، وﻛﺎﻧﺖ اﻟﺴﺨﺮ ﺛﻼﺛين أﻟﻒ رﺟﻞ«. و»ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﺒﺎﻗين ﻣﻦ اﻷﻣﻮرﻳين واﻟﺤﺜﻴين واﻟﻔﺮزﻳين واﻟﺤﻮﻳين واﻟﻴﺒﻮﺳﻴين … اﻟﺬﻳﻦ ﻟﻢ ﻳﻘﺪر ﺑﻨﻮ إﴎاﺋﻴﻞ أن ﻳﺤﺮﻣﻮﻫﻢ )اﺻﻄﻼح ﻳﺤﺮم ﰲ اﻟﺘﻮراة أي ﻳﺒﻴﺪ(، ﺟﻌﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺗﺴﺨير ﻋﺒﻴﺪ« )ص٥، .(٩ وﻫﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي أدى إﱃ ﻇﻬﻮر ﻃﺒﻘﺔ ﻣﻦ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ ﻏير
اﻟﺮﺳﻤﻴين، وﻣﺜﱠﻠﻬﻢ اﻟﺪراوﻳﺶ واﻷﻧﺒﻴﺎء اﻟﺸﻌﺒﻴﻮن، اﻟﺬﻳﻦ أﺳﻬﻤﻮا ﺑﻤﺎ ﻫﻮ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﻌﻮن
والمﺴﺎﻋﺪة ﻹﺳﻘﺎط اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻘﺎﺋﻢ، ﺑﻞ واﻟﻌﻤﻞ ﻋﲆ ﺗﺪﻣير المﻤﻠﻜﺔ، واﺳﺘﻌﺪاء اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺎت اﻟﻜﱪى ﻋﻠﻴﻬﺎ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻧﺠﺪه ﻣﺜﻼً ﻋﻨﺪ أﻧﺒﻴﺎء ﻣﺜﻞ »ﻋﺎﻣﻮس« و»ﻣﻴﺨﺎ«، وﻣﻦ ﺑﻌﺪه ﺑﺸﻜﻞ ﺳﺎﻓﺮ ﻋﻨﺪ »إﺷﻌﻴﺎء« و»داﻧﻴﺎل« و»أرﻣﻴﺎ« ﰲ ﻣﺮﺣﻠﺘﻲ اﻟﺴﻘﻮط واﻷﴎ.
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
وﻫﻜﺬا أدت اﻷوﺿﺎع إﱃ ﻇﻬﻮر ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ أﺧﺮى ﺗﻤﺜﻠﺖ ﰲ رﺟﺎل المﺆﺳﺴﺔ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ اﻟﻌﺎﻣﻠﺔ ﰲ ﺟﻬﺎز اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺤﺎﻛﻢ ﰲ ﺟﺎﻧﺐ، ورﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ اﻟﺸﻌﺒﻴين اﻟﺬﻳﻦ ﺷﻜﻠﻮا ﻛﻮﻛﺒﺔ اﻷﻧﺒﻴﺎء اﻷﺳﺎﺳﻴين ﰲ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﰲ ﺟﺎﻧﺐ آﺧﺮ؛ ﻣﻤﺎ أدى إﱃ ﺗﻜﻮن أﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺘين ﻣﺨﺘﻠﻔﺘين ﺗﻤﺎﻣًﺎ، ﻣﺘﺼﺎرﻋﺘين ﺣﺘﻰ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺪوﻟﺔ.
وﺳﺎﻋﺪ ﻋﲆ ﺗﻔﺎﻗﻢ اﻟﴫاع ﺑين اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺘين ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﴏاﻋﻴﺔ، ﻧﺘﺠﺖ ﻋﻦ ﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﺒﻨﻴﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺷﻜﻠﻬﺎ ﻫﺠين ﻣﻦ ﺷﻌﻮب زراﻋﻴﺔ أﺳﺎﺳًﺎ، وﺷﻌﺐ ﺑﺪوي ﻳﻤﺜﻠﻪ اﻟﻌﱪاﻧﻴﻮن، ﻣﻊ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﺮﻋﻮﻳﺔ اﻷﺧﺮى ﰲ المﻨﻄﻘﺔ، وﻫﻲ اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ المﺮﺗﺒﻄﺔ أﺳﺎﺳًﺎ ﺑﻄﺒﻴﻌﺔ أﺳﻠﻮب اﻹﻧﺘﺎج اﻟﺰراﻋﻲ ﻟﺸﻌﻮب المﻨﻄﻘﺔ، اﻟﺬﻳﻦ اﻋﺘﻤﺪوا ﻧﻮﻋًﺎ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﻳﺔ المﻄﻠﻘﺔ ﻋﲆ المﺴﺘﻮى اﻟﺪﻳﻨﻲ، ﺑﺤﻴﺚ ﺗﻌﺪدت اﻷرﺑﺎب ﺗﻌﺪدًا ﻫﺎﺋﻼً، وﻫﻮ ﻣﺎ اﺳﺘﺪﻋﺎه ﻧﻈﺎم اﻟﻔﻼﺣﺔ وﻣﻮاﺳﻤﻪ المﺘﻌﺪدة. ﻓﻜﺎن ﻫﻨﺎك »ﺑﻌﻞ« رب المﻄﺮ، و»ﻋﻨﺎت« رﺑﺔ اﻷرض، و»ﻣﻮﻟﻚ« رب اﻟﺨﺼﺐ، و»ﻣﻮت« رب اﻟﺠﻔﺎف، و»إﻳﻞ« أﺑﻮ اﻷرﺑﺎب، ﻣﻊ ﻋﺪد ﻛﺒير ﻣﻦ اﻵﻟﻬﺔ المﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺰرع واﻟﺨﺼﺐ ﻛﺈﻟﻪ اﻟﻔﺄس وإﻟﻬﺔ المﺎﺷﻴﺔ وإﻟﻪ اﻟﺤﻨﻄﺔ … إﻟﺦ، وﻳﺮﺗﺒﻂ ﻫﺬا اﻟﺘﻌﺪد ﺑﺘﺒﺎﻳﻦ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ؛ ﻣﻤﺎ أدى دوﻣًﺎ ﻟﻠﺴﻤﺎح ﺑﻬﺬه اﻟﺤﺮﻳﺎت اﻟﺴﻤﺎوﻳﺔ وﻃﻘﻮﺳﻬﺎ المﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﻤﻮاﺳﻢ اﻟﺰرع، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻇﻠﺖ اﻟﺒﺪاوة ﻋﲆ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ ﺗﺴﺘﺒﻄﻦ ﻗﺒﻴﻠﺘﻬﺎ وﻣﻌﺒﻮدﻫﺎ اﻟﻘﺒﲇ اﻟﻮاﺣﺪ، ﻣﻤﺜﻼً ﰲ ﺳﻠﻒ اﻟﻘﺒﻴﻠﺔ وﺳﻴﺪﻫﺎ، وﻣﺎ ﻳﺘﻀﻤﻨﻪ ذﻟﻚ ﻣﻦ أن أﻧﻔﺔ اﻟﺒﺪوي ﻣﻦ اﻻﻧﻘﻴﺎد ﻟﺪوﻟﺔ ﻣﻮﺣﺪة، ورﻓﻀﻪ أن ﻳُﺤﻜﻢ ﻣﻦ ﺧﺎرج ﻗﺒﻴﻠﺘﻪ وﻧﺴﺒﻪ؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ، وﺣﺘﻰ ﻳﺘﻢ ﻗﻬﺮ اﻟﺤﺮﻳﺎت اﻷرﺿﻴﺔ، ﺳﻤﺢ ﺑﺎﻟﺤﺮﻳﺎت اﻟﺴﻤﺎوﻳﺔ، ﻓﻘﺮر اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﰲ اﻟﺴﻔﺮ المﺬﻛﻮر: »وﻛﺎن ﰲ زﻣﺎن ﺷﻴﺨﻮﺧﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن أن ﻧﺴﺎءه أﻣﻠﻦ ﻗﻠﺒﻪ وراء آﻟﻬﺔ أﺧﺮى، وﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻗﻠﺒﻪ ﻛﺎﻣﻼً ﻣﻊ اﻟﺮب إﻟﻬﻪ ﻛﻘﻠﺐ داود أﺑﻴﻪ، ﻓﺬﻫﺐ ﺳﻠﻴﻤﺎن وراء ﻋﺸﺘﻮرت إﻟﻬﺔ اﻟﺼﻴﺪوﻧﻴين، وﻣﻠﻜﻮم رﺟﺲ اﻟﻌﻤﻮﻧﻴين … ﺑﻨﻰ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻣﺮﺗﻔﻌﺔ ﻟﻜﻤﻮش رﺟﺲ المﻮآﺑﻴين … ولمﻮﻟﻚ رﺟﺲ ﺑﻨﻲ ﻋﻤﻮن … ﻓﻐﻀﺐ اﻟﺮب ﻋﲆ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻷن ﻗﻠﺒﻪ ﻣﺎل ﻋﻦ اﻟﺮب إﻟﻪ إﴎاﺋﻴﻞ« )ص.(١١
ﻫﺬا ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻋﲆ اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ، ﺗﻤﺴﻚ اﻷﻧﺒﻴﺎء اﻟﺸﻌﺒﻴﻮن ﺑﺮوح اﻟﻘﺒﻴﻠﺔ اﻻﻧﻔﺼﺎﻟﻴﺔ المﺘﻔﺮدة واﻟﺜﺎﺋﺮة والمﺘﻤﺴﻜﺔ ﺑﺮب إﴎاﺋﻴﻞ وﺣﺪه، وﺑﺘﺤﻘﻴﻖ اﻟﺤﺮﻳﺔ ﻋﲆ اﻷرض وﻓﻖ ﴍاﺋﻊ اﻟﺒﺪو.
وإﻋﻤﺎﻻً ﻟﻜﻞ ذﻟﻚ، ﻓﻘﺪ ﻛﺎن ﻛﺎﻓﻴًﺎ أن ﻳﺆدي ﴏاع اﻟﻨﻘﺎﺋﺾ اﻟﺪاﺧﲇ ﺑين ﻫﺬه اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺎت دوره اﻷﺳﺎﳼ واﻟﺮﺋﻴﴘ؛ ﻟﻴﻌﺠﻞ ﺑﺎﻟﻨﻬﺎﻳﺔ المﺤﺘﻮﻣﺔ، واﻟﺘﻲ ﺳﺎﻋﺪ ﻋﲆ ﺣﺘﻤﻬﺎ ﻋﻨﺎﴏ اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ اﻟﺜﺎﻧﻮي أو اﻟﺨﺎرﺟﻲ، والمﺘﻤﺜﻞ ﰲ ﻋﻼﻗﺔ ﻏير ﻣﺘﻮازﻧﺔ ﺑين ﻣﻤﻠﻜﺘﻲ
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
إﴎاﺋﻴﻞ وﻳﻬﻮذا، وﺑين اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺘين اﻟﻠﺘين ﻛﺎﻧﺘﺎ ﺗﺘﻨﺎزﻋﺎن ﺳﻴﺎدة اﻟﻌﺎﻟﻢ )ﻣﴫ وآﺷﻮر(، إﺿﺎﻓﺔ إﱃ اﻟﻘﻮة اﻟﻜﻠﺪاﻧﻴﺔ اﻟﻄﺎﻟﻌﺔ، اﻟﺘﻲ أﺣﺪﺛﺖ اﺧﺘﻼﻻً ﰲ ﻣﻮازﻳﻦ اﻟﻘﻮى، واﺿﻄﺮاب اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻌﱪﻳﺔ ﺑﻴﻨﻬﺎ وﺑين اﻟﻘﻮى اﻟﻜﱪى المﴫﻳﺔ واﻵﺷﻮرﻳﺔ. ﻓﻜﺎن أن اﻧﻘﺾ »ﺷﻴﺸﻨﻖ« أول ﻓﺮاﻋﻨﺔ اﻷﴎة اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ واﻟﻌﴩﻳﻦ ﻋﲆ أورﺷﻠﻴﻢ وﻧﻬﺒﻬﺎ ﺑﻌﺪ أن أﺛﺨﻦ ﻓﻴﻬﺎ، وﻟﻢ ﻳﻠﺒﺚ ﴎﺟﻮن اﻟﺜﺎﻧﻲ اﻟﻌﺎﻫﻞ اﻵﺷﻮري أن اﻧﺤﺪر ﺑﺪوره، ﻟﻴﻘﴤ ﻋﲆ ﻣﻤﻠﻜﺔ إﴎاﺋﻴﻞ ﻧﻬﺎﺋﻴٍّﺎ ﻋﺎم ٧٢١ق.م. ﻟﻴﺘﺒﻌﻪ »ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ« اﻟﻜﻠﺪاﻧﻲ )المﻌﺮوف ﰲ اﻟﱰاث اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﺎﺳﻢ ﺑﺨﺖ ﻧﴫ( ﻓﻴﻨﻬﻲ اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻌﱪاﻧﻲ، ﺑﺎﻟﻘﻀﺎء اﻟﺘﺎم ﻋﲆ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻳﻬﻮذا ﻋﺎم ٥٨٦ق.م.
وﰲ اﻷﴎ اﻵﺷﻮري، واﻷﴎ اﻟﺒﺎﺑﲇ، ﺛﻢ ﰲ اﻟﺸﺘﺎت، ﺗﺤﻮﻟﺖ اﻟﺪوﻳﻠﺔ، المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﺎﻟﻔﺔ، إﱃ ﺣﻠﻢ ﻋﻈﻴﻢ وﺿﺨﻢ، وﺧﻴﺎل ﻫﺎﺋﻞ، ﻳﺘﻔﻖ إﻳﻘﺎع ﻫﻮﻟﻪ ﻣﻊ ﻫﻮل اﻟﻮﻗﻌﺔ واﻟﺴﻘﻮط.
ﻫﺬا ﻣﺎ ﻛﺎن ﻋﻦ ﻧﻜﺎرة اﻹﴎاﺋﻴﻠﻴﺎت — ﺑﺘﻌﺒير »اﺑﻦ ﻛﺜير« — وﻣﻮﻗﻔﻨﺎ اﻟﺘﺤﻠﻴﲇ ﻣﻨﻬﺎ، وﻫﻮ ﻣﻮﻗﻒ ﺗﺄﺳﺲ ﻋﲆ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ اﻟﻨﺺ وﻟﻴﺲ ﻋﲆ اﻓﱰاض وﻗﻮع اﻟﺤﺪث؛ ﻷن المﺸﻜﻠﺔ اﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﻮاﺟﻪ أي ﺑﺎﺣﺚ ﺑﺸﺄن ﻫﺬه المﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻫﻮ أﻧﻪ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ أﻳﺔ ﻣﻌﻄﻴﺎت آﺛﺎرﻳﺔ أو وﺛﺎﺋﻘﻴﺔ ﺑﺸﺄن ﻫﺬه المﻤﻠﻜﺔ، ﺳﻮاء ﰲ وﺛﺎﺋﻖ ﺑﺎﺑﻞ أم آﺷﻮر أم ﻛﻠﺪﻳﺎ أم ﻣﴫ أم ﻓﻴﻨﻴﻘﻴﺎ، ﻋﲆ ﻛﺜﺮة ﻣﺎ اﻛﺘﺸﻒ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ وﺛﺎﺋﻖ، ﻛﻤﺎ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ﰲ أي ﻣﻜﺎن إﺷﺎرة ﴏﻳﺤﺔ إﱃ ﺳﻠﻴﻤﺎن أو أﺑﻴﻪ داود، رﻏﻢ ﻣﺎ أﺧﱪ ﺑﻪ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻋﻦ ﻋﻈﻤﺔ ﻫﺬه المﻤﻠﻜﺔ واﺗﺴﺎع ﺳﻄﻮﺗﻬﺎ وﻫﻴﺒﺘﻬﺎ، ﻓﺴﻠﻴﻤﺎن وداود اﺳﻤﺎن ﻻ ﺗﻌﺮﻓﻬﻤﺎ وﺛﺎﺋﻖ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، ﻻ ﰲ ﻧﺺ وﻻ ﰲ ﻧﻘﺶ وﻻ ﺣﺘﻰ ﰲ ﺑﻘﺎﻳﺎ آﺛﺎرﻳﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺄوﻳﻠﻬﺎ أو ﻳُﺸﺘَ ﱡﻢ ﻣﻨﻬﺎ أو ﻳﺴﺘﻨﺘﺞ ﻣﺎ ﻳﺸير إﱃ داود ووﻟﺪه ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ اﻟﺴﻼم، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻧﺠﺪ ﰲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ المﺰﻋﻮم ﻟﻠﻤﻤﻠﻜﺔ المﺰﻋﻮﻣﺔ ﰲ ﻧﺼﻮص ﻣﴫ، ﺗﻘﺎرﻳﺮ ﺗﺬﻛﺮ أﻣﻮرًا ﻣﻔﺼﻠﺔ ودﻗﻴﻘﺔ ﻋﻦ ﻛﺎﻓﺔ أﺣﻮال المﻨﻄﻘﺔ، واﻟﺤﺪود اﻟﺴﻴﻨﺎﺋﻴﺔ، ﻛﻨﻘﻞ ﻣﻮﻇﻒ، أو ﺗﺤﺮك ﺑﻌﺾ اﻟﻜﺘﺎﺋﺐ اﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ، أو اﻧﺘﺠﺎع ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺑﺪوﻳﺔ، وﺣﺘﻰ اﻟﺤﻔﺮﻳﺎت اﻟﺘﻲ ﺟﺮت ﰲ ﻓﻠﺴﻄين، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺣﺘﻰ اﻵن ﻟﻢ ﺗﻔﺪ ﺑﺄي دﻟﻴﻞ ﻣﺎدي ﺑﻮﺟﻮد »ﺳﻠﻴﻤﺎن« أو أﺑﻴﻪ »داود«، وﻣﻦ المﺸﻜﻮك ﻓﻴﻪ أن ﻳﻄﺎﻟﻌﻨﺎ المﺴﺘﻘﺒﻞ اﻟﻘﺮﻳﺐ ﺑﻤﺜﻞ ﻫﺬه اﻟﻜﺸﻮف.
وﻗﺒﻞ أن ﻧﻐﻠﻖ ﺣﺪﻳﺜﻨﺎ ﺣﻮل ﺟﺰﺋﻴﺔ ﴏاع اﻟﻨﻘﺎﺋﺾ واﻟﺴﻘﻮط، ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ اﻟﻄﺮﻳﻒ إﻳﺮاد ﻋﺒﺎرة ﺟﺎءت ﰲ ﻛﺘﺎب »روﺟﻴﻪ ﺟﺎرودي« »ﻓﻠﺴﻄين أرض اﻟﺮﺳﺎﻻت اﻟﺴﻤﺎوﻳﺔ«، وﻫﻮ ﻛﺘﺎب ﺟﺎء ﺑﻌﺪ إﺷﻬﺎر إﺳﻼﻣﻪ، وﺗﺮﺟﻤﻪ إﱃ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﺪاﻋﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻲ المﻌﺮوف »اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻋﺒﺪ اﻟﺼﺒﻮر ﺷﺎﻫين«، ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮل »ﺟﺎرودي:« »أﻣﺎ أن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻛﺎن ﻳﻌﺪد اﻵﻟﻬﺔ، ﻓﺄﻣﺮ ﻻ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ«. أﻣﺎ اﻷﻃﺮف ﻓﻬﻮ ﺗﻌﻘﻴﺐ المﱰﺟﻢ اﻟﺪاﻋﻴﺔ وﻫﻮ ﻳﺒﺪي دﻫﺸﺘﻪ ﰲ اﻟﺤﺎﺷﻴﺔ ﻣﻦ »روﺟﻴﻪ« المﺴﻠﻢ ﺑﻘﻮﻟﻪ: »ﻏﺮﻳﺐ أن ﻳﺬﻫﺐ المﺆﻟﻒ ﻣﻊ ﻫﺬا اﻟﺮأي، رﻏﻢ أﻧﻪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻤﺎ
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻗﺮره اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻓﺴﻠﻴﻤﺎن ﻧﺒﻲ ﻛﺮﻳﻢ ﻣﻦ أﻧﺒﻴﺎء ﷲ، وﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﺨﺎﻣﺮ المﺴﻠﻤين ﺷﻚ ﰲ ﺗﻮﺣﻴﺪه، وﻟﻜﻦ ﻟﻬﺬا اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس )ﻳﻘﺼﺪ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻌﱪي( ﻣﻮاﻗﻒ ﻣﻬﻴﻨﺔ ﻛﺎذﺑﺔ ﻣﻦ اﻟﺮﺳﻞ، ﻻ ﺗﺪل ﻋﲆ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﻢ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﺗﺪل ﻋﲆ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﻮﺿﻊ واﻟﺘﺤﺮﻳﻒ ﻓﻴﻪ13«.
ﻣﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺠﺎﺋﺐ
ﻷﻧﻨﺎ ﻗﺪ ﴍﺣﻨﺎ ﻣﻮاﻗﻒ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس، وﺻﻮرة المﻠﻚ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﰲ ﻣﺮآﺗﻪ، وﻋﻘﺒﻨﺎ ﺑﻤﺎ ﰲ ﻣﻜﻨﺘﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﻠﺤﻮﻇﺎت، ﻓﻘﺪ وﺟﺐ اﻵن أن ﻧﻌﺮض ﻟﺼﻮرة »ﺳﻠﻴﻤﺎن« المﻠﻚ اﻟﻌﱪي، وﻟﻜﻦ ﰲ اﻹﺳﻼم، ﻛﻤﺎ وردت ﰲ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ واﻟﺤﺪﻳﺚ، إﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﺑﻌﺾ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ واﻟﺴير واﻷﺛﺮ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻔﺼﻞ ﰲ اﻷﻣﺮ ﺑﻴﻘين اﻟﻮﺣﻲ واﻟﺘﻨﺰﻳﻞ المﺒين، ﻟﺪى اﻟﺼﻮرة اﻟﻨﻘﻴﺔ ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن ﻛﻨﺒﻲ ﻛﺮﻳﻢ، ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﻨﻜﺎرات اﻹﴎاﺋﻴﻠﻴين، دوﻧﻤﺎ ﺗﻌﻘﻴﺐ، ﻓﻘﻂ رﺑﻤﺎ أﺿﻔﻨﺎ ﻋﺒﺎرة ﺗﺤﻤﻞ ﻣﻠﺤﻮﻇﺔ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺒﻨﺎ، أو إﺷﺎرة ﻷﻣﺮ ﻳﺆدي إﻏﻔﺎﻟﻪ إﱃ ﺳﻮء اﻟﻔﻬﻢ، وﻧﻤﻬﺪ ﻓﻘﻂ ﻟﺘﻮﺿﻴﺢ ﻫﻮ ﻣﻦ واﺟﺒﺎت المﺼﺪاﻗﻴﺔ ﻣﻊ اﻟﻮﺣﻲ اﻟﻜﺮﻳﻢ وأﺳﺒﺎب اﻟﺘﻨﺰﻳﻞ، ﻓﻤﻦ المﻌﻠﻮم أن أﻫﻢ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ رواﻳﺔ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ودﻗﺎﺋﻘﻬﺎ، ﺣﻮل ﻧﺒﻮة »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم، وﻣﻠﻜﻪ، ﻗﺪ ﺟﺎءت ﰲ ﺳﻮرﺗين ﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ، ﻫﻤﺎ ﺳﻮرة اﻟﻨﻤﻞ وﺳﻮرة ص. وﻣﻌﻠﻮم أﻳﻀًﺎ أن ﻛﻠﺘﺎ اﻟﺴﻮرﺗين ﻣﻦ اﻟﺴﻮر المﻜﻴﺔ، وﰲ المﺮﺣﻠﺔ اﻟﺰﻣﻨﻴﺔ اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻋﲆ ﻫﺠﺮة ﻧﺒﻲ اﻹﺳﻼم )ﻣﺤﻤﺪ ﷺ(، ﻣﻦ أم اﻟﻘﺮى ﻣﻜﺔ إﱃ ﻳﺜﺮب أو المﺪﻳﻨﺔ، ﺣﻴﺚ ﻛﺎن ﻟﻠﻴﻬﻮد ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻜﺎن وﻣﻜﺎﻧﺔ، وﻛﺎن ﻃﺒﻴﻌﻴٍّﺎ أن ﺗﺴﺒﻖ اﻟﺮﺳﻮل ﷺ إﱃ المﺪﻳﻨﺔ، ﺗﻠﻚ اﻵﻳﺎت اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ، اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻲ ﻗﺼﺔ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ اﻟﻐﺎﺑﺮة، وﻣﻮﻗﻒ اﻹﺳﻼم وﻧﺒﻴﻪ ﻣﻨﻬﺎ، واﻟﺮأي اﻟﻮاﺿﺢ ﺑﺸﺄﻧﻬﺎ، وﻣﻊ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﰲ اﻹﺳﻼم، ﻧﺠﺪﻧﺎ ﺑﺈزاء أﻛﱪ ﺣﺸﺪ ﻣﻦ اﻟﺨﻮارق والمﻌﺠﺰات، وﻧﻌﻴﺶ ﺟﻮٍّا ﺳﺤﺮﻳٍّﺎ ﰲ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻟﻠﻌﺠﺎﺋﺐ، ﺗﻤﺘﻠﺊ ﺑﺎلمﺮدة واﻟﻌﻔﺎرﻳﺖ واﻟﺠﻦ واﻟﺸﻴﺎﻃين، وﻫﻮ أﻣﺮ ﺗﻀﻴﻖ ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺚ اﻟﺘﻔﺼﻴﲇ ﻓﻴﻪ ﺻﻔﺤﺎت ﻣﻮﺿﻮع ﻗﺼير ﻛﻬﺬا، وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺳﻨﻌﻤﺪ ﻣﻀﻄﺮﻳﻦ إﱃ اﻹﻳﺠﺎز، ﺑﺎدﺋين ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﱃ: ﴿ﻗَﺎلَ رَ ﱢب اﻏْﻔِﺮْ ِﱄ وَﻫَﺐْ ِﱄ ﻣُﻠْﻜًﺎ ﻻَ ﻳَﻨْﺒَﻐِﻲ ﻷِﺣََﺪٍ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِي إِﻧﱠﻚَ أَﻧْﺖَ اﻟْﻮَ ﱠﻫﺎبُ * ﻓَﺴَ ﱠﺨﺮْﻧَﺎ ﻟَﻪُ اﻟ ﱢﺮﻳﺢَ ﺗَﺠْﺮِي ﺑِﺄَﻣْﺮِهِ رُﺧَﺎءً ﺣَﻴْﺚُ أَﺻَﺎبَ * وَاﻟ ﱠﺸﻴَﺎﻃِيَن ﻛُ ﱠﻞ ﺑَﻨﱠﺎءٍ وَﻏَ ﱠﻮاصٍ﴾ )ص: (٣٧–٣٥، وﻫﻲ آﻳﺎت ﺗﻮﺿﺢ ﻟﻨﺎ إﱃ أي ﻣﺪى ﺑﻠﻎ ﻣُﻠﻚ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« وﻋﻈﻤﺘﻪ ﻛﻤﻠﻚ ﻧﺒﻲ.
13 روﺟﻴﻪ ﺟﺎرودي، ﺑﺎﺳﻢ رﺟﺎء، ﻓﻠﺴﻄين أرض اﻟﺮﺳﺎﻻت اﻹﻟﻬﻴﺔ، ﺗﺮﺟﻤﺔ د. ﻋﺒﺪ اﻟﺼﺒﻮر ﺷﺎﻫين، دار اﻟﱰاث، اﻟﻘﺎﻫﺮة، د.ت، ص.٨٧
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
وﻋﻦ اﻟﺸﻴﺎﻃين اﻟﻐﻮاﺻين واﻟﺒﻨﺎﺋين ﻳﺤﺪﺛﻨﺎ ﻧﻌﻤﺔ ﷲ اﻟﺠﺰاﺋﺮي ﻓﻴﻘﻮل: »ﻓﺠﻤﻊ اﻟﺠﻦ واﻟﺸﻴﺎﻃين ﻓﻘ ﱠﺴﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ اﻷﻋﻤﺎل، ﻓﺄرﺳﻞ اﻟﺠﻦ واﻟﺸﻴﺎﻃين ﰲ ﺗﺤﺼﻴﻞ اﻟﺮﺧﺎم … ووﺟﻪ اﻟﺸﻴﺎﻃين ﻓﺮﻗﺔ ﻓﺮﻗﺔ ﻳﺴﺘﺨﺮﺟﻮن اﻟﺬﻫﺐ واﻟﻴﻮاﻗﻴﺖ ﻣﻦ ﻣﻌﺎدﻧﻬﺎ، وﻓﺮﻗﺔ ﻳﻌﻠﻘﻮن اﻟﺠﻮاﻫﺮ واﻷﺣﺠﺎر ﰲ أﻣﺎﻛﻨﻬﺎ، وﻓﺮﻗﺔ ﻳﺄﺗﻮن ﺑﺎلمﺴﻚ واﻟﻌﻨﱪ وﻓﺮﻗﺔ ﻳﺄﺗﻮﻧﻪ ﺑﺎﻟﺪر ﻣﻦ اﻟﺒﺤﺎر … وﺑﻨﻲ ﺳﻠﻴﻤﺎن المﺴﺠﺪ )ﻳﻘﺼﺪ اﻟﻬﻴﻜﻞ( ﺑﺎﻟﺮﺧﺎم اﻷﺑﻴﺾ واﻷﺻﻔﺮ واﻷﺧﴬ، وﻋﻤﺪه ﺑﺄﺳﺎﻃين المﻬﺎ اﻟﺼﺎﰲ، وﺳﻘﻔﻪ ﺑﺄﻟﻮاح اﻟﺠﻮﻫﺮ، وﻓﺼﺺ ﺳﻘﻮﻓﻪ وﺣﻴﻄﺎﻧﻪ ﺑﺎﻟﻶﻟﺊ، واﻟﻴﻮاﻗﻴﺖ، وﺑﺴﻂ أرﺿﻪ ﺑﺄﻟﻮاح اﻟﻔيروزج، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﰲ اﻷرض ﺑﻴﺖ أﺑﻬﻰ وﻻ أﻧﻮر ﻣﻨﻪ، ﻛﺎن ﻳﴤء ﰲ اﻟﻈﻠﻤﺔ ﻛﺎﻟﻘﻤﺮ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﺒﺪر … وروي … أﻧﻬﻢ ﺻﻮروا أﺳﺪﻳﻦ ﻣﻦ أﺳﻔﻞ ﻛﺮﺳﻴﻪ، وﻧﴪﻳﻦ ﻓﻮق ﻋﻤﻮد ﻛﺮﺳﻴﻪ، ﻓﻜﺎن إذا أراد أن ﻳﺼﻌﺪ اﻟﻜﺮﳼ ﺑﺴﻂ اﻷﺳﺪان ذراﻋﻴﻬﻤﺎ، وإذا ﻋﻼ ﻋﲆ اﻟﻜﺮﳼ ﻧﴩ اﻟﻨﴪان أﺟﻨﺤﺘﻬﻤﺎ ﻓﻈﻠﻼه ﻣﻦ اﻟﺸﻤﺲ14«.
وﻳﺴﺘﻜﻤﻞ »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« وﺻﻒ أﺣﻮال ﻫﺬا اﻟﻌﺮش اﻟﻔﺮﻳﺪ، ﻓﻴﻘﻮل: »ﻓﻠﻤﺎ ﺗﻮﰲ ﺳﻠﻴﻤﺎن )ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم(، ﺑﻌﺚ ﺑﺨﺖ ﻧﴫ )ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ اﻟﻜﻠﺪاﻧﻲ( ﻓﺄﺧﺬ ذﻟﻚ اﻟﻜﺮﳼ … ﻓﺄراد أن ﻳﺼﻌﺪ ﻋﻠﻴﻪ وﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻪ ﻋﻠﻢ ﺑﺎﻟﺼﻌﻮد ﻋﻠﻴﻪ وﻻ ﺑﺄﺣﻮاﻟﻪ، ﻓﻠﻤﺎ وﺿﻊ ﻗﺪﻣﻪ ﻋﲆ اﻟﺪرﺟﺔ اﻟﺴﻔﲆ رﻓﻊ اﻷﺳﺪ ﻳﺪه اﻟﻴﻤﻨﻰ ﻓﴬب ﺳﺎﻗﻪ ﴐﺑﺔ ﺷﺪﻳﺪة، دﻗﻬﺎ ورﻣﺎه، ﻓﺤﻤﻞ ﺑﺨﺖ ﻧﴫ ﻓﻠﻢ ﻳﺰل ﻳﻌﺮج وﻳﺘﻮﺟﻊ ﻣﻨﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻣﺎت15«.
وﻣﻊ ﻛﻞ ﻫﺬه اﻷﺑﻬﺔ، ﻓﺈن ﺣﻜﻤﺔ ﷲ أرادت أن ﻳﻜﻮن ﰲ المﻤﻠﻜﺔ اﻟﻔﺨﻴﻤﺔ ﻓﻘﺮاء وﻣﺴﺎﻛين، ﻟﻜﻦ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« — ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺮوي »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« — ﻛﺎن ﻳﺤﻞ ﻫﺬه المﺸﻜﻠﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﻧﺎدرة المﺜﺎل ﻣﺸﻜﻮرة، ﻓﻜﺎن »إذا أﺻﺒﺢ ﺗﺼﻔﺢ وﺟﻮه اﻷﻏﻨﻴﺎء واﻷﴍاف، ﺣﺘﻰ ﻳﺠﻲء إﱃ المﺴﺎﻛين وﻳﻘﻌﺪ ﻣﻌﻬﻢ، وﻳﻘﻮل: ﻣﺴﻜين ﻣﻊ المﺴﺎﻛين … ﻓﻼ ﻳﺰال ﻗﺎﺋﻤًﺎ ﺣﺘﻰ ﻳﺒﻜﻲ16!« ﻫﺬا ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﻣﻊ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﱃ ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﺤﻜﻴﻢ ﻟﻨﺒﻴﻪ اﻟﺤﻜﻴﻢ: ﴿ﻫَﺬَا ﻋَﻄَﺎؤُﻧَﺎ ﻓَﺎﻣْﻨُﻦْ أَوْ أَﻣْﺴِﻚْ ﺑِﻐَيِْر ﺣِﺴَﺎبٍ﴾ )ص: .(٣٩
14 ﻧﻌﻤﺔ ﷲ اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر المﺒين ﰲ ﻗﺼﺺ اﻷﻧﺒﻴﺎء والمﺮﺳﻠين، ﻣﺆﺳﺴﺔ اﻷﻋﻠﻤﻲ، ﺑيروت، ط٨، ١٩٧٨م،
.٤٠٩ص
15 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري، ﻋﺮاﺋﺲ المﺠﺎﻟﺲ، المﻜﺘﺒﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ، ﺑيروت، د.ت، ص.٣٠٦ 16 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٤١٢
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
وﺗﺒﺪأ ﺳﻮرة اﻟﻨﻤﻞ ﺣﺪﻳﺜﻬﺎ ﻋﻦ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﺑﻘﻮﻟﻬﺎ: ﴿وَوَرِثَ ﺳُﻠَﻴْﻤَﺎنُ دَاوُودَ وَﻗَﺎلَ ﻳَﺎ أَﻳﱡﻬَﺎ اﻟﻨﱠﺎسُ ﻋُ ﱢﻠﻤْﻨَﺎ ﻣَﻨْﻄِﻖَ اﻟ ﱠﻄيِْر وَأُوﺗِﻴﻨَﺎ ﻣِﻦْ ﻛُ ﱢﻞ َْﳾءٍ إِ ﱠن ﻫَﺬَا ﻟَﻬُﻮَ اﻟْﻔَﻀْﻞُ اﻟْﻤُﺒِيُن﴾ )اﻟﻨﻤﻞ: (١٦، وﻳﴩح »ﻣﺤﻤﺪ ﻓﺮﻳﺪ وﺟﺪي« ﰲ ﺗﻔﺴيره، وﻫﻮ واﺣﺪ ﻣﻦ أﺣﺪث اﻟﺘﻔﺎﺳير المﻌﺘﻤﺪة، واﻷﻗﺮب ﻟﻠﻴﴪ وﻟﻠﻌﴫ، ﻣﻊ اﻻﻟﺘﺰام — دون ﺗﺄوﻳﻼت ﺑﻌﻴﺪة ﻋﻦ المﺮاد اﻷﺻﲇ ﺑﺎﻟﻨﺺ — ﻓﻴﻘﻮل: »وورث ﺳﻠﻴﻤﺎن داود ﰲ المﻠﻚ واﻟﻨﺒﻮة وأﺧﱪ اﻟﻨﺎس — ﺗﺤﺪﺛًﺎ ﺑﻨﻌﻤﺔ ﷲ ﻋﻠﻴﻪ — ﺑﺄﻧﻪ أوﺗﻲ ﻓﻬﻢ ﻟﻐﺔ اﻟﻄير، وأﻧﻪ ﻣﻨﺢ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻨﻌﻢ ﻗﺴﻄًﺎ واﻓﺮًا، إن ﻫﺬا ﻟﻬﻮ اﻟﻔﻀﻞ المﺒين«. وﻳﺮوي اﻹﺧﺒﺎرﻳﻮن ﺑﻌﺾ اﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺣﻮل ﺣﺪﻳﺚ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻣﻊ اﻟﻄير، وﻗﺪرﺗﻪ ﻋﲆ ﻓﻬﻢ أﻟﺴﻨﻬﺎ وﻟﻬﺠﺎﺗﻬﺎ، ﺑﻞ واﻟﺘﻌﺎﻃﻲ ﻣﻌﻬﺎ أﺧﺬًا وردًا، ﻓﻴﻘﻮل — ﻣﺜﻼً — اﻟﺤﺎﻓﻆ »أﺑﻮ ﺑﻜﺮ اﻟﺒﻴﻬﻘﻲ:« …» ﻣﺮ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻦ داود ﺑﻌﺼﻔﻮر ﻳﺪور ﺣﻮل ﻋﺼﻔﻮرة، ﻓﻘﺎل ﻷﺻﺤﺎﺑﻪ: أﺗﺪرون ﻣﺎ ﻳﻘﻮل؟ ﻗﺎﻟﻮا: وﻣﺎ ﻳﻘﻮل ﻳﺎ ﻧﺒﻲ؟ ﻗﺎل: ﻳﺨﻄﺒﻬﺎ إﱃ ﻧﻔﺴﻪ وﻳﻘﻮل: زوﺟﻴﻨﻲ ﻧﻔﺴﻚ، أﺳﻜﻨﻚ أي ﻏﺮف دﻣﺸﻖ ﺷﺌﺖ17«. أﻣﺎ اﻟﻄﱪﳼ ﻓﻴﻌﻤﺪ إﱃ إﺑﺮاز رﻗﺔ ﻗﻠﺐ اﻟﻨﺒﻲ ﻛﻠﻴﻢ اﻟﻄﻴﻮر ﰲ ﺣﺪﻳﺚ ﻳﻘﻮل: »إن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم رأى ﻋﺼﻔﻮرًا ﻳﻘﻮل ﻟﻌﺼﻔﻮرﺗﻪ: ﻟﻢَ ﺗﻤﻨﻌين ﻧﻔﺴﻚ ﻣﻨﻲ، وﻟﻮ ﺷﺌﺖ أﺧﺬت ﻗﺒﺔ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻤﻨﻘﺎري ﻓﺄﻟﻘﻴﻬﺎ ﰲ اﻟﺒﺤﺮ؛ ﻓﺘﺒﺴﻢ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻣﻦ ﻛﻼﻣﻪ، ﺛﻢ دﻋﺎه وﻗﺎل ﻟﻠﻌﺼﻔﻮر: أﺗﻄﻴﻖ أن ﺗﻔﻌﻞ ذﻟﻚ؟ ﻓﻘﺎل: ﻻ ﻳﺎ رﺳﻮل ﷲ، ﻟﻜﻦ المﺮء ﻗﺪ ﻳﺰﻳﻦ ﻟﻨﻔﺴﻪ وﻳﻌﻈﻤﻬﺎ ﻋﻨﺪ زوﺟﺘﻪ، والمﺤﺐ ﻻ ﻳﻼم ﻋﲆ ﻣﺎ ﻳﻘﻮل. ﻓﻘﺎل ﻟﻠﻌﺼﻔﻮرة: ﻟﻢ ﺗﻤﻨﻌﻴﻪ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻚ وﻫﻮ ﻳﺤﺒﻚ؟ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﻧﺒﻲ ﷲ إﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﺤﺒٍّﺎ ﻟﻜﻨﻪ ﻣ ﱠﺪعٍ ﻳﺤﺐ ﻣﻌﻲ ﻏيري، ﻓﺄﺛﺮ ﻛﻼم اﻟﻌﺼﻔﻮرة ﰲ ﻗﻠﺐ ﺳﻠﻴﻤﺎن، وﺑﻜﻰ ﺑﻜﺎء ﺷﺪﻳﺪًا18«.
وﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻨﺒﻲ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻳﺤﺴﻦ ﻓﻘﻂ ﻟﻐﺔ اﻟﻄﻴﻮر، إﻧﻤﺎ أﻳﻀًﺎ ﻟﻐﺔ
دﺑﻴﺐ اﻷرض ﻣﻦ ﺣﴩات. وﻟﻸﻣﺮ ﻗﺼﺔ ﻣﺸﻬﻮرة ﰲ ﺳﻮرة اﻟﻨﻤﻞ،19 ﻳﻐﻨﻲ ﻋﻠﻤﻬﺎ ﻋﻦ ﴎد ﻧﺼﻬﺎ، ﻟﻜﻦ رﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﰲ إﻳﺮاد ﺑﻌﺾ ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﺸﺄﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﴍوح وﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﻓﺎﺋﺪة:
ﻳﻘﻮل »اﻟﺠﺰاﺋﺮي:« إن وادي اﻟﻨﻤﻞ ﻫﻮ وادٍ ﺑﺎﻟﻄﺎﺋﻒ، وﻗﻴﻞ ﺑﺎﻟﺸﺎم، وﺗﻠﻚ اﻟﻨﻤﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﺒﻬﺖ اﻷﺧﺮﻳﺎت ﻛﻲ ﻻ ﻳﺪﻫﺴﻬﻦ ﺟﻴﺶ ﺳﻠﻴﻤﺎن اﻟﻌﺮﻣﺮم، ﻛﺎﻧﺖ رﺋﻴﺴﺔ اﻟﻨﻤﻞ. و»اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻳﺮوي أﻧﻪ ﰲ ذﻟﻚ اﻟﻴﻮم ﻛﺎن »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﰲ ﻗﻴﺎدة ﺟﻴﺸﻪ اﻟﻌﺮﻣﺮم ﺟﻤﻴﻌﻪ ﺑﻜﺘﺎﺋﺒﻪ ﻣﻦ
17 اﺑﻦ ﻛﺜير، اﻟﺒﺪاﻳﺔ واﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ج٢، ص.١٧ 18 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٤١٨
19 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٤١٥
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
اﻟﺠﻦ واﻹﻧﺲ واﻟﻄير،20 وﻳﻨﻘﻞ »اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري« ﻋﻦ »ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻛﻌﺐ اﻟﻘﺮﻇﻲ« وﺻﻒ ذﻟﻚ اﻟﺠﻴﺶ، ﻓﻴﻘﻮل: »إن ﻋﺴﻜﺮ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻣﺎﺋﺔ ﻓﺮﺳﺦ، ﺧﻤﺴﺔ وﻋﴩون ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻺﻧﺲ، وﺧﻤﺴﺔ وﻋﴩون ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻠﺠﻦ، وﺧﻤﺴﺔ وﻋﴩون ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻠﻮﺣﻮش، وﺧﻤﺴﺔ وﻋﴩون ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻠﻄﻴﻮر21«. وﻳﻨﻘﻞ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻋﻦ »وﻫﺐ« ﻗﻮﻟﻪ: »إن ﻫﺬه اﻟﻨﻤﻠﺔ ﻛﺎن اﺳﻤﻬﺎ ﺟﺮﺳًﺎ، وﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﻳﻘﺎل ﻟﻬﺎ ﺑﻨﻮ اﻟﺸﻴﻄﺎن، وﻛﺎﻧﺖ ﻋﺮﺟﺎء، وﻛﺎﻧﺖ ﺑﻘﺪر ﺣﺠﻢ اﻟﺬﺋﺐ22!« ولمﺎ ﻛﺎن ﺑﻌﺾ اﻟﻜﺘﺎب ﻣﻦ اﻹﺧﺒﺎرﻳين ﻗﺪ أﻓﺎدوا أن »ﺳﻠﻴﻤﺎن« وﺟﻨﺪه ﻳﻮم ﺣﺪﻳﺚ اﻟﻨﻤﻠﺔ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺮﻛﺒﻮن ﺑﺴﺎط اﻟﺮﻳﺢ اﻟﺬي ﺳﺨﺮه ﷲ ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن ﺣﻴﺚ ﻳﺸﺎء: ﴿ﻓَﺴَ ﱠﺨﺮْﻧَﺎ ﻟَﻪُ اﻟ ﱢﺮﻳﺢَ
ﺗَﺠْﺮِي ﺑِﺄَﻣْﺮِهِ رُﺧَﺎءً ﺣَﻴْﺚُ أَﺻَﺎبَ﴾ )ص: (٣٦، ﻓﺈن »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻣﻦ ﺟﻬﺘﻪ ﻳﺮﻓﺾ ﻫﺬه المﺰاﻋﻢ وﻳﻘﻮل: »وﰲ ﻫﺬا ﻛﻠﻪ ﻧﻈﺮ، ﺑﻞ ﰲ ﻫﺬا اﻟﺴﻴﺎق دﻟﻴﻞ ﻋﲆ أﻧﻪ ﻛﺎن ﰲ ﻣﻮﻛﺒﻪ راﻛﺒًﺎ ﰲ ﺧﻴﻮﻟﻪ وﻓﺮﺳﺎﻧﻪ، ﻻ ﻛﻤﺎ زﻋﻢ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻣﻦ أﻧﻪ ﻛﺎن إذ ذاك ﻋﲆ اﻟﺒﺴﺎط؛ ﻷﻧﻪ ﻟﻮ ﻛﺎن ﻛﺬﻟﻚ ﻟﻢ ﻳﻨﻞ اﻟﻨﻤﻞ ﻣﻨﻪ ﳾء … وﻳﻘﻮل ﺑﻌﺾ اﻟﺠﻬﻠﺔ: إن اﻟﺪواب ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻨﻄﻖ ﻗﺒﻞ اﻹﺳﻼم وﺗﺨﺎﻃﺐ اﻟﻨﺎس، ﺣﺘﻰ أﺧﺬ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻦ داود اﻟﻌﻬﺪ وأﻟﺠﻤﻬﺎ، ﻓﻠﻢ ﺗﺘﻜﻠﻢ ﻣﻊ اﻟﻨﺎس … وﻟﻮ ﻛﺎن ﻫﺬا ﻫﻜﺬا، ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن ﰲ ﻓﻬﻢ ﻟﻐﺎﺗﻬﺎ ﻣﺰﻳﺔ ﻋﲆ ﻏيره23«.
أﻣﺎ أﺷﻬﺮ أﺣﺎدﻳﺚ اﻟﻨﺒﻲ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« وأﺧﻄﺮﻫﺎ ﺷﺄﻧًﺎ وأﻛﺜﺮﻫﺎ أﻫﻤﻴﺔ، ﻓﻬﻮ اﻟﺬي ﻛﺎن ﺑﻴﻨﻪ وﺑين اﻟﻬﺪﻫﺪ، وﻟﻬﺬه اﻷﻫﻤﻴﺔ، وﻟﻠﻌﻼﻗﺔ اﻟﺤﻤﻴﻤﺔ ﺑين اﻟﻨﺒﻲ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم، وﺑين اﻟﻬﺪﻫﺪ، ﻓﻘﺪ ﻗﺎل اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﷺ: »أﻧﻬﺎﻛﻢ ﻋﻦ ﻗﺘﻞ اﻟﻬﺪﻫﺪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻛﺎن دﻟﻴﻞ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﲆ المﺎء«. وﻳﺤﻜﻲ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﴿وَﺗَﻔَ ﱠﻘﺪَ اﻟ ﱠﻄيَْر ﻓَﻘَﺎلَ ﻣَﺎ َِﱄ ﻻَ أَرَى اﻟْﻬُﺪْﻫُﺪَ أَمْ ﻛَﺎنَ ﻣِﻦَ اﻟْﻐَﺎﺋِﺒِيَن * ﻷَﻋَُﺬﱢﺑَﻨﱠﻪُ ﻋَﺬَاﺑًﺎ ﺷَﺪِﻳﺪًا أَوْ ﻷََذْﺑَﺤَﻨﱠﻪُ أَوْ ﻟَﻴَﺄْﺗِﻴَﻨﱢﻲ ﺑِﺴُﻠْﻄَﺎنٍ ﻣُﺒِيٍن﴾ )اﻟﻨﻤﻞ: .(٢٠
وﻛﺎن واﺿﺤًﺎ أن ﻏﻴﺎب اﻟﻬﺪﻫﺪ رﺑﻤﺎ ﺳﺒﱠﺐ ﻋﻄﺸًﺎ ﺷﺪﻳﺪًا ﻟﻠﻨﺒﻲ، ﻳﺘﻔﻖ ﻣﻊ ﻫﺬا اﻟﻐﻀﺐ اﻟﻬﺎﺋﻞ ﻋﲆ ذﻟﻚ اﻟﻄير اﻟﺮﻗﻴﻖ، ورﻏﻢ أن »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« ﻳﻮرد ﻋﻦ »ﻋﻜﺮﻣﺔ« اﻟﻘﻮل: »إﻧﻤﺎ ﴏف ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻋﻦ ذﺑﺢ اﻟﻬﺪﻫﺪ ﺑﺮه ﺑﻮاﻟﺪﻳﻪ24«. ﻓﺈن اﻟﻬﺪﻫﺪ ﻗﺪ ﻋﺎد وﻣﻌﻪ ﻋﺬره المﺒين، ﻓﺄﺛﻨﺎء
20 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٨ 21 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٢٩٤ 22 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٨ 23 المﻮﺿﻊ ﻧﻔﺴﻪ.
24 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٣١٢
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻃيراﻧﻪ ﺑﺤﺜًﺎ ﻋﻦ المﺎء إذا ﺑﻬﺪﻫﺪ ﻗﺎدم ﻣﻦ ﺑﻼد اﻟﻴﻤﻦ، ودار ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﺣﺪﻳﺚ ﺗﺎرﻳﺨﻲ ﺧﻄير، وﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﻮل »اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري« إﻧﻪ: »ﻛﺎن اﺳﻢ ﻫﺪﻫﺪ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻳﻌﻔﻮر، واﺳﻢ ﻫﺪﻫﺪ اﻟﻴﻤﻦ ﻋﻔير25«. ﻣﻤﺎ ﻳﺸير إﱃ ﻣﻌﻠﻮﻣﺔ ﺣﻮل ﺳُﻨﺔ اﻟﻬﺪاﻫﺪ ﰲ اﻟﺘﺴﻤﻴﺔ، وأﻧﻬﺎ ﺗﱰﻛﺰ ﺣﻮل ﻣﻌﻨﻰ »اﻟﻴﻌﻔﺮة«، ورﺑﻤﺎ اﺷﱰﻛﺖ ﰲ اﻟﺠﺬور ﻣﻊ »اﻟﻌﻔﺮﺗﺔ«، وﻳﺒﺪو أن ﻋﻔير اﻟﻴﻤﻨﻲ ﺗﻔﺎﺧﺮ ﻋﲆ »ﻳﻌﻔﻮر« اﻟﻌﱪاﻧﻲ، واﺳﺘﺪرﺟﻪ »ﻳﻌﻔﻮر« ﺑﺬﻛﺎﺋﻪ اﻷرﻳﺐ ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻢ ﺑﺄﻣﺮ أﺻﺤﺎﺑﻪ ﻣﻦ أﻫﻞ اﻟﻴﻤﻦ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻮﺿﺤﻪ ﷲ ﺗﻌﺎﱃ ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﴿ﻓَﻤَﻜَﺚَ ﻏَيَْر ﺑَﻌِﻴﺪٍ ﻓَﻘَﺎلَ أَﺣَﻄْﺖُ ﺑِﻤَﺎ ﻟَﻢْ ﺗُﺤِﻂْ ﺑِﻪِ وَﺟِﺌْﺘُﻚَ ﻣِﻦْ ﺳَﺒَﺈٍ ﺑِﻨَﺒَﺈٍ ﻳَﻘِيٍن * إِﻧﱢﻲ وَﺟَﺪْتُ اﻣْﺮَأَةً ﺗَﻤْﻠِﻜُﻬُﻢْ وَأُوﺗِﻴَﺖْ ﻣِﻦْ ﻛُ ﱢﻞ َْﳾءٍ وَﻟَﻬَﺎ ﻋَﺮْشٌ ﻋَﻈِﻴﻢٌ * وَﺟَﺪْﺗُﻬَﺎ وَﻗَﻮْﻣَﻬَﺎ ﻳَﺴْﺠُﺪُونَ ﻟِﻠ ﱠﺸﻤْﺲِ ﻣِﻦْ دُونِ ِﷲ﴾ )اﻟﻨﻤﻞ: (٢٤–٢٢، وﻷن اﻟﻨﺒﻲ — ﺣﺴﺒﻤﺎ ﻳﺆﻛﺪ »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« — »وﻛﺎن ﻻ ﻳﺴﻤﻊ ﺑﻤﻠﻚ ﰲ ﻧﺎﺣﻴﺔ اﻷرض إﻻ أﺗﺎه ﺣﺘﻰ ﻳﺬﻟﻪ وﻳﺪﺧﻠﻪ ﰲ دﻳﻨﻪ26«. ﻓﻘﺪ اﺗﺨﺬ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻗﺮاره وأرﺳﻞ اﻟﻬﺪﻫﺪ ﺑﺮﺳﺎﻟﺔ ﻣﻨﻪ إﱃ اﻟﻘﻮم ﻳﺴﺘﺪﻋﻴﻬﻢ إﻟﻴﻪ، وأﺗﺒﻌﻬﺎ ﺑﻌﻤﻞ إﻋﺠﺎزي وﻣﺒﻬﺮ، ﻓﻘﺪ أﻣﺮ ﺟﻨﻪ وﻋﻔﺎرﻳﺘﻪ ﻟﻴﺄﺗﻮه
ﺑﻌﺮش ﻣﻠﻜﺔ اﻟﻴﻤﻦ؛ ﻟﻴﺨﺘﱪﻫﺎ ﻋﻨﺪ وﺻﻮﻟﻬﺎ، ﴿ﻓَﻠَ ﱠﻤﺎ ﺟَﺎءَتْ ﻗِﻴﻞَ أَﻫَﻜَﺬَا ﻋَﺮْﺷُﻚِ ﻗَﺎﻟَﺖْ ﻛَﺄَﻧﱠﻪُ
ﻫُﻮَ وَأُوﺗِﻴﻨَﺎ اﻟْﻌِﻠْﻢَ ﻣِﻦْ ﻗَﺒْﻠِﻬَﺎ وَﻛُﻨﱠﺎ ﻣُﺴْﻠِﻤِيَن﴾ )اﻟﻨﻤﻞ: .(٤٢
وﻳﺤﻜﻲ اﻟﺤﺎﻓﻆ »اﺑﻦ ﻛﺜير:« »وﻛﺎن ﺳﻠﻴﻤﺎن ﻗﺪ أﻣﺮ ﺑﺒﻨﺎء ﴏح ﻣﻦ زﺟﺎج، وﻋﻤﻞ ﰲ ﻣﻤﺮه ﻣﺎء وﺟﻌﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺳﻘﻔًﺎ ﻣﻦ زﺟﺎج، وﺟﻌﻞ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﺴﻤﻚ وﻏيره ﻣﻦ دواب المﺎء27«. وﻳﺼﻮر اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﺎ ﺣﺪث ﻋﻨﺪ ذاك ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﴿ﻗِﻴﻞَ ﻟَﻬَﺎ ادْﺧُِﲇ اﻟ ﱠْﴫحَ ﻓَﻠَ ﱠﻤﺎ رَأَﺗْﻪُ ﺣَﺴِﺒَﺘْﻪُ ﻟُ ﱠﺠﺔً وَﻛَﺸَﻔَﺖْ ﻋَﻦْ ﺳَﺎﻗَﻴْﻬَﺎ ﻗَﺎلَ إِﻧﱠﻪُ َْﴏحٌ ﻣُﻤَ ﱠﺮدٌ ﻣِﻦْ ﻗَﻮَارِﻳﺮَ ﻗَﺎﻟَﺖْ رَ ﱢب إِﻧﱢﻲ ﻇَﻠَﻤْﺖُ ﻧَﻔِْﴘ وَأَﺳْﻠَﻤْﺖُ ﻣَﻊَ ﺳُﻠَﻴْﻤَﺎنَ لِِله رَ ﱢب اﻟْﻌَﺎﻟَﻤِيَن﴾ )اﻟﻨﻤﻞ: .(٤٤ وﻫﻜﺬا ﻛﺎن إﺑﻬﺎر المﻤﻠﻜﺔ
اﻟﺴﻠﻴﻤﺎﻧﻴﺔ وﻋﻈﻤﺔ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ لمﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ، داﻓﻌًﺎ ﻣﺒﺎًﴍا ﻹﻋﻼﻧﻬﺎ اﻟﺪﺧﻮل ﰲ دﻳﻦ اﻹﺳﻼم! واﻹﻳﻤﺎن ﺑﺪﻳﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎن، اﻟﺬي ﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ دﻳﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﷺ، وﻻ ﻓﺎرق أﺑﺪًا ﺑين اﻟﺪﻳﻨين، ﺑين ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﺪﻋﻮ إﻟﻴﻪ ﻣﺤﻤﺪ ﷺ ﰲ ﻣﻜﺔ، وﺑين ﻣﺎ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﻪ أوﻟﺌﻚ المﱰﻗﺒﻮن ﻣﻦ اﻟﻴﻬﻮد ﰲ ﻳﺜﺮب.
25 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٣١١
26 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٤٠٧ 27 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٢٢
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
وﻧﻌﻠﻢ ﻣﻦ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ أن ﻣﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ ﻛﺎﻧﺖ ﺑﻨﺖ ﺟﻨﻴﺔ، ﻓيروي: »أن اﺳﻤﻬﺎ ﺑﻠﻘﻴﺲ ﺑﻨﺖ اﻟﻴﴩح وﻫﻮ اﻟﻬﺪﻫﺎد … وﻛﺎن ﻣﻠﻚ أرض اﻟﻴﻤﻦ … وأﺑﻰ أن ﻳﺘﺰوج ﻣﻨﻬﻢ ﻓﺰوﺟﻮه ﺑﺎﻣﺮأة ﻣﻦ اﻟﺠﻦ ﻳﻘﺎل ﻟﻬﺎ رﻳﺤﺎﻧﺔ … ﻓﻮﻟﺪت ﻟﻪ ﺑﻠﻌﻤﺔ وﻫﻲ ﺑﻠﻘﻴﺲ28«. وﻳﺪﻋﻢ »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« رواﻳﺘﻪ ﺑﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ اﻟﺮﺳﻮل ﷺ ﻋﻦ »أﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮة« ﻳﻘﻮل: »ﻛﺎن أﺣﺪ أﺑﻮي ﺑﻠﻘﻴﺲ ﺟﻨﻴٍّﺎ29«. وﻳﺮى »اﺑﻦ ﻛﺜير« أن ﻫﻨﺎك رواﻳﺎت ﺗﺬﻫﺐ ﻟﻜﻮن ﺑﻠﻘﻴﺲ ﻧﺘﺎﺟًﺎ ﻫﺠﻴﻨًﺎ ﻛﺜﻤﺮة ﻟﻬﺬا اﻟﺰواج، ﻓﻜﺎن ﻟﻬﺎ ﺳﻴﻘﺎن ﻣﺎﻋﺰ، ﻓﻠﻤﺎ دﺧﻠﺖ ﴏح »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﺗﺼﻮرت ﺣﻮض اﻷﺳﻤﺎك ﻟﺠﺔ، ﻓﻜﺸﻔﺖ ﻋﻦ ﺳﺎﻗﻴﻬﺎ. و»ﻗﻴﻞ: إن اﻟﺠﻦ أرادوا أن ﻳﺒﺸﻌﻮا ﻣﻨﻈﺮﻫﺎ ﻋﻨﺪ ﺳﻠﻴﻤﺎن، وأن ﺗﺒﺪي ﻋﻦ ﺳﺎﻗﻴﻬﺎ ﻟيرى ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺮ ﻓﻴﻨﻔﺮه ذﻟﻚ ﻣﻨﻬﺎ، وﺧﺸﻮا أن ﻳﺘﺰوﺟﻬﺎ؛ ﻷن أﻣﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﺠﺎن ﻓﺘﺘﺴﻠﻂ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻌﻪ، وذﻛﺮ أن ﺣﺎﻓﺮﻫﺎ ﻛﺎن ﻛﺤﺎﻓﺮ اﻟﺪاﺑﺔ30«. ﻟﻜﻦ »اﺑﻦ ﻛﺜير« اﻟﺤﺎﻓﻆ ﻳﺪرك ﺑﺤﺼﺎﻓﺘﻪ أن ﻛﻞ ﻣﺎ ورد ﻋﻦ ﻗﺼﺺ اﻟﺠﻦ واﻟﻌﻔﺎرﻳﺖ واﻟﻨﻤﻞ واﻟﻬﺪﻫﺪ ﺻﺎدق ﻣﺼﺪاﻗﻴﺔ اﻟﺘﻨﺰﻳﻞ، ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺴﺘﺒﻌﺪ ﻫﺬه اﻟﺮواﻳﺔ اﻷﺧيرة وﻳﺮاﻫﺎ ﻏير ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ ﻋﻘﻼً.
وﻛﻌﺎدة »اﺑﻦ ﻛﺜير«، اﻟﺘﻲ ﺣﺎز ﺑﻬﺎ اﻟﺜﻘﺔ ﻣﻦ ﻣﺨﺘﻠﻒ المﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻤﺤﺺ اﻟﺨﱪ، وﻳﻌﻠﻖ ﻋﲆ اﻟﺼﺎدق ﺑﻤﺎ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﺼﺪﻗﻪ، وﻳﺪﻓﻊ ﺑﺎﻟﻀﻌﻴﻒ والمﻨﺤﻮل واﻹﴎاﺋﻴﻠﻴﺎت وﻳﻜﺜﺮ ﻣﻦ اﻹﺷﺎرة واﻟﺘﻨﺒﻴﻪ واﻟﺘﻌﻠﻴﻖ، ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻘﻊ المﺆﻣﻦ ﰲ ﺧﻠﻂ ﺑين اﻟﻈﻦ واﻟﺸﺒﻬﺔ واﻟﻴﻘين، ﻓﻬﻮ ﻳﻮرد ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻷﺣﺎدﻳﺚ ﺣﻮل ﻣﺎ أُﻋﻄﻴﻪ اﻟﻨﺒﻲ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﰲ ﻣﺒﺎﺿﻌﺔ اﻟﻨﺴﺎء، وﻳﻘﻮل: »ﻛﺎن ﻳﻄﻴﻖ ﻣﻦ اﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﺎﻟﻨﺴﺎء أﻣﺮًا ﻋﻈﻴﻤًﺎ … ﻋﻦ أﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮة ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎل: ﻗﺎل ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻦ داود: ﻷﻃﻮﻓﻦ اﻟﻠﻴﻠﺔ ﻋﲆ ﺳﺒﻌين اﻣﺮأة ﺗﺤﻤﻞ ﻛﻞ اﻣﺮأة ﻓﺎرﺳًﺎ ﻳﺠﺎﻫﺪ ﰲ ﺳﺒﻴﻞ ﷲ«. ﻟﻜﻦ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻳﺸير إﱃ أﺣﺎدﻳﺚ أﺧﺮى ﺗﺼﻞ ﺑﻬﺬه اﻟﻔﺤﻮﻟﺔ إﱃ ﺣﺪ ﻣﺒﺎﺿﻌﺔ ﺗﺴﻌين اﻣﺮأة، وﺑﻌﻀﻬﺎ ﻳﺼﻞ إﱃ ﻣﺎﺋﺔ اﻣﺮأة، وﺑﻌﻀﻬﺎ إﱃ أﻟﻒ اﻣﺮأة ﰲ ﻟﻴﻠﺔ واﺣﺪة، ﺛﻢ ﻳﺮﻓﺾ ﻫﺬه اﻷﺣﺎدﻳﺚ لمﺒﺎﻟﻐﺘﻬﺎ ﰲ ﻗﺪرة المﺒﺎﺿﻌﺔ إﱃ ﺣﺪ اﻹﺗﻴﺎن ﻋﲆ أﻟﻒ ﰲ ﻟﻴﻠﺔ، وﻳﺜﺒﺖ أن إﺳﻨﺎدﻫﺎ ﺿﻌﻴﻒ31. ﻟﻜﻦ »أﺑﺎ ﺟﻌﻔﺮ« ﻳﺆﻛﺪ اﻟﺮﻗﻢ اﻟﺘﻮراﺗﻲ ﻟﺤﺮﻳﻢ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻓﻴﻘﻮل: »وﻛﺎن ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن ﺣﺼﻦ ﺑﻨﺎه اﻟﺸﻴﺎﻃين ﻟﻪ ﻓﻴﻪ أﻟﻒ ﺑﻴﺖ، ﰲ ﻛﻞ ﺑﻴﺖ ﻣﻨﻜﻮﺣﺔ، ﻣﻨﻬﻦ ﺳﺒﻌﻤﺎﺋﺔ أﻣﺔ ﻗﺒﻄﻴﺔ، وﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ ﺣﺮة أﻣﻬﺮﻳﺔ، ﻓﺄﻋﻄﺎه ﷲ ﺗﻌﺎﱃ ﻗﻮة
28 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٣١٢ 29 المﻮﺿﻊ ﻧﻔﺴﻪ.
30 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٤٠٨ 31 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٢٧
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
أرﺑﻌين رﺟﻼً ﰲ ﻣﺒﺎﺿﻌﺔ اﻟﻨﺴﺎء. وﻛﺎن ﻳﻄﻮف ﺑﻬﻦ ﺟﻤﻴﻌًﺎ وﻳﺴﻌﻔﻬﻦ32«. وﻟﻜﻦ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻌﻨﻲ أن ﰲ ﻗﻠﺒﻪ ﻏﻠﻈﺔ وﻗﺴﺎوة، ﺑﺪﻟﻴﻞ ﻣﺎ أوردﻧﺎ ﻣﻦ رﻗﺔ ﻗﻠﺒﻪ اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ، اﻟﺘﻲ دﻋﺘﻪ إﱃ ﺑﻜﺎء ﺣﺎل اﻟﻌﺼﻔﻮرة، اﻟﺘﻲ أﺣﺐ زوﺟﻬﺎ ﻏيرﻫﺎ ﻣﻌﻬﺎ! وﻟﻴﺲ ﻫﺬا اﻟﻌﺪد ﻣﻦ اﻟﺰوﺟﺎت، واﻟﻘﺪرة ﻋﲆ المﺒﺎﺿﻌﺔ إﻻ ﻣﻦ أﺟﻞ أﺧﻼف ﻳﺤﻤﻠﻮن اﻟﺴﻼح ﰲ ﺳﺒﻴﻞ ﷲ.
ﺛﻢ إن »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻳﻌﱰض ﻣﺮة أﺧﺮى ﻋﲆ المﺒﺎﻟﻐﺔ اﻟﻬﺎﺋﻠﺔ ﰲ ﻋﺪد ﺧﻴﻞ »ﺳﻠﻴﻤﺎن«، وﻳﻜﺘﻔﻲ ﺑﺄﻧﻬﺎ رﺑﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﴩة آﻻف ﻓﺮس، ورﺑﻤﺎ ﻋﴩﻳﻦ أﻟﻒ ﻓﺮس، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻓﻴﻬﺎ — ﻓﻘﻂ — ﻋﴩون ﻓﺮﺳًﺎ ﻣﻦ ذوات اﻷﺟﻨﺤﺔ33!
وﰲ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ »ﻋﺎﺋﺸﺔ« رﴈ ﷲ ﻋﻨﻬﺎ ﻗﺎﻟﺖ: »ﻗﺪم رﺳﻮل ﷲ ﷺ ﻣﻦ ﻏﺰوة ﺗﺒﻮك أو ﺧﻴﱪ، وﰲ ﺳﻬﻮﺗﻬﺎ ﺳﱰ، ﻓﻬﺒﺖ اﻟﺮﻳﺢ ﻓﻜﺸﻔﺖ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﻣﻦ اﻟﺴﱰ ﻋﻦ ﺑﻨﺎت ﻟﻌﺎﺋﺸﺔ ﺗﻠﻌﺐ )أي إﻣﺎء ﺻﻐيرات( ﻓﻘﺎل: ﻣﺎ ﻫﺬا ﻳﺎ ﻋﺎﺋﺸﺔ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﺑﻨﺎﺗﻲ، ورأى ﺑﻴﻨﻬﻦ ﻓﺮﺳًﺎ ﻟﻪ ﺟﻨﺎﺣﺎن ﻣﻦ رﻗﺎع )أي وﺿﻌﻮا ﻟﻪ أﺟﻨﺤﺔ ﻣﺼﻨﻮﻋﺔ ﻟﻴﻠﻌﺒﻮا ﺑﻪ(، ﻓﻘﺎل: ﻣﺎ ﻫﺬا اﻟﺬي أرى ﰲ وﺳﻄﻬﻦ؟ ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﺮس، ﻗﺎل: وﻣﺎ اﻟﺬي ﻋﻠﻴﻪ ﻫﺬا؟ ﻗﺎﻟﺖ: ﺟﻨﺎﺣﺎن، ﻗﺎل: ﻓﺮس ﻟﻪ ﺟﻨﺎﺣﺎن؟! ﻗﺎﻟﺖ: أﻣﺎ ﺳﻤﻌﺖ أن ﻟﺴﻠﻴﻤﺎن ﺧﻴﻼً ﻟﻬﺎ أﺟﻨﺤﺔ؟«
وﻫﻨﺎ ﻧﺼﻞ إﱃ ﻓﺼﻞ اﻟﺨﻄﺎب ﻓﻴﻤﺎ روﺗﻪ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻋﻦ رد اﻟﻨﺒﻲ ﷺ، ذﻟﻚ اﻟﺮد اﻟﺬي ﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻛﻼﻣًﺎ، ﻗﺪر ﻣﺎ ﺟﺎء رد ﻓﻌﻞ ﻋﻔﻮﻳٍّﺎ … ﻗﺎﻟﺖ »ﻋﺎﺋﺸﺔ:« ﻓﻀﺤﻚ ﺣﺘﻰ رأﻳﺖ ﻧﻮاﺟﺬه34!
(2) المﺆﻣﻦ اﻟﺜﺎﻧﻲ ذو اﻟﻘﺮﻧين
ﻋﲆ ﻏير ﻋﺎدة أﻫﻞ ﻣﻜﺔ، ﺗﻮﺟﻬﻮا ﻫﺬه المﺮة ﻟﻠﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﷺ ﺑﺎﺳﺘﻔﺴﺎرات ﻣﻦ ﻧﻮع ﺟﺪﻳﺪ، اﺧﺘﺒﺎرًا ﻟﺼﺪق ﻋﻠﻤﻪ اﻟﻠﺪﻧﻲ، اﺳﺘﻔﺴﺎرات ﻟﻢ ﻳﺄتِ ﺑﺸﺄﻧﻬﺎ ذﻛﺮ ﰲ ﻣﻘﺪﺳﺎت أﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎب، ﺑﻌﺪ أن اﺗﻬﻤﺖ ﻗﺮﻳﺶ اﻟﻨﺒﻲ، أﻧﻪ إﻧﻤﺎ ﻳﺘﻠﻘﻰ ﻋﻠﻤﻪ ﻋﻦ ﻧﻔﺮ ﻣﻦ أﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎب، ﻳُﻤﲆ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﻜﺮة وأﺻﻴﻼً، وأن ﺗﻔﺼﻴﻼت ﻫﺬه المﻌﺎرف ﻣﺴﺘﻘﺎة ﻣﻦ اﻟﺘﻮراة واﻷﻧﺎﺟﻴﻞ وﻣﺠﻤﻞ ﻣﺤﺘﻮى اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس، ﺑﻞ وﺣﺪدوا ﺑﻀﻌﺔ ﻧﻔﺮ ﺑﺎﻻﺳﻢ ﻳﻌﻠﻤﻮن اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻣﺎ ﻇﻨﻮه ﻣﻦ أﺳﺎﻃير اﻷوﻟين، ﺑﺎﻟﻘﻮل: إن ﻫﻮ إﻻ إﻓﻚ اﻓﱰاه، أﻋﺎﻧﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻋﺪاس وﻳﺴﺎر وأﺑﻮ ﻓﻜﻴﻬﺔ اﻟﺮوﻣﻲ35.
32 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٤٠٨ 33 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٢٣ 34 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٢٤
35 أﺑﻜﺎر اﻟﺴﻘﺎف: ﻧﺤﻮ آﻓﺎق أوﺳﻊ، اﻷﻧﺠﻠﻮ )المﴫﻳﺔ(، اﻟﻘﺎﻫﺮة، د.ت، ج٢، ص.١٢٩٢
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
وإﻋﻤﺎﻻً ﻟﻬﺬا اﻟﺸﻚ ﰲ اﻟﻜﻠﻢ اﻟﻘﺮآﻧﻲ اﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻓﻘﺪ رﺷﺢ أﻫﻞ ﻣﻜﺔ لمﻨﺎﻓﺮة اﻟﻨﺒﻲ ﷺ اﻟﻔﺌﺔ المﺜﻘﻔﺔ ﻣﻦ رﺟﺎﻻﺗﻬﻢ، ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﻮ رﺑﻴﺐ ﻣﺪرﺳﺔ ﺟﻨﺪﻳﺴﺎﺑﻮر، وﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺧﺮﻳﺞ ﺟﺎﻣﻌﺔ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ، وﻣﻨﻬﻢ المﺘﻔﻘﻪ ﰲ ﺷﺌﻮن ﻣﴫ واﻟﺸﺎم وﻓﺎرس، وﻋﺎدات أﻫﻠﻬﺎ وﻋﻘﺎﺋﺪﻫﻢ، وﻫﻢ ﻣﻦ أرﺳﻠﻬﻢ أﻫﻠﻮﻫﻢ ﻣﻦ ذوي اﻟﺠﺎه ﻟﺘﻠﻘﻲ اﻟﻌﻠﻢ ﰲ ﻣﻌﺎﻫﺪ اﻟﺤﻀﺎرات ﺣﻮل اﻟﺠﺰﻳﺮة، ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪار ﻫﻨﺎك ﺣﻠﻘﺎت اﻟﺪرس ﺣﻮل ﻗﺼﺺ اﻷوﻟين، وﻣﻄﺎرﺣﺎت اﻟﻌﻠﻢ ﺣﻮل ﺳير اﻟﻘﻮاد واﻷﺑﻄﺎل واﻷﻧﺒﻴﺎء والمﺮﺳﻠين، وﻣﺤﺎورات اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ وﻋﻠﻮم المﻨﺎﻃﻘﺔ ورﻳﺎﺿﺔ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴين، وﻛﺎﻧﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺌﺔ اﻟﻘﺮﺷﻴﺔ المﺜﻘﻔﺔ أﺷﺪ ﻧﻜيًرا ﻋﲆ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻣﻦ اﻵﺧﺮﻳﻦ، وأﺷﺪﻫﻢ إﻟﺤﺎﻓًﺎ ودأﺑًﺎ ﻟﻜﺸﻒ ﻣﺎ ﺗﺼﻮروه إﻓﻜًﺎ أﻋﺎﻧﻪ ﻋﻠﻴﻪ آﺧﺮون ﻣﻦ اﻟﻌﺎرﻓين ﺑﺄﺣﻮال اﻟﻐﺎﺑﺮﻳﻦ، وأﻛﺜﺮ ﻫﺆﻻء ﺑﺮوزًا ﰲ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ: »اﻟﻨﴬ ﺑﻦ اﻟﺤﺎرث« و»أﺑﻲ ﺑﻦ ﺧﻠﻒ«، و»ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻣﻌﻴﻂ«، اﻟﺬﻳﻦ أﴎ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﻨﻬﻢ اﺛﻨين ﰲ ﺑﺪر اﻟﻜﱪى، وﺗﻢ ﻗﺘﻠﻬﻤﺎ ﺻًﱪا36 ﺟﺰاء ﻣﺎ ﻗﺪﻣﺖ أﻳﺪﻳﻬﻤﺎ إﺑﺎن ﻛﺎن اﻹﺳﻼم ﻣﻬﻴﻀًﺎ، ﻳﺴﻌﻰ ﻋﲆ ﻣﺪارج ﺑﺪاﻳﺘﻪ ﺿﻌﻴﻔًﺎ ﰲ ﻣﻜﺔ.
وﻛﺎن ﺳﺆال أوﻟﺌﻚ المﺜﻘﻔين — ﻓﻴﻤﺎ رواه ﺟﻼل اﻟﺪﻳﻦ اﻟﺴﻴﻮﻃﻲ ﰲ أﺳﺒﺎب اﻟﻨﺰول — »ﻋﻦ رﺟﻞ ﻃ ﱠﻮاف ﺑﻠﻎ ﻣﺸﺎرق اﻷرض وﻣﻐﺎرﺑﻬﺎ، وﻣﺎ ﻛﺎن ﻧﺒﺆه؟ … ﻓﻘﺎل: أﺧﱪﻛﻢ ﻏﺪًا ﺑﻤﺎ ﺳﺄﻟﺘﻢ ﻋﻨﻪ … وﻣﻜﺚ رﺳﻮل ﷲ ﻻ ﻳﺤﺪث ﷲ ﰲ ذﻟﻚ إﻟﻴﻪ وﺣﻴًﺎ، وﻻ ﻳﺄﺗﻴﻪ ﺟﱪﻳﻞ، ﺣﺘﻰ أرﺟﻒ أﻫﻞ ﻣﻜﺔ … ﺛﻢ ﺟﺎء ﺟﱪﻳﻞ ﻣﻦ ﷲ ﺑﺴﻮرة أﺻﺤﺎب اﻟﻜﻬﻒ37«.
وﺗﺮوي ﻟﻨﺎ ﺳﻮرة اﻟﻜﻬﻒ اﻟﺮد اﻹﻟﻬﻲ ﺑﺸﺄن »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﻋﱪ آﻳﺎت ﺗﻤﺘﺪ ﻣﺎ ﺑين اﻵﻳﺔ ٨٣ واﻵﻳﺔ ٩٩، وﺗﺒﺪأ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﱃ: ﴿وَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦْ ذِي اﻟْﻘَﺮْﻧَيِْن ﻗُﻞْ ﺳَﺄَﺗْﻠُﻮ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻣِﻨْﻪُ ذِﻛْﺮًا﴾ )اﻟﻜﻬﻒ: (٨٣، وﻳﴩح اﺑﻦ ﻛﺜير »ﻗﻞ ﺳﺄﺗﻠﻮ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻣﻨﻪ ذﻛﺮًا … أي ﺧًﱪا ﻧﺎﻓﻌًﺎ ﻛﺎﻓﻴًﺎ ﰲ ﺗﻌﺮﻳﻒ أﻣﺮه وﴍح ﺣﺎﻟﻪ38«. ورﻏﻢ ﻫﺬا اﻟﺨﱪ اﻟﻨﺎﻓﻊ اﻟﻜﺎﰲ اﻟﺸﺎرح، اﻟﺬي أوﺿﺤﻪ رب اﻟﻌﺎلمين، ﻓﻘﺪ ﻛﺎن واﺿﺤًﺎ ﰲ ﻛﺘﺒﻨﺎ اﻟﱰاﺛﻴﺔ أن أﻣﺮ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« أﻣﴗ ﻣﻦ أﺷﺪ اﻷﻣﻮر — اﻟﺘﻲ وردت ﰲ ﻛﺘﺎب ﷲ — اﻟﺘﺒﺎﺳًﺎ وﻏﻤﻮﺿًﺎ، ﰲ ﻛﺜير ﻣﻦ اﻟﻘﺴﻤﺎت
36 اﻟﻄﱪي: ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺮﺳﻞ والمﻠﻮك، دار المﻌﺎرف، ط٣، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ج٢، ص٤٩٥؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ اﺑﻦ ﺳﻴﺪ اﻟﻨﺎس، ﻋﻴﻮن اﻷﺛﺮ، دار اﻵﻓﺎق اﻟﺠﺪﻳﺪة، ﺑيروت، ١٩٨٠م، ج١، ص.٣١٨
37 ﺟﻼل اﻟﺪﻳﻦ اﻟﺴﻴﻮﻃﻲ، أﺳﺒﺎب اﻟﻨﺰول، دار المﻨﺎر ﻟﻠﻨﴩ واﻟﺘﻮزﻳﻊ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٩٨٦م، ص.١٢٨
38 اﺑﻦ ﻛﺜير، اﻟﺒﺪاﻳﺔ واﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٩٧
واﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ، ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻢ ﺗﻌﺮف ﻫﺬه اﻟﻜﺘﺐ ﻣﻦ ﺗﺎرﻳﺦ أو ﺳير أو ﺗﻔﺴير، ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺗﺮاﺛﻴﺔ اﺧﺘﻠﻒ ﺣﻮل أﻣﺮﻫﺎ، ﻗﺪر اﻻﺧﺘﻼف ﺣﻮل »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، اﺧﺘﻠﻔﻮا ﺣﻮل اﺳﻤﻪ، وﺣﻮل ﴎ ﺗﻠﻘﻴﺒﻪ ﺑﺬي اﻟﻘﺮﻧين، وﺣﻮل ﻣﻮﻃﻨﻪ وأﺻﻠﻪ اﻟﻌﺮﻗﻲ، وﻫﻞ ﻛﺎن ﻣﻠﻜًﺎ ﻣﻦ ﻣﻠﻮك اﻷﻣﻢ اﻟﺴﺎﻟﻔﺔ أم ﻛﺎن رﺳﻮﻻً ﻧﺒﻴٍّﺎ؟ أم ﻻ ﻫﺬا وﻻ ذاك؟
ﻣﻦ ﻫﻮ؟
ﻫﻮ ﻋﻨﺪ ﻧﻌﻤﺔ ﷲ اﻟﺠﺰاﺋﺮي »ﻋﻴﺎﺷﻴٍّﺎ«، وأﻧﻪ ﻛﺎن أول المﻠﻮك ﺑﻌﺪ »ﻧﻮح!« وأﻧﻪ ﻣﻠﻚ ﻣﺎ ﺑين المﴩق والمﻐﺮب! ﻟﻜﻨﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻨﺴﺐ ﻟﻺﻣﺎم ﻋﲇ )رﴈ ﷲ ﻋﻨﻪ( ﻛﺎن اﺳﻤﻪ »ﻋﻴﺎش« ﻓﻘﻂ. أﻣﺎ »اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري« ﻓﻴﻘﻮل: »ﻛﺎن اﺳﻤﻪ ﻋﺒﺎﺳًﺎ، وﻛﺎن ﻋﺒﺪًا ﺻﺎﻟﺤًﺎ39«. وﻟﻌﻠﻪ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن »ﻋﻴﺎﺷﻴٍّﺎ، وﻋﻴﺎش، وﻋﻴﺎﺷًﺎ« ﻛﻠﻤﺔ واﺣﺪة، وأن ﻣﺮﺟﻊ اﻻﺧﺘﻼف ﻟﻴﺲ اﺟﺘﻬﺎد اﻟﺮواة وﺗﻤﺤﻴﺼﻬﻢ، ﻗﺪر ﻣﺎ ﻫﻮ راﺟﻊ إﱃ اﻻﺧﺘﻼف ﰲ ﻗﺮاءة أﺻﻞ واﺣﺪ، ﺗﻢ ﺗﺪوﻳﻨﻪ وﻗﺘﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺗﻜﺘﺐ ﻏير ﻣﻨﻘﻮﻃﺔ؛ ﻣﻤﺎ أﺣﺪث ﻟﺒﺴًﺎ وﺧﻠﻄًﺎ؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻓﻼ ﻣﻨﺎص ﻣﻦ اﻟﺘﺠﺎوز ﻋﻦ ﻛﺜير ﻣﻦ اﻟﻌﺒﺎﺑﻴﺲ اﻷﺧﺮى ﰲ رواﻳﺎت أﺧﺮ.
وﺛﻤﺔ ﻧﻮع آﺧﺮ ﻣﻦ اﻟﺘﺴﻤﻴﺎت، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺟﺎء ﻋﻦ »اﻟﺰﺑير« ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »ذو اﻟﻘﺮﻧين ﻫﻮ ﻋﺒﺪ ﷲ ﺑﻦ اﻟﻀﺤﺎك ﺑﻦ ﻣﻌﺪ40«. وﻫﻮ ﻣﺎ رواه أﻳﻀًﺎ »اﺑﻦ ﻋﺒﺎس41.« ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺮﻓﺾ »اﻟﺴﻬﻴﲇ« أن ﻳﻜﻮن ذو اﻟﻘﺮﻧين ﻫﻮ »اﻟﻀﺤﺎك«؛42 ﻷﻧﻪ ﻫﻮ …» إﻓﺮﻳﺪون ﺑﻦ أﺛﻔﻴﺎن اﻟﺬي ﻗﺘﻞ اﻟﻀﺤﺎك«. أﻣﺎ »اﺑﻦ ﻫﺸﺎم« ﻓﻴﻮرد ﰲ اﻟﺴيرة أن »اﺳﻤﻪ ﻣﺮزﺑﻲ ﺑﻦ ﻣﺮذﺑﺔ … وﻗﻴﻞ ﻓﻴﻪ ﻫﺮﻣﺲ، وﻗﻴﻞ ﻫﺮدﻳﺲ«. ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺬﻛﺮ ﺗﺴﻤﻴﺔ أﺧﺮى ﻣﻤﺎ ﻗﻴﻞ ﻓﻴﻪ، ﻓﻴﻘﻮل إن اﺳﻤﻪ ﻫﻮ اﻟﺼﻌﺐ ﺑﻦ ذي ﻣﺮاﺛﺪ وﻫﻮ أول اﻟﺘﺒﺎﺑﻌﺔ، وﻫﻮ اﻟﺬي ﺣﻜﻢ ﻹﺑﺮاﻫﻴﻢ ﰲ ﺑﱤ اﻟﺴﺒﻊ43.
ولمﺎ ﻛﻨﺎ ﻧﻌﻠﻢ أن اﻟﺘﺒﺎﺑﻌﺔ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﻦ ﻣﻠﻮك اﻟﻴﻤﻦ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﺣﻤﻠﻮا اﻻﺳﻢ »ﺗُﺒﱠﻊ«، ﻓﻴﺒﺪو أن ذﻟﻚ ﻗﺪ ﺳ ﱠﻮغ ﻟﻠﺮواة اﺣﺘﺴﺎب »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﺛﻤﻴﻨًﺎ؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﺳﻌﻮا إﱃ اﻛﺘﺸﺎف اﺳﻢ
39 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر المﺒين، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٦٢، ١٦٦، .١٧٢
40 اﻟﺴﻬﻴﲇ، اﻟﺮوض اﻷﻧﻒ ﰲ ﺗﻔﺴير اﻟﺴيرة اﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻻﺑﻦ ﻫﺸﺎم، دار المﻌﺮﻓﺔ، ﺑيروت، ١٩٧٨م، ج١، ص.٦٠ 41 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ج٢، ص.٩٦
42 اﻟﺴﻬﻴﲇ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٥٩
43 اﺑﻦ ﻫﺸﺎم، اﻟﺴيرة المﺮﻓﻘﺔ ﺑﻜﺘﺎب اﻟﺮوض اﻷﻧﻒ، ص.٥٩
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻳﻤﻨﻲ ﻟﻪ، ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ وﺟﻮد اﻟﻼزﻣﺔ »ذو« ﰲ اﺳﻢ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« وﻫﻲ ﻃﺎﺑﻊ ﻣﻼزم ﻟﻸﺳﻤﺎء اﻟﻴﻤﻨﻴﺔ، ﻗﻴﺎﺳًﺎ ﻋﲆ »ذي ﻧﻮاس« و»ذي ﻳﺰن« … إﻟﺦ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ورد ﻋﻨﺪ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: إﻧﻪ »ﻣﺼﻌﺐ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﷲ ﺑﻦ ﻗﻨﺎن ﺑﻦ ﻣﻨﺼﻮر ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﷲ ﺑﻦ اﻷزد ﺑﻦ ﻋﻮد ﺑﻦ ﻧﺒﺖ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ زﻳﺪ ﺑﻦ ﻛﻬﻼن ﺑﻦ ﺳﺒﺄ ﺑﻦ ﻗﺤﻄﺎن. وﻗﺪ ﺟﺎء ﰲ ﺣﺪﻳﺚ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻣﻦ ﺣﻤير وأﻣﻪ روﻣﻴﺔ، وأﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﻘﺎل ﻟﻪ اﺑﻦ اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف ﻟﻌﻘﻠﻪ، وﻗﺪ أﻧﺸﺪ ﺑﻌﺾ اﻟﺤﻤيرﻳين ﰲ ذﻟﻚ ﺷﻌﺮًا ﻳﻔﺘﺨﺮ ﺑﻜﻮﻧﻪ أﺣﺪ أﺟﺪاده ﻓﻘﺎل:
ﻗﺪ ﻛﺎن ذو اﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﺟﺪي ﻣﺴﻠﻤًﺎ ﻣﻠﻜًﺎ ﺗﺪﻳﻦ ﻟﻪ اﻟﻤﻠﻮك وﺗﺤﺸﺪ ﺑﻠﻎ اﻟﻤﺸﺎرق واﻟﻤﻐﺎرب ﻳﺒﺘﻐﻲ أﺳ ﺒ ﺎب أﻣ ﺮ ﻣﻦ ﺣﻜ ﻴ ﻢ ﻣﺮﺷﺪ ﻓﺮأى ﻣﻐﻴﺐ اﻟﺸﻤﺲ ﻋﻨﺪ ﻏﺮوﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ذي ﺧﻠﺐ وﺛﺄط ﺣﺮﻣﺪ ﻣﻦ ﺑﻌﺪه ﺑﻠﻘﻴﺲ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻤﺘﻲ ﻣﻠﻜﺘﻬﻢ ﺣﺘﻰ أﺗﺎﻫﺎ اﻟﻬﺪﻫﺪ44«
أﻣﺎ »اﻟﺒيروﻧﻲ« ﻓﻘﺪ اﻗﱰح ﰲ »اﻵﺛﺎر اﻟﺒﺎﻗﻴﺔ« اﺳﻤًﺎ ﻳﻤﻨﻴٍّﺎ آﺧﺮ، ﻓﻘﺎل: ﻫﻮ »أﺑﻮ ﻛﺮب ﺷﻤﺮ ﺑﻦ أﻓﺮﻳﻘﻴﺶ اﻟﺤﻤيري45«. وﻟﻨﻼﺣﻆ أن ﻛﺘﱠﺎﺑﻨﺎ اﻟﱰاﺛﻴين ﻗﺪ درﺟﻮا ﻋﲆ اﺣﺘﺴﺎب أﻫﻞ اﻟﻴﻤﻦ ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﻋﱪ ﺗﺪاول دوﻟﻬﻢ ﻋﱪ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﺣﻤيرﻳين، ﺑﺤﻜﻢ أﻧﻬﻢ آﺧﺮ دول اﻟﻴﻤﻦ المﻌﺮوﻓﺔ ﻗﺒﻞ اﻹﺳﻼم؛ ﻟﺬﻟﻚ واﻓﻖ »اﻟﺒيروﻧﻲ« — ﻋﲆ ﺣﻤيرﻳﺔ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« — ﻛﻞ ﻣﻦ »اﺑﻦ اﻟﻜﻠﺒﻲ«، و»اﺑﻦ ﺣﺒﻴﺐ« ﰲ المﺤﱪ، وإن ﺧﺎﻟﻔﺎه ﰲ اﻻﺳﻢ، ﻓﻬﻮ ﻋﻨﺪ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ »اﻟﺼﻌﺐ ﺑﻦ ﻗﺮﻳﻦ ﺑﻦ اﻟﻬﻤﻠﻞ« و»اﺑﻦ اﻟﻬﻤﺎل«،46 وﻟﻴﺲ أﺑﺎ ﻛﺮب وﻻ ﺻﻌﺒًﺎ. ﻫﺬا وﻳﻮاﻓﻖ »اﻟﺪارﻗﻄﻨﻲ« و»اﺑﻦ ﻣﺎﻛﻮﻻ« ﻋﲆ ﻣﺎ أورده »اﺑﻦ ﻫﺸﺎم« ﻣﻦ أﻗﻮال ﺗﺴﻤﻴﻪ »ﻫﺮﻣﺲ« أو »ﻫﺮوﻳﺲ«، ﻟﻜﻨﻬﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪان ﰲ اﻟﺘﺄﺻﻴﻞ واﻟﺘﻨﺴﻴﺐ ﻟﺠﺪود اﻟﺠﺪود، ﻓﻬﻮ »ﻫﺮوﻳﺲ ﺑﻦ ﻗﻴﻄﻮن ﺑﻦ ﻟﻨﻄﻲ ﺑﻦ ﻛﺸﻠﻮﺧين ﺑﻦ ﺑﻮﺗﺎن ﺑﻦ ﻳﺎﻓﺚ ﺑﻦ ﻧﻮح«،47 إﻻ أن »اﻟﺴﻬﻴﲇ« ﺑﺪا واﺛﻘًﺎ أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻛﺎن »ﺻﻌﺒًﺎ«، ودﻟﻞ ﻋﲆ ذﻟﻚ ﺑﺰﻋﻤﻪ أن »ﻗﺲ ﺑﻦ ﺳﺎﻋﺪة« ﺧﻄﻴﺐ ﻗﺒﻴﻠﺔ إﻳﺎد. ﻗﺪ ﻋﺪ »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﺟﺪه ﻷﺑﻴﻪ، وﻧﺴﺐ ﻟﻪ ﺧﻄﺒﺔ ﻳﻘﻮل ﻓﻴﻬﺎ ﻷﻫﻠﻪ: »ﻳﺎ ﻣﻌﴩ
44 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٩٦ 45 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٧٩
46 أﺑﻮ ﺟﻌﻔﺮ ﺑﻦ ﺣﺒﻴﺐ المﺤﱪ، دار اﻵﻓﺎق اﻟﺠﺪﻳﺪة، ﺑيروت، ط٢، ١٩٨٠م، ص٣٦٥، .٣٦٦ 47 ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٩٦
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
إﻳﺎد ﺑﻦ اﻟﺼﻌﺐ، ذو اﻟﻘﺮﻧين، ﻣﻠﻚ اﻟﺨﺎﻓﻘين، وأذل اﻟﺜﻘﻠين، وﻋ ﱠﻤﺮ أﻟﻔين، ﺛﻢ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﻛﻠﺤﻈﺔ ﻋين، وأﻧﺸﺪ اﺑﻦ ﻫﺸﺎم ﻟﻸﻋﴙ:
واﻟﺼﻌﺐ ذو اﻟﻘﺮﻧﻴﻦ أﺻﺒﺢ ﺛﺎوﻳٍّﺎ ﺑ ﺎﻟ ﺤ ﻨ ﻮ ﻓ ﻲ ﺟ ﺪث أﻣ ﻴ ﻢ ﻣ ﻘ ﻴ ﻢ
وﻗﻮﻟﻪ ﺑﺎﻟﺤﻨﻮ، ﻳﺮﻳﺪ ﺣﻨﻮ ﻗﺮاﻗﺮ اﻟﺬي ﻣﺎت ﻓﻴﻪ ذو اﻟﻘﺮﻧين ﺑﺎﻟﻌﺮاق48«.
وﻫﻨﺎك اﺟﺘﻬﺎدات أﺧﺮى ذﻫﺒﺖ ﰲ ﺗﺴﻤﻴﺔ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﻣﺬاﻫﺐ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﺗﻤﺎﻣًﺎ لمﺎ أوردﻧﺎه، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻧﺠﺪ ﻟﻪ ﻣﺜﻼً ﰲ ﻛﺘﺎب »إﻛﻤﺎل اﻟﺪﻳﻦ« اﻟﺬي ﻳﺬﻫﺐ ﺑﺈﺳﻨﺎده إﱃ »ﻋﺒﺪ ﷲ ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎن« إﱃ أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻻ »ﺿﺤﺎﻛًﺎ« وﻻ »ﻋﺒﺎﺳًﺎ« وﻻ »ﺻﻌﺒًﺎ« وﻻ »ذا ﻛﺮب«، إﻧﻤﺎ ﻛﺎن …» رﺟﻼً ﻣﻦ أﻫﻞ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ ﻳﻘﺎل ﻟﻪ: إﺳﻜﻨﺪر«، وﻳﺬﻛﺮ »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« أن ﺑﻌﺾ أﻫﻞ اﻟﺴير، ﻳﺬﻫﺒﻮن إﱃ أﻧﻪ »اﻹﺳﻜﻨﺪر اﺑﻦ ﻓﻠﻴﻘﻮس«؛ ﻷﻧﻪ ﻻ ﻏيره ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ وﻋﲆ اﺗﺴﺎع ﻣﻠﻜﻪ، ﻓﺎﻹﺳﻜﻨﺪر — ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﻮل اﻟﺮازي — ﻗﺪ ﺣﺼﺪ ﻣﻠﻮك اﻟﻐﺮب واﺟﺘﺎح اﻟﻐﺮب ﻛﻠﻪ، ﺛﻢ اﺗﺠﻪ ﴍﻗًﺎ ﻓﻔﺘﺢ ﺑﻼد اﻟﺸﺎم واﻟﻌﺮاق وﻓﺎرس واﻟﻬﻨﺪ واﻟﺼين، ولمﺎ ﻛﺎن »اﻟﺮازي« ﻳﺮى ﺛﺒﻮت ذﻟﻚ ﺗﺎرﻳﺨﻴٍّﺎ، ﻓﻘﺪ ﻗﻄﻊ أﻧﻪ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ«،49 وﺑﺄﻧﻪ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﻧﻔﺴﻪ ﰲ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، وﻫﻮ ذات ﻋين المﻘﺼﻮد ﺑﺴﺆال أﻫﻞ ﻣﻜﺔ ﻟﻠﻨﺒﻲ ﷺ.
وﻗﺪ واﻓﻖ »ﻣﺤﻤﺪ ﻓﺮﻳﺪ وﺟﺪي« ﰲ اﻟﻘﺮآن المﻔﴪ ﻋﲆ رأي »اﻟﺮازي« ﻟﻸﺳﺒﺎب ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻏير ﺧﺎفٍ ﻣﻴﻞ »المﺴﻌﻮدي« اﻟﺸﺪﻳﺪ ﻟﻠﺮأي ﻧﻔﺴﻪ، وإن ﺣﺎول اﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﺑين ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻋﻦ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ، وﺑين ﻣﺎ ذﻫﺐ إﻟﻴﻪ اﻹﺧﺒﺎرﻳﻮن المﺴﻠﻤﻮن ﺣﻮل ﻳﻤﻨﻴﺔ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﻓﻘﺎل ﰲ »ﻣﺮوج اﻟﺬﻫﺐ:« »وﻗﺪ ذﻛﺮه ﺗﺒﻊ ﰲ ﺷﻌﺮه واﻓﺘﺨﺮ ﺑﻪ وأﻧﻪ ﻣﻦ ﻗﺤﻄﺎن، وﻗﻴﻞ إن ﺑﻌﺾ اﻟﺘﺒﺎﺑﻌﺔ ﻏﺰا ﻣﺪﻳﻨﺔ روﻣﻴﺔ وأﺳﻜﻨﻬﺎ ﺧﻠﻘًﺎ ﻣﻦ اﻟﻴﻤﻦ، وأن ذا اﻟﻘﺮﻧين اﻟﺬي ﻫﻮ اﻹﺳﻜﻨﺪر، ﻣﻦ أوﻟﺌﻚ المﺘﺨﻠﻔين ﺑﻬﺎ، وﷲ أﻋﻠﻢ50«. أﻣﺎ »اﺑﻦ ﻫﺸﺎم«، ﻓﺒﻌﺪ ﴎده لمﺨﺘﻠﻒ اﻟﺘﻘﻮﻻت واﻟﺘﺴﻤﻴﺎت، ﻓﻘﺪ اﻧﺘﻬﻰ ﰲ »اﻟﺴيرة« إﱃ أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« »ﻣﻦ أﻫﻞ ﻣﴫ، وأﻧﻪ اﻹﺳﻜﻨﺪر اﻟﺬي ﺑﻨﻰ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ ﻓﻌﺮﻓﺖ ﺑﻪ51«. أﻣﺎ »اﻟﻄﱪي« ﻓﻘﺪ ﺟﺎء
48 اﻟﺴﻬﻴﲇ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٥٩ 49 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٧٨
50 المﺴﻌﻮدي، ﻣﺮوج اﻟﺬﻫﺐ، المﻜﺘﺒﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﺑيروت، د. ت، ج١، ص.٢٨٨ 51 اﺑﻦ ﻫﺸﺎم، اﻟﺴيرة »ﰲ اﻟﺴﻬﻴﲇ«، ص.٥٩
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
واﺿﺤًﺎ دون ﺗﺮدد وﻫﻮ ﻳﻘﻮل: »ﻫﻮ إﺳﻜﻨﺪروس ﺑﻦ ﻗﻠﻴﻘﻮس، وﻳﻘﺎل ﻓﻴﻪ اﺑﻦ ﻗﻠﻴﺲ52«. وﻣﻌﻠﻮم أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻫﻮ اﺑﻦ ﻓﻴﻠﻴﺐ — أو ﺑﺈﺿﺎﻓﺔ اﻟﺘﴫﻳﻒ اﻻﺳﻤﻲ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ — اﺑﻦ »ﻓﻴﻠﻴﺒﺲ«، وﻟﻌﻞ اﻟﻘﻮل اﺑﻦ »ﻗﻠﻴﻘﻮس« ﺧﻄﺄ ﻳﻌﻮد لمﺎ أﺳﻠﻔﻨﺎه ﻋﻦ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻏير المﻨﻘﻮﻃﺔ، ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﻣﺎ ذﻛﺮه اﻟﺠﺰاﺋﺮي »اﺑﻦ ﻓﻠﻴﻘﻮس.«
وإﺿﺎﻓﺔ ﻟﻬﺆﻻء، ﻓﻘﺪ واﻓﻖ »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﰲ ﻗﺼﺺ اﻷﻧﺒﻴﺎء )ﻣﻤﺜﻼً ﻟﻠﺸﻴﻌﺔ(، ﻛﻤﺎ واﻓﻖ أﻳﻀًﺎ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﺮد ﻋﲆ المﻨﻄﻘﻴين )ﻣﻤﺜﻼً ﻟﻠﺴﻨﺔ(، ﻋﲆ ﺗﺴﻤﻴﺔ ذي اﻟﻘﺮﻧين »»إﺳﻜﻨﺪر« ﻟﻜﻦ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ: اﻟﺸﻴﻌﻲ، واﻟﺴﻨﻲ، ﻳﻨﻔﻴﺎن ﻧﻔﻴًﺎ ﻗﺎﻃﻌًﺎ أن ﻳﻜﻮن ﻫﻮ المﻘﺪوﻧﻲ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ. أﻣﺎ لمﺎذا ﻛﺎن اﺳﻤﻪ »إﺳﻜﻨﺪر« ﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ، ﻓﻬﻮ ﻣﺎ ﻻ ﻧﺠﺪ ﻟﻪ ﺗﱪﻳﺮًا أو ﺗﻮﺿﻴﺤًﺎ ﺑﺸﺄﻧﻪ ﻟﺪﻳﻬﻤﺎ، ﻟﻜﻨﻬﻤﺎ اﻧﻬﻤﻜﺎ ﺑﺸﺪة ﰲ ﺗﻮﺿﻴﺢ ﺳﺒﺐ رﻓﺾ أن ﻳﻜﻮن ﻫﻮ المﻘﺪوﻧﻲ؛ ﻷﻧﻪ ﻟﻮ ﻛﺎن ﻫﻮ المﻘﺪوﻧﻲ ﻓﺴﻴﺜير ذﻟﻚ إﺷﻜﺎﻻً ﻛﺒيًرا وﻋﻮﻳﺼًﺎ؛ ﻷن المﻘﺪوﻧﻲ ﻛﺎن ﺗﻠﻤﻴﺬًا ﻟﻠﻔﻴﻠﺴﻮف اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ »أرﺳﻄﻮﻃﺎﻟﻴﺲ«، وأن ﺗﻌﻈﻴﻢ ﷲ ﻟﺬي اﻟﻘﺮﻧين ﻳﻮﺟﺐ اﻟﺤﻜﻢ أن ﻣﺬﻫﺐ »أرﺳﻄﻮ« ﺻﺪق، وﻫﻨﺎ ﻳﻘﻒ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﻣﻌﻠﻨًﺎ: …» وذﻟﻚ ﻣﻤﺎ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ إﻟﻴﻪ«. ﻛﻤﺎ أﻧﻪ ﻳﺼﻒ ذﻟﻚ ﺑﻘﻮﻟﻪ: »وﻫﺬا ﺟﻬﻞ53«.
ورﺑﻤﺎ ﻟﻠﺴﺒﺐ ﻧﻔﺴﻪ ﻳﻌﻘﺐ »اﻟﺴﻬﻴﲇ« ﻋﲆ »اﺑﻦ ﻫﺸﺎم« ﺑﺎﻟﻘﻮل: »وﻗﻮل اﺑﻦ ﻫﺸﺎم ﰲ اﻟﺴيرة أﻧﻪ ﻣﻦ أﻫﻞ ﻣﴫ، وأﻧﻪ اﻹﺳﻜﻨﺪر اﻟﺬي ﺑﻨﻰ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ ﻓﻌﺮﻓﺖ ﺑﻪ، ﻗﻮل ﺑﻌﻴﺪ … وﻳﺤﺘﻤﻞ أن ﻳﻜﻮن اﻹﺳﻜﻨﺪر ﺳﻤﻲ ذا اﻟﻘﺮﻧين ﺗﺸﺒﻴﻬًﺎ ﻟﻪ ﺑﺎﻷول، ﻷﻧﻪ ﻣﻠﻚ ﻣﺎ ﺑين المﴩق والمﻐﺮب ﻓﻴﻤﺎ ذﻛﺮوا أﻳﻀًﺎ54«. وﻳﺘﺎﺑﻌﻪ »اﻟﺸﻬﺮﺳﺘﺎﻧﻲ« ﰲ »المﻠﻞ واﻟﻨﺤﻞ«، وﻳﺬﻫﺐ إﱃ أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻟﻘﺐ ﻓﻌﻼً ﺑﺬي اﻟﻘﺮﻧين، ﻟﻜﻦ »ﻟﻴﺲ ﻫﻮ المﺬﻛﻮر ﰲ اﻟﻘﺮآن«؛55 ﻟﺬﻟﻚ ﺟﺎء ﻋﻦ »ﻗﺘﺎدة:« »إﺳﻜﻨﺪر ﻫﻮ ذو اﻟﻘﺮﻧين، أﺑﻮه أول اﻟﻘﻴﺎﴏة، وﻛﺎن ﻣﻦ وﻟﺪ ﺳﺎم ﺑﻦ ﻧﻮح ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم، ﻓﺄﻣﺎ ذو اﻟﻘﺮﻧين اﻟﺜﺎﻧﻲ، ﻓﻬﻮ إﺳﻜﻨﺪر ﺑﻦ ﻓﻴﻠﺒﺲ ﺑﻦ ﻣﴫﻳﻢ ﺑﻦ … )وﻳﻈﻞ ﻳﻨﺴﺒﻪ ﺳﻠﻔًﺎ إﱃ ﺳﻠﻒ ﺣﺘﻰ ﻳﺼﻞ إﱃ( … اﺑﻦ اﻟﻌﻴﺺ ﺑﻦ إﺳﺤﺎق ﺑﻦ إﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺨﻠﻴﻞ!« وﻗﺪ ذﻛﺮ اﻟﻨﺴﺐ ﻧﻔﺴﻪ المﻄﻮل المﻔﺼﻞ »اﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ« ﰲ ﺗﺎرﻳﺨﻪ56.
52 اﻟﺴﻬﻴﲇ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٥٩
53 اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ، اﻟﺮد ﻋﲆ المﻨﻄﻘﻴين، إدارة ﺗﺮﺟﻤﺎن اﻟﺴﻨﺔ، ﻻﻫﻮر ﺑﺎﻛﺴﺘﺎن، ١٩٧٦م، ص٢٨٣، .٢٨٤ 54 اﻟﺴﻬﻴﲇ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٥٩
55 اﻟﺸﻬﺮﺳﺘﺎﻧﻲ، المﻠﻞ واﻟﻨﺤﻞ، دار المﻌﺮﻓﺔ، ﺑيروت، ١٩٨٢م، ج٢، ص.٧٣ 56 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص٩٦، .٩٧
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
أﻣﺎ اﻟﺤﺎﻓﻆ »اﺑﻦ ﻛﺜير«، ﻓﻴﻌﻘﺐ ﻋﲆ اﻹﺷﻜﺎل ﺑﺎﻟﻘﻮل: إن »المﻘﺪوﻧﻲ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ المﴫي ﺑﺎﻧﻲ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ، اﻟﺬي ﻳﺆرخ ﺑﺄﻳﺎﻣﻪ اﻟﺮوم، ﻛﺎن ﻣﺘﺄﺧﺮًا ﻋﻦ اﻷول )ﻳﻘﺼﺪ ذا اﻟﻘﺮﻧين اﻟﻘﺮآﻧﻲ( ﺑﺪﻫﺮ ﻃﻮﻳﻞ، وﻛﺎن ﻫﺬا ﻗﺒﻞ المﺴﻴﺢ ﺑﻨﺤﻮ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ، وﻛﺎن أرﺳﻄﻮﻃﺎﻟﻴﺲ اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف وزﻳﺮه … وإﻧﻤﺎ ﻧﺒﻬﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ؛ ﻷن ﻛﺜيًرا ﻣﻦ اﻟﻨﺎس ﻳﻌﺘﻘﺪون أﻧﻬﻤﺎ واﺣﺪ، وأن المﺬﻛﻮر ﰲ اﻟﻘﺮآن ﻫﻮ اﻟﺬي ﻛﺎن أرﺳﻄﻮﻃﺎﻟﻴﺲ وزﻳﺮه، ﻓﻴﻘﻊ ﺑﺪﻟﻚ ﺧﻄﺄ ﻛﺒير وﻓﺴﺎد ﻋﺮﻳﺾ ﻃﻮﻳﻞ، ﻓﺈن اﻷول ﻛﺎن ﻋﺒﺪًا ﻣﺆﻣﻨًﺎ ﺻﺎﻟﺤًﺎ، وأﻣﺎ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻜﺎن ﻣﴩﻛًﺎ وﻛﺎن وزﻳﺮه ﻓﻴﻠﺴﻮﻓًﺎ )ﻻﺣﻆ اﺳﺘﻬﺠﺎﻧﻪ اﻟﺸﺪﻳﺪ أن ﻳﻜﻮن وزﻳﺮ المﺆﻣﻦ ﻓﻴﻠﺴﻮﻓًﺎ، ﻣﻊ ﻗﺮﻧﻪ ﺑﺎﻟﴩك(، وﻗﺪ ﻛﺎن ﺑين زﻣﺎﻧﻴﻬﻤﺎ أزﻳﺪ ﻣﻦ أﻟﻔﻲ ﺳﻨﺔ، ﻓﺄﻳﻦ ﻫﺬا ﻣﻦ ﻫﺬا؟ ﻻ ﻳﺴﺘﻮﻳﺎن وﻻ ﻳﺸﺘﺒﻬﺎن إﻻ ﻋﲆ ﻏﺒﻲ ﻻ ﻳﻌﺮف ﺣﻘﺎﺋﻖ اﻷﻣﻮر57«.
إذن؛ اﺧﺘﻠﻒ اﻟﺮواة والمﻔﴪون وأﺻﺤﺎب اﻟﺴير واﻷﺧﺒﺎر ﰲ اﺳﻢ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« اﺧﺘﻼﻓًﺎ ﻛﺒيًرا، وﻳﻤﻜﻦ إﺟﻤﺎل ﺗﻮﺟﻬﺎﺗﻬﻢ ﰲ ﻣﺬﻫﺒين: اﻷول ﻳﺬﻫﺐ إﱃ أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻛﺎن ﻋﺮﺑﻴٍّﺎ ﻗﺤﻄﺎﻧﻴٍّﺎ ﻣﻦ اﻟﻴﻤﻦ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ذﻫﺐ آﺧﺮون ﺑﺎلمﻄﺎﺑﻘﺔ ﺑين رواﻳﺔ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ وﺑين أﺣﺪاث اﻟﺘﺎرﻳﺦ، إﱃ أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻫﻮ »اﻹﺳﻜﻨﺪر ﺑﻦ ﻓﻴﻠﻴﺐ« المﻘﺪوﻧﻲ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ. وﻗﺪ اﻋﱰض ﻋﲆ أﺻﺤﺎب ﻫﺬا المﺬﻫﺐ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺪد ﻣﻦ المﻔﴪﻳﻦ، ﻣﻨﻬﻢ »اﺑﻦ ﻛﺜير« و»اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« »ﺳُﻨﺔ« و»اﻟﺠﺰاﺋﺮي« »ﺷﻴﻌﻲ.« وﻛﺎﻧﺖ اﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﰲ أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻛﺎن ﺗﻠﻤﻴﺬًا ﻟﻠﻔﻴﻠﺴﻮف اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ »أرﺳﻄﻮﻃﺎﻟﻴﺲ«؛ ﻣﻤﺎ ﻳﻮﺟﺐ اﻟﻘﻄﻊ ﺑﻜﻔﺮ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻟﺘﺘﻠﻤﺬه ﻋﲆ ﻳﺪ ﻓﻴﻠﺴﻮف، وﻋﻠﻴﻪ ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻫﻮ »ذا اﻟﻘﺮﻧين« المﺬﻛﻮر ﰲ ﻛﺘﺎب ﷲ اﻟﻌﺰﻳﺰ.
وإذا ﻛﺎن »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻗﺪ رأى ﰲ اﻟﺨﻠﻂ ﺑين »ذي اﻟﻘﺮﻧين« وﺑين »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﺧﻄﺄً ﻛﺒيًرا وﻓﺴﺎدًا ﻋﺮﻳﻀًﺎ ﻃﻮﻳﻼً، وأﻧﻬﻤﺎ ﻻ ﻳﺴﺘﻮﻳﺎن وﻻ ﻳﺸﺘﺒﻬﺎن إﻻ ﻋﲆ ﻏﺒﻲ ﻻ ﻳﻌﺮف ﺣﻘﺎﺋﻖ اﻷﻣﻮر، ﻓﺈن »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﻗﺪم ﻟﻺﺷﻜﺎل ﺣﻼٍّ ﻓﺮﻳﺪًا ﻗﺎل ﻓﻴﻪ: »إن ذا اﻟﻘﺮﻧين ﻛﺎن ﻣﻘﺪﻣًﺎ ﻋﲆ أرﺳﻄﻮ ﺑﻤﺪة ﻋﻈﻴﻤﺔ، وﻛﺎن ﻣﺴﻠﻤًﺎ ﺑﺨﻼف المﻘﺪوﻧﻲ، وذي اﻟﻘﺮﻧين ﺑﻠﻎ أﻗﴡ المﴩق والمﻐﺮب، وﺑﻨﻰ ﺳﺪ ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج، والمﻘﺪوﻧﻲ ﻟﻢ ﻳﺼﻞ ﻟﻬﺬا، وﻻ وﺻﻞ إﱃ اﻟﺴﺪ58!«
57 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٩٧
58 اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ، اﻟﺮد ﻋﲆ المﻨﻄﻘﻴين، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٢٨٣
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
و»اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« إذ ﻳﻘﻮل ذﻟﻚ »ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ: اﻟﺮد ﻋﲆ المﻨﻄﻘﻴين« ﻳﻀﻌﻨﺎ — وﻻ ﻣﻨﺎص — ﰲ ﻣﻮﻗﻒ ﻗﴪي لمﻨﺎﻗﺸﺘﻪ ﻣﻨﻄﻘﻴٍّﺎ، ولمﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻨﺎﻗﺸﺘﻪ المﻄﻮﻟﺔ ﺗﺨﺮج ﻋﻦ ﻫﺪف ﻫﺬا المﻮﺿﻮع، ﻓﺴﻨﻜﺘﻔﻲ ﺑﻤﻠﺤﻮﻇﺎت ﺛﻼث، وﻫﺬا أﺿﻌﻒ اﻹﻳﻤﺎن.
والمﻠﺤﻮﻇﺔ اﻷوﱃ: ﻫﻲ ﺣﻮل ﻗﻮﻟﻪ إن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻛﺎن ﻣﺴﻠﻤًﺎ، وﻛﺎن ﻣﻘﺪﻣًﺎ ﻋﲆ »أرﺳﻄﻮ« ﺑﻤﺪة ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻓﺈﺳﻼم »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﻫﻨﺎ، ﻳﻌﻨﻲ أﻧﻪ ﻗﺪ آﻣﻦ ﺑﺪﻋﻮة »ﻣﺤﻤﺪ« رﺳﻮل ﷲ ﷺ ﻗﺒﻞ أن ﻳﺪﻋﻮ ﺑﻬﺎ ﺑﺄﻛﺜﺮ ﻣﻦ أﻟﻒ ﻋﺎم إذا ﻛﺎن ﻫﻮ المﻘﺪوﻧﻲ، وإذا ﻟﻢ ﻳﻜﻦ المﻘﺪوﻧﻲ، وﻛﺎن ﻣﻘﺪﻣًﺎ ﻋﲆ »أرﺳﻄﻮ« ﺑﻤﺪة ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻓﺈن ذﻟﻚ ﻳﻠﻘﻲ ﺑﻨﺎ أﻟﻔًﺎ أﺧﺮى إﱃ اﻟﻮراء، أو ﻳﺰﻳﺪ، ﻛﻤﺎ أن إﺳﻼﻣﻪ ﻳﻌﻨﻲ وﻓﻖ المﻨﻄﻖ اﻹﺳﻼﻣﻲ أن ﻳﻜﻮن »ذو اﻟﻘﺮﻧين« ﻧﺒﻴٍّﺎ، إذ ﻳﻨﺴﺤﻖ اﻟﺰﻣﺎن ﺑﻜﻞ آﻧﺎﺗﻪ ﰲ ﻟﺤﻈﺔ، وﻳﺴﺘﺪﻳﺮ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻋﻜﺲ ﺣﺮﻛﺘﻪ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺳﻠﻒ ﻣﻦ أﻧﺒﻴﺎء — ﻋﲆ اﺧﺘﻼﻓﻬﻢ واﺧﺘﻼف ﻇﺮوﻓﻬﻢ واﺧﺘﻼف ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻬﻢ وﺑﻨﻴﺎﺗﻬﺎ، واﺧﺘﻼف ﻗﻀﻴﺔ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻢ وﻣﻨﻬﺠﻪ وﻃﺮﻳﻘﺘﻪ — ﻣﺠﺮد ﻟﺤﻈﺔ ﰲ اﻟﺰﻣﻦ المﺤﻤﺪي، وﺑﺎﺳﺘﺪارة اﻟﺘﺎرﻳﺦ دورة ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺗﺒﺪأ ﺛﻢ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﻋﻨﺪ ﻧﺒﻲ اﻹﺳﻼم ﷺ، ﻳﺼﺒﺢ ﺟﻤﻴﻊ اﻷﻧﺒﻴﺎء أﺗﺒﺎﻋًﺎ ﻟﻪ ﻣﺆﻣﻨين ﺑﺪﻋﻮﺗﻪ، وﻳﺒﻴﺖ ﻫﻮ اﻟﺒﺪء والمﻨﺘﻬﻰ ﰲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﻨﺒﻮة، ﻛﻤﺎ أﺻﺒﺢ اﻹﻟﻪ ﺗﻌﺎﱃ ﻫﻮ اﻷول واﻵﺧﺮ ﰲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ، وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈن »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﻳﻌﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻛﺎن واﺣﺪًا ﻣﻦ اﻷﻧﺒﻴﺎء اﻟﻜﺮام، ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺟﻤﻴﻌًﺎ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم، وﻣﺜﻠﻬﻢ ﻓﻬﻮ ﻣﻦ أﺗﺒﺎع ﻧﺒﻲ اﻹﺳﻼم ﷺ، اﻟﺬي ﺳﺒﻖ اﻟﺠﻤﻴﻊ وﻛﺎن ﻏﺮة ﻣﻦ ﻧﻮر ﰲ ﺟﺒين »آدم«، ﺣﻤﻠﺘﻬﺎ أﺻﻼب اﻟﻄﺎﻫﺮﻳﻦ، وﻣﻦ أﺟﻠﻪ، وﺗﻤﻬﻴﺪًا ﻟﺪﻋﻮﺗﻪ، ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺒﻮات ورﺳﺎﻻت ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺴﺎﻟﻔين!
والمﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺗﺘﻤﺜﻞ ﰲ أﻣﺮﻳﻦ ﻣﺆﻛﺪﻳﻦ ﻋﻨﺪ ﺷﻴﺦ ﻓﻘﻬﺎء اﻟﺴﻨﺔ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ:« اﻷﻣﺮ اﻷول أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻫﻮ اﻟﺬي ﺑﻨﻰ ﺳﺪ ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج، واﻟﺜﺎﻧﻲ ﻫﻮ أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻟﻢ ﻳﺼﻞ إﱃ ﺑﻼد ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج، وﻳﻘﺪم ﻋﲆ ذﻟﻚ ﺑﺮاﻫين، أﻫﻤﻬﺎ: أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺮد ﰲ اﻟﻮﺛﺎﺋﻖ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ ﻋﻦ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻣﺎ ﻳﻔﻴﺪ ﺑﻮﺻﻮﻟﻪ إﱃ ﻣﻜﺎن أو ﺳﺪ أو أﻣﺔ ﺗﺤﻤﻞ ﻫﺬا اﻻﺳﻢ، ﻟﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻫﻨﺎك ﺳﺪ أو ﻣﻜﺎن أو ﻗﻮم ﺑﻬﺬا اﻻﺳﻢ وأن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« وﺻﻠﻬﻤﺎ، ﻓﻬﻮ ﻋﻨﺪ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﻣﻦ المﺴﻠﻤﺎت اﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻨﺎﻟﻬﺎ ﺷﻚ؛ ﻟﺜﺒﻮﺗﻪ ﺑﺎﻟﺪﻟﻴﻞ اﻟﻨﻘﲇ ﰲ ﻛﺘﺎب ﷲ اﻟﻜﺮﻳﻢ.
أﻣﺎ المﻠﺤﻮﻇﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ: ﻓﻬﻲ أﻧﻪ — ﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم — ﻟﻢ ﻳُﻌﺮف ﺑﻌﺪ ﻣﺎذا ﻗﺼﺪ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﺑﺄﻣﺔ ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج، وﻻ أﻳﻦ ﻣﻮﺿﻌﻬﻢ، وﻻ أﻳﻦ ذﻟﻚ اﻟﺴﺪ ﻋﲆ اﻟﻜﻮﻛﺐ اﻷرﴈ، واﻵراء ﰲ ذﻟﻚ ﺑﻬﺎ ﺧﻠﻒ ﻛﺒير، ﻟﻜﻦ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« اﻟﺬي أﻓﺤﻢ ﻛﻞ المﻨﺎﻃﻘﺔ ﺑﻤﻨﻄﻘﻪ،
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻳﺠﺰم — اﻋﺘﻘﺎدًا — ﺑﻜﻮﻧﻬﺎ ﻣﻮاﺿﻊ ﻣﻮﺟﻮدة ﺑﻞ وﻣﻌﻠﻮﻣﺔ ﻳﻘﻴﻨًﺎ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻣﻌﻠﻮﻣﺔ ﰲ اﻟﻮﺣﻲ اﻟﺬي ﻳﻌﺮﻓﻬﺎ ﺟﻴﺪًا وﻳﻌﺮف أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« وﺻﻠﻬﺎ. ﻛﻤﺎ أﻧﻪ ﻣﻌﻠﻮم ﰲ ﻋﻠﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻟﻘﺎﴏ، اﻟﺬي ﻳﺠﻬﻞ ﻫﺬه المﻮاﺿﻊ، أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻟﻢ ﻳﺼﻞ ﺗﻠﻚ المﻮاﺿﻊ اﻟﺘﻲ ﻳﻌﻠﻤﻬﺎ ﷲ اﻟﺬي ﻫﻮ ﻓﻮق اﻟﻌﺎلمين، ﻟﻜﻦ اﻟﺬي ﻻ ﻳﻤﺎري ﻓﻴﻪ ﻣﻜﺎﺑﺮ، أن »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﻧﻔﺴﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺪﻳﻪ أدﻧﻰ ﻋﻠﻢ ﺑﻤﻮﻗﻊ ﻫﺬه اﻷﻣﺔ وﺳﺪﻫﺎ. واﻛﺘﻔﻰ ﺑﺄن ﻳﻌﻠﻤﻬﺎ ﷲ، وآﻣﻦ ﺑﻮﺟﻮدﻫﺎ ﻛﻤﺎ ﻗﺮر اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، وأن ﻫﺬه اﻷﻣﺔ وﺳﺪﻫﺎ ﻣﻘﺮوﻧﺎن ﺑﺬي اﻟﻘﺮﻧين ﰲ اﻟﻘﺮآن، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻏير ﻣﻘﺮوﻧﺔ ﺑﺎلمﻘﺪوﻧﻲ؛ ﻷﻧﻪ ﻟﻮ ﻛﺎن وﺻﻠﻬﺎ ﻟﻌﺮﻓﻬﺎ ﻋﻠﻢ اﻟﺠﻐﺮاﻓﻴﺎ وﻋﻠﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ وﻛُﺸﻒ ﻋﻦ أﻣﺮﻫﺎ، وﻫﻮ أﻣﺮ ﻳﺤﻤﻞ دﻻﻟﺔ ﻗﺼﻮر ﻋﻠﻢ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻐﺮ المﻔﺘﻮن؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻓﻼ ﻣﻨﺎص — ﺣﺴﺐ ﻣﻨﻄﻖ اﻟﺮد ﻋﲆ المﻨﻄﻘﻴين — ﻣﻦ اﻻﻋﱰاف ﺑﺘﻮاﺿﻊ، أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« »ﻟﻢ ﻳﺼﻞ ﻟﻬﺬا وﻻ وﺻﻞ إﱃ اﻟﺴﺪ«، وﻫﺬا دﻟﻴﻞ ﻛﺎفٍ ﻋﲆ ﻣﺤﺪودﻳﺔ رﺣﻠﺘﻪ وﻣﺤﺪودﻳﺔ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﺎﻟﺬات، ذﻟﻚ اﻟﻌﻠﻢ اﻟﺬي ﺗﻠﻘﺎه ﻋﻦ »أرﺳﻄﻮ« اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف، إذا ﻣﺎ ﻗﺎرﻧﺎه ﺑﻌﻠﻢ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« اﻟﺬي ﻋﻠﻤﻪ ﷲ وآﺗﺎه اﻷﺳﺒﺎب، وأرﺷﺪه إﱃ أﻣﺎﻛﻦ ﻻ ﺗﻌﺮﻓﻬﺎ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻋﲆ ﻛﻮﻛﺒﻬﺎ ﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم، ورﺑﻤﺎ ﻟﻦ ﺗﻌﺮﻓﻬﺎ أﺑﺪًا وﻓﻖ ﻣﻨﻄﻖ اﻟﺮد ﻋﲆ المﻨﻄﻘﻴين.
أﻣﺎ لمﺎذا ﻟﻘﺐ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻫﺬا اﻟﻔﺎﺗﺢ اﻟﻌﻈﻴﻢ ﺑﻠﻘﺐ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﻓﻬﻮ أﻣﺮ ﻟﻢ ﻳﺴﻠﻢ ﺑﺪوره ﻣﻦ ﺧﻼف، ﻓﻴﺬﻛﺮ »المﺴﻌﻮدي:« »أﻧﻪ ﺳُ ﱢﻤﻲ ﺑﺬي اﻟﻘﺮﻧين ﻟﺒﻠﻮﻏﻪ أﻃﺮاف اﻷرض، وأن المﻠﻚ المﻮﻛﻞ ﺑﺠﺒﻞ ﻗﺎف ﺳﻤﺎه ﺑﻬﺬا اﻻﺳﻢ«. ﺛﻢ ﻳﻀﻴﻒ: …» رﴈ ﷲ ﻋﻨﻪ59«. وﻳﴩح »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻓﻴﻘﻮل: »واﺧﺘﻠﻔﻮا ﰲ اﻟﺴﺒﺐ اﻟﺬي ﺳُﻤﻲ ﺑﻪ »ذا اﻟﻘﺮﻧين«، ﻓﻘﻴﻞ: ﻷﻧﻪ ﻛﺎن ﰲ رأﺳﻪ ﺷﺒﻪ اﻟﻘﺮﻧين، ﻗﺎل »وﻫﺐ ﺑﻦ ﻣﻨﺒﻪ:« ﻛﺎن ﻟﻪ ﻗﺮﻧﺎن ﻣﻦ ﻧﺤﺎس ﰲ رأﺳﻪ، وﻫﺬا ﺿﻌﻴﻒ، وﻗﺎل ﺑﻌﺾ أﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎب: ﻷﻧﻪ ﻣﻠﻚ اﻟﻔﺮس واﻟﺮوم، وﻗﻴﻞ: ﻷﻧﻪ ﺑﻠﻎ ﻗﺮﻧﻲ اﻟﺸﻤﺲ ﴍﻗًﺎ وﻏﺮﺑًﺎ وﻣﻠﻚ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ اﻷرض …
وﻫﻮ ﻗﻮل اﻟﺰﻫﺮي، وﻗﺎل »اﻟﺤﺴﻦ اﻟﺒﴫي:« ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻪ ﻏﺪﻳﺮﺗﺎن ﻣﻦ ﺷﻌﺮ ﻳﻄﺎﻓﻴﻬﻤﺎ ﻓﺴﻤﻲ ذا اﻟﻘﺮﻧين … وﻋﻦ ﻋﲇ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ أﻧﻪ ﺳُﺌﻞ ﻋﻦ ذي اﻟﻘﺮﻧين؛ ﻓﻘﺎل: ﻛﺎن ﻋﺒﺪًا ﻧﺎﺻﺢ ﷲ ﻓﻨﺎﺻﺤﻪ، دﻋﺎ ﻗﻮﻣﻪ إﱃ ﷲ ﻓﴬﺑﻮه ﻋﲆ ﻗﺮﻧﻪ ﻓﻤﺎت، ﻓﺄﺣﻴﺎه ﷲ، ﻓﺪﻋﺎ ﻗﻮﻣﻪ إﱃ ﷲ ﻓﴬﺑﻮه ﻋﲆ ﻗﺮﻧﻪ اﻵﺧﺮ ﻓﻤﺎت، ﻓﺴﻤﻲ ذا اﻟﻘﺮﻧين60«.
59 المﺴﻌﻮدي، ﻣﺮوج اﻟﺬﻫﺐ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ج١، ص.٢٨٨ 60 اﺑﻦ ﻛﺜير، اﻟﺒﺪاﻳﺔ واﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ج٢، ص٩٥، .٩٦
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
وﻗﺪ أﺟﻤﻞ »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« و»اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﺑﻘﻴﺔ اﻟﺘﻌﻼت ﻟﻬﺬا اﻟﻠﻘﺐ، ﻣﻨﻬﺎ أﻧﻪ أﻣﺴﻚ ﰲ رؤﻳﺎه ﺑﻘﺮﻧﻲ اﻟﺸﻤﺲ، وﻣﻨﻬﺎ أﻧﻪ ﻛﺎن ذا ﺿﻔيرﺗين ﻋﻈﻴﻤﺘين، وﻣﻨﻬﺎ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﻠﺒﺲ ﺗﺎﺟًﺎ ذا ﻗﺮﻧين — وﻫﻮ ﰲ رأﻳﻨﺎ أﺻﺢ اﻵراء ﻛﻤﺎ ﺳﻴﺘﺒين ﻻﺣﻘًﺎ — وﻣﻨﻬﺎ أﻧﻪ اﻧﻘﺮض ﰲ وﻗﺘﻪ ﻗﺮﻧﺎن ﻣﻦ اﻟﺰﻣﺎن، وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻳﴫ ﻛﻼﻫﻤﺎ ﺑﺎﻹﺳﻨﺎد إﱃ وﻫﺐ أﻧﻪ ﻋﺎش ﺧﻤﺴﻤﺎﺋﺔ ﻋﺎم61! أﻣﺎ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻓﻴﺬﻛﺮ أﻧﻪ ﻣﻜﺚ أﻟﻔًﺎ وﺳﺘﻤﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ ﻳﺠﻮب اﻷرض وﻳﺪﻋﻮ ﻟﻺﺳﻼم )ﻣﺘﺠﺎوزًا اﻟﻌﻤﺮ اﻟﻘﻴﺎﳼ ﻟﻠﻨﺒﻲ ﻧﻮح ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم!( وﻧﺴﺐ اﻟﻘﻮل ﻷﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎب، رﻏﻢ أن ﻛﺘﺎب أﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎب ﻟﻢ ﻳﺬﻛﺮ »ذا اﻟﻘﺮﻧين.« ﺛﻢ ﻻ ﻳﻌﺠﺒﻪ ذﻟﻚ ﻓﻴﻌﱰض ﺑﺎﻟﻘﻮل: »وﰲ ﻛﻞ ﻫﺬه المﺪة ﻧﻈﺮ62«. ﺛﻢ ﻳﻮرد ﻗﻮل »اﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ« »أﻧﻪ ﻋﺎش ﺳﺘًﺎ وﺛﻼﺛين ﺳﻨﺔ، أو ﻛﺎن ﻋﻤﺮه ﺛﻨﺘين وﺛﻼﺛين ﺳﻨﺔ … وﻛﺎن ﻣﻠﻜﻪ ﺳﺘﺔ ﻋﴩ ﺳﻨﺔ«. وﻳﻌﱰض ﻣﺮة أﺧﺮى وﻳﻘﻮل: »إن اﻟﺬي ذﻛﺮه »اﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ« إﻧﻤﺎ ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﲆ إﺳﻜﻨﺪر اﻟﺜﺎﻧﻲ »المﻘﺪوﻧﻲ« وﻟﻴﺲ اﻷول »ذو اﻟﻘﺮﻧين«، وﻗﺪ ﺧﻠﻂ )أي اﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ( ﰲ أول اﻟﱰﺟﻤﺔ وآﺧﺮﻫﺎ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ63.«
وﻟﻜﻦ اﻟﻄﺮﻳﻒ واﻟﺬي ﻻ ﻳﻐﻴﺐ ﻋﲆ ﻓﻄﻦ، أن ﻣﻦ ﺳﻠﻜﻮا »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﺿﻤﻦ اﻟﻌﺮب اﻟﻴﻤﻨﻴﺔ، ﻗﺪ اﺳﺘﺒﻄﻦ ﺣﺪﻳﺜﻬﻢ زﻻت ﺗﺸير إﱃ ﻳﻘين داﺧﲇ ﺑﺄﻣﺮ آﺧﺮ، ﻓﻬﻮ وإن ﻛﺎن ﻋﻨﺪ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻣﻦ أزد اﻟﻴﻤﻦ واﺳﻤﻪ ﻋﺮﺑﻲ ﻗﺢ »ﻣﺼﻌﺐ«، ﻓﺈن ﻫﺬا ﻣﻦ ﺟﻬﺔ اﻷب؛ ﻷن أﻣﻪ ﻛﺎﻧﺖ روﻣﻴﺔ! ﺛﻢ ﻓﻠﺘﺔ ﺗﺄﺗﻲ ﻋﲆ ﺧﺠﻞ واﺳﺘﺤﻴﺎء ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »وﻛﺎن ﻳﻘﺎل ﻟﻪ اﺑﻦ اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف ﻟﻌﻘﻠﻪ«. )وﻫﻞ ﺛﻤﺔ ﻓﻴﻠﺴﻮف ﻫﻨﺎ ﻏير أرﺳﻄﻮ؟( أﻣﺎ اﻟﺴﻬﻴﲇ اﻟﺬي أﴏ ﻋﲆ اﺳﻢ اﻟﺼﻌﺐ واﺳﺘﻤﺎت دوﻧﻪ، ووﻗﻒ ﻳﺘﻠﻜﺄ ﻋﻨﺪ ﺑﻴﺖ ﻣﻨﺴﻮب ﻟﻸﻋﴙ ورد ﻋﻨﺪ »اﺑﻦ ﻫﺸﺎم«، ﻳﻘﻮل: إن »اﻟﺼﻌﺐ ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻣﺎت ودﻓﻦ ﰲ »ﺣﻨﻮ ﻗﺮاﻗﺮ« ﺑﺎﻟﻌﺮاق، ﻓﻴﺒﺪو أن »اﻟﺴﻬﻴﲇ« ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻌﻠﻢ أن ذﻟﻚ المﻮﻗﻊ ﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻛﺎن المﻮﺿﻊ اﻟﺬي ﻗﴣ ﻓﻴﻪ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻧﺤﺒﻪ، وﻗﺖ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻌﺮاق وإﻳﺮان إﻣﱪاﻃﻮرﻳﺔ ﻓﺎرﺳﻴﺔ ﻣﻬﺰوﻣﺔ. أﻣﺎ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« و»اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺎ ﻋﲆ ﻳﻘين أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻟﻴﺲ ﻫﻮ اﻟﻘﺎﺋﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ اﻷﺷﻬﺮ، ﻟﻜﻨﻬﻤﺎ أ ﱠﴏا ﻋﲆ ﻣﻨﺤﻪ ذﻟﻚ اﻻﺳﻢ اﻟﻐﺮﻳﺐ ﻋﲆ اﻟﻠﺴﺎن اﻟﻌﺮﺑﻲ، »إﺳﻜﻨﺪر!«
61 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر المﺒين، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٧٨، ١٧٩؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه،
.٣٢٢ص
62 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٩٨ 63 ﻧﻔﺴﻪ، ص.١٠٠
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻮة واﻟﻌﺮوﺑﺔ
ﻫﺬا ﻣﺎ ﺟﺎء ﻋﻦ اﺳﻤﻪ، وﻟﻘﺒﻪ، أﻣﺎ ﻋﻦ ﻧﺒﻮﺗﻪ ﻣﻦ ﻋﺪﻣﻬﺎ، ﻓﻬﻲ ﻗﻀﻴﺔ أﺛﺎرﺗﻬﺎ اﻵﻳﺎت اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿وَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦْ ذِي اﻟْﻘَﺮْﻧَيِْن ﻗُﻞْ ﺳَﺄَﺗْﻠُﻮ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻣِﻨْﻪُ ذِﻛْﺮًا * إِﻧﱠﺎ ﻣَ ﱠﻜﻨﱠﺎ ﻟَﻪُ ِﰲ اﻷْرَْضِ وَآﺗَﻴْﻨَﺎهُ ﻣِﻦْ ﻛُ ﱢﻞ َْﳾءٍ ﺳَﺒَﺒًﺎ * ﻓَﺄَﺗْﺒَﻊَ ﺳَﺒَﺒًﺎ * ﺣَﺘﱠﻰ إِذَا ﺑَﻠَﻎَ ﻣَﻐْﺮِبَ اﻟ ﱠﺸﻤْﺲِ وَﺟَﺪَﻫَﺎ ﺗَﻐْﺮُبُ ِﰲ ﻋَيٍْن ﺣَﻤِﺌَﺔٍ وَوَﺟَﺪَ ﻋِﻨْﺪَﻫَﺎ ﻗَﻮْﻣًﺎ ﻗُﻠْﻨَﺎ ﻳَﺎ ذَا اﻟْﻘَﺮْﻧَيِْن إِ ﱠﻣﺎ أَنْ ﺗُﻌَﺬﱢبَ وَإِ ﱠﻣﺎ أَنْ ﺗَﺘﱠﺨِﺬَ ﻓِﻴﻬِﻢْ ﺣُﺴْﻨًﺎ﴾ )اﻟﻜﻬﻒ: .(٨٦–٨٣ وﻳﻔﴪ وﺟﺪي: »وﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻳﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﻦ ذي اﻟﻘﺮﻧين، وﻗﻴﻞ: ﺳﺄﻟﻪ اﻟﻴﻬﻮد اﻣﺘﺤﺎﻧًﺎ ﻟﻪ، وﻗﻴﻞ: ﺳﺄﻟﻪ ﻣﴩﻛﻮ ﻣﻜﺔ، ﻓﺄﺟﺎﺑﻪ ﷲ ﻟﻠﺘﺴﺎؤل: ﻗﻞ ﺳﺄﺗﻠﻮ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻣﻨﻪ ذﻛﺮًا«.
وﻫﻨﺎ، ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﺿﻌﻒ اﺣﺘﻤﺎل أن ﻳﻜﻮن اﻟﺴﺆال ﻗﺪ وﺟﻬﻪ اﻟﻴﻬﻮد ﻟﻠﺮﺳﻮل ﷺ ﻷﺳﺒﺎب: أوﻟﻬﺎ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر أن اﻟﺴﺎﺋﻠين ﻫﻤﺎ »اﻟﻨﴬ ﺑﻦ اﻟﺤﺎرث«، و»ﻋﻘﺒﺔ اﺑﻦ أﺑﻲ ﻣﻌﻴﻂ«، وﻗﺪ ﻟﻘﻴﺎ اﻟﺠﺰاء اﻟﻮﻓﺎق، ﺑﻌﺪ ﺗﻤﻜﻦ اﻹﺳﻼم ﻣﻦ ﻗﻮﺗﻪ، ﻓﻘﺘﻞ أﺣﺪﻫﻤﺎ ﰲ ﻧﺨﻠﺔ، وﻗﺘﻞ اﻵﺧﺮ ﰲ اﻟﺮوﺣﺎء ﺑﻌﺪ أﴎﻫﻤﺎ ﰲ وﻗﻌﺔ ﺑﺪر اﻟﻜﱪى. وﺛﺎﻧﻴﻬﺎ أن اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻛﺎن ﻗﺒﻞ ﻫﺠﺮة اﻟﺮﺳﻮل ﷺ إﱃ المﺪﻳﻨﺔ، ﺣﻴﺚ اﻟﻴﻬﻮد، ﺑﺎﻋﺘﺒﺎر ﺳﻮرة اﻟﻜﻬﻒ ﻣﻜﻴﺔ ﻻ ﻣﺪﻧﻴﺔ، ﻛﻤﺎ أن اﻟﺤﺮب اﻟﺠﺪاﻟﻴﺔ ﺑين اﻟﻨﺒﻲ ﷺ وﺑين ﺑﻬﻮد المﺪﻳﻨﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺪ ﺑﺪأت ﺑﻌﺪ. وﺛﺎﻟﺜﻬﺎ أﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﰲ المﺄﺛﻮر اﻟﻴﻬﻮدي أﻳﺔ ﻗﺼﺔ ﺗﺸير إﱃ ﻧﺒﻲ أو ﺑﻄﻞ ﺑﺎﺳﻢ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، وﻋﻠﻴﻪ ﻳﻜﻮن المﻘﺒﻮل ﻫﻮ ﻣﺎ أوردﻧﺎه ﰲ ﺻﺪر ﻫﺬه اﻟﺪراﺳﺔ، ﻋﻦ ﺗﺴﺎؤل ﻣﺜﻘﻔﻲ ﻣﻜﺔ، وﻣﺎ ﺟﺎءت ﺑﻪ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر، ﺣﻴﺚ ﻛﺎن اﻟﻨﺒﻲ ﻳﺤﺪث أﻫﻞ ﻣﻜﺔ ﺑﺄﻣﻮر وﺟﺪوا ﻟﻬﺎ ﺻﺪًى ﻓﻴﻤﺎ ﺳﺒﻖ أن ﻋﻠﻤﻮه، ﰲ رﺣﻼﺗﻬﻢ اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ، أو ﺑﻌﺜﺎت ﺑﻌﻀﻬﻢ اﻟﺪراﺳﻴﺔ، ﻟﻜﻦ اﻟﺘﺴﺎؤل ﻫﺬه المﺮة ﻛﺎن ﻋﻦ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﻫﻞ ﻛﺎن ﻣﻠﻜًﺎ ﺻﺎﻟﺤًﺎ، أم ﻧﺒﻴٍّﺎ ﻣﺮﺳﻼً، أم ﻣﺠﺮد ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺗﺎرﻳﺨﻴﺔ ﻓﺤﺴﺐ؟
وﺑﻬﺬا اﻟﺼﺪد ﻧﺠﺪ ﻋﺪدًا ﻣﻦ اﻟﺮواﻳﺎت ﺗﺤﺎول اﻹﺟﺎﺑﺔ، ﻟﻌﻞ أﻏﺮﺑﻬﺎ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻋﻨﺪ »المﺴﻌﻮدي« ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »وﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ رأى أﻧﻪ ﻣﻠﻚ ﻣﻦ المﻼﺋﻜﺔ، وﻫﺬا اﻟﻘﻮل ﻳﻌﺰى إﱃ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎب رﴈ ﷲ ﻋﻨﻪ64«. وﻳﺰﻳﺪﻧﺎ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﺗﻔﺼﻴﻼً ﻓﻴﻘﻮل: »وأﻏﺮب ﻣﻦ ﻗﺎل: إﻧﻪ ﻣﻠﻚ ﻣﻦ المﻼﺋﻜﺔ، وﻗﺪ ﺣﻜﻲ ﻋﻦ أﻣير المﺆﻣﻨين »ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎب«، أﻧﻪ ﺳﻤﻊ رﺟﻼً ﻳﻘﻮل ﻵﺧﺮ: ﻳﺎ ذا اﻟﻘﺮﻧين، ﻓﻘﺎل: ﻣﻪ، ﻣﺎ ﻛﻔﺎﻛﻢ أن ﺗﺘﺴﻤﻮا ﺑﺄﺳﻤﺎء اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﺣﺘﻰ ﺗﺴﻤﻴﺘﻢ ﺑﺄﺳﻤﺎء المﻼﺋﻜﺔ؟65« ﻟﻜﻦ »اﺑﻦ ﻛﺜير« اﻟﺤﺎﻓﻆ ﻛﺎن واﺛﻘًﺎ أن »اﻟﺼﺤﻴﺢ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻣﻠﻜًﺎ ﻣﻦ
64 المﺴﻌﻮدي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٢٨٨ 65 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٩٥
المﻠﻮك اﻟﻌﺎدﻟين«. وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻀﺎرب ﻣﻊ ﻣﺎ أﺳﻠﻔﻨﺎه ﻋﻦ اﻋﺘﻘﺎده ﺑﻨﺒﻮة »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﺛﻢ ﻫﻮ ﻳﻮرد ﻣﺎ ﻗﻴﻞ ﺑﺸﺄﻧﻪ »وﻗﻴﻞ إﻧﻪ ﻛﺎن ﻧﺒﻴٍّﺎ، وﻗﻴﻞ ﻛﺎن رﺳﻮﻻً … وﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎس ﻗﺎل: ﻛﺎن ذو اﻟﻘﺮﻧين ﻣﻠﻜًﺎ ﺻﺎﻟﺤًﺎ رﴈ ﷲ ﻋﻤﻠﻪ وأﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ، وﻛﺎن ﻣﻨﺼﻮرًا، وﻛﺎن وزﻳﺮه اﻟﺨﴬ، وذﻛﺮ أن اﻟﺨﴬ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻛﺎن ﻋﲆ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﺟﻴﺸﻪ … وﻗﺪ ذﻛﺮ اﻷزرﻗﻲ وﻏيره أن ذا اﻟﻘﺮﻧين أﺳﻠﻢ ﻋﲆ ﻳﺪي إﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺨﻠﻴﻞ، وﻃﺎف ﻣﻌﻪ ﺑﺎﻟﻜﻌﺒﺔ المﻜﺮﻣﺔ ﻫﻮ وإﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم، وروي ﻋﻦ ﻋﺒﻴﺪ ﺑﻦ ﻋﻤير واﺑﻨﻪ ﻋﺒﺪ ﷲ وﻏيرﻫﻤﺎ أن ذا
اﻟﻘﺮﻧين ﺣﺞ ﻣﺎﺷﻴًﺎ، وأن إﺑﺮاﻫﻴﻢ لمﺎ ﺳﻤﻊ ﺑﻘﺪوﻣﻪ ﺗﻠﻘﺎه ودﻋﺎ ﻟﻪ ورﺿﺎه، وأن ﷲ ﺳ ﱠﺨﺮ
ﻟﺬي اﻟﻘﺮﻧين اﻟﺴﺤﺎب ﻳﺤﻤﻠﻪ ﺣﻴﺚ أراد66«. وﻳﻌﻠﻞ ﺳﺒﺐ ﺗﺴﺨير اﻟﺴﺤﺎب ﻟﺬي اﻟﻘﺮﻧين، ﻣﻀﺎﻫﺎة ﺑﺴﻠﻴﻤﺎن اﻟﺬي ﺳﺨﺮت ﻟﻪ اﻟﺮﻳﺢ ﻟﺘﺤﻤﻠﻪ ﻋﲆ ﺑﺴﺎط اﻟﺮﻳﺢ، ﺑﻘﻮﻟﻪ: »ﺟﻲء ﻟﻪ ﺑﻔﺮس ﻟيرﻛﺒﻬﺎ، ﻓﻘﺎل: ﻻ أرﻛﺐ ﰲ ﺑﻠﺪ ﻓﻴﻪ اﻟﺨﻠﻴﻞ، ﻓﺴﺨﺮ ﻟﻪ ﷲ اﻟﺴﺤﺎب، وﺑﴩه إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﺬﻟﻚ67«.
وﻣﻦ ﺟﻬﺔ أﺧﺮى ﻓﺈن رواﻳﺔ اﻹﻣﺎم »ﻋﲇ« ﺗﻨﻜﺮ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻧﺒﻮة »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، إذ أﻛﺪ »أﻧﻪ ﻻ ﻣﻠﻚ وﻻ ﻧﺒﻲ، ﺑﻞ ﻋﺒﺪ أﺣﺐ ﷲ ﻓﺄﺣﺒﻪ، ﻓﻤ ﱠﻜﻦ ﻟﻪ ﰲ اﻷرض68«. وﰲ رواﻳﺔ أﺧﺮى ﻋﻨﻪ ﻛﺮم ﷲ وﺟﻬﻪ ﻗﺎل: »إن ذا اﻟﻘﺮﻧين ﻣﻠﻚ ﻣﺒﻌﻮث وﻟﻴﺲ رﺳﻮﻻً وﻻ ﻧﺒﻴٍّﺎ«. وﰲ اﻟﺤﺪﻳﺚ أﻧﻪ أﺳﻠﻢ ودﻋﺎ إﱃ اﻹﺳﻼم، وﺑﻨﻰ ﻣﺴﺠﺪًا ﺿﺨﻤًﺎ، ودﻋﺎ دﻫﻘﺎن اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ ﻹﻣﺎﻣﺘﻪ69.
أﻣﺎ ﻣﻦ ذﻫﺒﻮا إﱃ ﻛﻮﻧﻪ ﻧﺒﻴٍّﺎ، ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻨﺪوا إﱃ ﻣﺎ ورد ﺑﺎﻵﻳﺎت ﻋﻦ ﺗﻤﻜين ﷲ ﻟﻪ ﰲ اﻷرض وﻣﻨﺤﻪ اﻷﺳﺒﺎب، واﻟﻜﻼم ﻣﻌﻪ »ﻗﻠﻨﺎ: ﻳﺎ ذا اﻟﻘﺮﻧين «… وﻛﻠﻪ ﻻ ﻳﺠﻮز إﻻ ﻣﻊ ﻧﺒﻲ.
أﻣﺎ اﻟﺤﺪﻳﺚ اﻟﻨﺒﻮي ﻓﻴﻔﺼﻞ ﰲ اﻷﻣﺮ؛ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮل المﺼﻄﻔﻰ ﷺ: »ﻻ أدري أﻛﺎن ذو اﻟﻘﺮﻧين ﻧﺒﻴٍّﺎ، أم ﻻ70«.
وﻣﻊ اﻟﻘﻮل اﻟﻔﺼﻞ ﻟﻠﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﷺ ﻳﺠﺪ اﻟﺒﺎﺣﺚ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻣﺴﺎﺣﺔ واﺳﻌﺔ ﻣﻦ اﻻﺟﺘﻬﺎد، وﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﻛﺜﺮة ﻣﺎ أﺳﻠﻔﻨﺎه ﻣﻦ آراء، وﻛﺎﻧﺖ ﻧﻮﻋًﺎ ﻣﻦ اﻻﺟﺘﻬﺎد، رﻏﻢ أﻧﻨﺎ ﻗﺪ أوﺟﺰﻧﺎ ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﺬي ﻻ ﻳُﺨﻞ، وأوﻓﻴﻨﺎ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳُﻤﻞ، وراﻋﻴﻨﺎ اﻟﻜﺜير ﻣﻦ اﻟﺤﺴﺎﺳﻴﺎت اﻟﺘﻲ
66 المﻮﺿﻊ ﻧﻔﺴﻪ. 67 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٩٩ 68 المﻮﺿﻊ ﻧﻔﺴﻪ.
69 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٦٠، .١٦١ 70 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٣٢٤
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﺗﻔﺮﺿﻬﺎ اﻟﻈﺮوف، ﻓﺘﺨﻄﻴﻨﺎ اﻟﻜﺜير، وأﺑﻘﻴﻨﺎ اﻷﻫﻢ ﻣﻦ اﻟﻘﻠﻴﻞ، وﺑﻠﻮﻧﺎ أﻧﻔﺴﻨﺎ ﺑﻤﺸﻘﺔ اﻟﺒﺤﺚ ﻓﻴﺎ ﻳﺴﺘﺄﻫﻠﻪ اﻟﻐﺮض وﻧﺒﻞ المﺒﺘﻐﻰ، واﻟﻌﻘﻞ ﻣﻦ وراء اﻟﻘﺼﺪ.
وﻫﻨﺎ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ أن ﻧﻘﺮر ﺑﺎﻃﻤﺌﻨﺎن أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻻ ﻳﻤﻜﻦ — ﻛﻤﺎ ﺟﺎء ﻋﻨﺪ اﻹﺧﺒﺎرﻳين — أن ﻳﻜﻮن أﺣﺪ اﻟﻌﺒﺎﺑﻴﺲ، وﻻ اﻟﻀﺤﺎﻛين، وﻻ ذوي اﻟﻜﺮب، وﻻ اﻟﻬﻤﺎﻟين، وﻻ ﺻﻌﺒًﺎ وﻣﺼﻌﺒًﺎ … إﻟﺦ، ﻻﻋﺘﺒﺎرات أﺷﺪﻫﺎ ﺣﺴﻤًﺎ، ﻫﻮ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺮد ﰲ اﻟﺘﺎرﻳﺦ المﺪون ذﻛﺮ ﻟﻔﺎﺗﺢ ﻋﻈﻴﻢ، ﻃﺎف ﺑين اﻟﺨﺎﻓﻘين، ﻳﺤﻤﻞ واﺣﺪًا ﻣﻦ ﻫﺬه اﻷﺳﻤﺎء، وﻻ ﺟﺎء ﰲ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ذﻛﺮ ﻟﻴﻤﻨﻲ أو ﺣﻤيري، أو ﻟﻘﺎﺋﺪ ﻓﺰاري أو إﻳﺎدي أو أزدي، ﺟﺮد اﻟﺠﻴﻮش واﻟﻜﺘﺎﺋﺐ، واﺟﺘﺎح ﻗﻼع اﻟﺪﻧﻴﺎ وﺣﺼﻮﻧﻬﺎ، ﻛﻤﺎ ورد ﰲ ﻗﺼﺔ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« اﻟﻘﺮآﻧﻴﺔ.
ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻗﺒﻮل ﻣﺎ ﻗﺪ ﻳﻘﺎل: إﻧﻪ رﺑﻤﺎ ﻛﺎن أﺣﺪ ﻫﺆﻻء ﻫﻮ اﻟﻔﺎﺗﺢ »ذو اﻟﻘﺮﻧين«، وأن اﻟﺘﺎرﻳﺦ المﺪون أﻫﻤﻠﻪ ﻏﻔﻠﺔ؛ ﻷﻧﻪ ﻛﺎن ﺳﺎﺑﻘًﺎ ﻋﲆ اﻟﺘﺪوﻳﻦ واﻛﺘﺸﺎف اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ؛ ﻷن ﻫﺬا المﺬﻫﺐ ﺳﻴﺼﻄﺪم ﻣﺒﺎﴍة ﻣﻊ أﺑﺴﻂ المﺒﺎدئ اﻟﺘﻲ ﻧﻌﺮﻓﻬﺎ ﰲ ﻋﻠﻮم اﻻﺟﺘﻤﺎع واﻟﻌﻤﺮان، وﺗﺸﻜﻞ ردٍّا ﺑﺪﻫﻴٍّﺎ ﻳﻘﻮل: وﻫﻞ ﻛﺎن ﻗﺒﻞ اﻟﺘﺎرﻳﺦ المﺪون دول ووﺣﺪات ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻛﱪى، ﻳﺤﺘﺎج اﺣﺘﻼﻟﻬﺎ إﱃ ﺟﻴﻮش وﻗﺎدة؟ ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ المﻌﻠﻮم اﻟﺜﺎﻧﻲ واﻟﺒﺪﻫﻲ ﺑﺪوره، وﻫﻮ أن اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻟﻢ ﺗﺒﺪأ إﻻ ﻣﻊ اﻻﺳﺘﻘﺮار اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﰲ وﺣﺪات ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ إدارﻳﺔ ﻛﱪى، ﺑﻌﺪ ﻗﻴﺎم المﺠﺘﻤﻊ المﻨﻈﻢ، وﻗﺒﻠﻬﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن ﺷﺄن ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻦ ﺑﻘﻴﺔ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎت اﻻﺑﺘﺪاﺋﻴﺔ، وﺣﺘﻰ ﺑﻌﺾ ﺑﺴﺎﺋﻂ ﺧﱪات وأﺳﺎﻃير اﻟﺒﴩ اﻷوﱃ، وﺟﺪت ﻃﺮﻳﻘﻬﺎ إﱃ اﻟﺘﺪوﻳﻦ، ﺑﻌﺪ أن ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻮارث ﺷﻔﺎﻫﺔ ﻣﻦ ﺟﻴﻞ إﱃ ﺟﻴﻞ، وﻟﻴﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﺣﺴﺒﻤﺎ ﻧﻌﻠﻢ ﻣﻦ ﻋﻠﻮم المﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻴﺎ أي ذﻛﺮ لمﻠﻚ أﻇﻞ ﻋﺮﺷﻪ اﻷرض ﻳﺤﻤﻞ اﺳﻢ اﻟﻀﺤﺎك أو اﻟﻌﺒﺎس، ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﰲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ أن ﻧﺄﺧﺬ ﻣﺄﺧﺬ اﻟﺠﺪ اﻟﻌﻠﻤﻲ، اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻟﻮﺣﻴﺪة اﻟﺘﻲ وﻗﻌﺖ ﺑﺄﻳﺪﻳﻨﺎ، وﺣﺎوﻟﺖ اﻟﻜﺸﻒ — ﺑﺮوح إﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ — ﻋﻦ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﰲ المﻠﺤﻤﺔ اﻟﺮاﻓﺪﻳﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻋﻦ المﻠﻚ اﻹﻟﻪ »ﺟﻠﺠﺎﻣﺶ«، واﻟﺘﻲ د ﱠوﻧﻬﺎ اﻟﺴﻮﻣﺮﻳﻮن واﻟﺒﺎﺑﻠﻴﻮن ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ، وﻋﺎﻟﺞ اﻟﺒﺎﺣﺚ »ﻣﺤﻤﺪ ﻧﺠﻴﺐ اﻟﺒﻬﺒﻴﺘﻲ« ﰲ ﻣﺤﺎوﻟﺘﻪ ﺗﻠﻚ، ﻣﺼﺪاﻗﻴﺔ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻣﺘﻨﺎﻏﻤﺔ ﺑﺎﻟﺘﺒﺎدل ﻣﻊ اﻷﺣﺪاث اﻷﺳﻄﻮرﻳﺔ لمﻠﺤﻤﺔ »ﺟﻠﺠﺎﻣﺶ«، ﺑﺤﺴﺒﺎﻧﻪ »ذا اﻟﻘﺮﻧين«، وأﻧﻪ ﻓﺘﺢ ﺑﻼد اﻟﺪﻧﻴﺎ، واﻛﺘﺸﻒ أﻣﺮﻳﻜﺎ وأﺳﱰاﻟﻴﺎ، ودار ﺣﻮل اﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻣﻊ إرﺟﺎﻋﻪ إﱃ أﺻﻮل ﻳﻤﻨﻴﺔ، وذﻟﻚ ﰲ ﻣﺠﻠﺪﻳﻦ ﻳﺘﺴﻤﺎن ﺑﺎﻟﻀﺨﺎﻣﺔ واﻟﺠﺰاﻟﺔ واﻟﺠﻬﺪ، ﺑﻌﻨﻮان »المﻌﻠﻘﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻷوﱃ.«
وﻟﻌﻞ ﻣﻮﻗﻔﻨﺎ — ﻣﻦ اﻷﺳﺘﺎذ اﻟﺒﺎﺣﺚ رﻏﻢ ﺟﻬﺪه اﻟﻮاﺿﺢ ﺣﻘٍّﺎ — ﻧﺎﺑﻊ ﻣﻦ إﴏارﻧﺎ
ﻋﲆ اﻟﺘﺰام اﻟﺒﺤﺚ ﻷﺻﻮل المﻨﻬﺞ اﻟﻌﻠﻤﻲ، ﺑﻌﻴﺪًا ﻋﻦ اﻟﺘﻼﻋﺐ ﺑﺎﻷﻟﻔﺎظ واﻻﺑﺘﺴﺎر، واﻟﻘﻔﺰ ﻓﻮق اﻷﺣﺪاث، واﻻﻧﺘﻘﺎﺋﻴﺔ، واﻟﺘﻔﺴير ﻋﲆ اﻟﻬﻮى ﻟﻠﺘﻴﺴير ﰲ اﻟﻮﺻﻮل، واﻟﺘﻌﺼﺐ ﻏير اﻟﻌﻠﻤﻲ ﻟﻠﻌﻨﴫ، ﻓﺠﺎء ﺟﻬﺪ المﺆﻟﻒ المﺸﻜﻮر ﻛﺎﻟﻌﻬﻦ المﻨﻔﻮش، وﻷن ﻫﺬا أﻣﺮ ﻳﺤﺘﺎج إﱃ
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻗﻮل آﺧﺮ رﺑﻤﺎ ﰲ ﻣﻮﺿﻊ آﺧﺮ ﻏير ﻣﻘﺎﻣﻨﺎ ﻫﺬا، ﻓﻘﺪ آﺛﺮﻧﺎ اﻹﺷﺎرة إﻟﻴﻪ ﻟﻠﺘﻨﻮﻳﻪ، ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﺤﻴﻠﻨﺎ ﻗﺎرئ ﻣﺠﺘﻬﺪ إﻟﻴﻪ وﻳﺤﺴﺒﻨﺎ ﻋﻨﻪ ﻏﺎﻓﻠين، ورﺑﻤﺎ ﻏﻔﻠﻨﺎ ﻋﻦ اﻟﻘﻮل اﻵﺧﺮ ﰲ المﻮﺿﻊ اﻵﺧﺮ إن آﺛﺮ المﺆﻟﻒ اﻟﺴﻼﻣﺔ وﺟﻨﺒﻨﺎ المﻼﻣﺔ. وإن المﻌﺘﺎد ﻋﲆ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻛﺘﺒﻨﺎ اﻟﱰاﺛﻴﺔ، ﻟﻦ ﻳﺮى ﰲ ﺗﻨﺴﻴﺐ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﻋﺮﺑﻴٍّﺎ أﻳﺔ ﻏﺮاﺑﺔ، ﺣﻴﺚ اﻋﺘﺎد ﻛﺘﱠﺎﺑﻨﺎ — اﻟﺴﺎﻟﻔﻮن ﻋﺎﻓﺎﻫﻢ ﷲ — ﺗﻌﺮﻳﺐ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺼﺎدﻓﻬﻢ، وإرﺟﺎﻋﻪ ﻋﻨﴫﻳٍّﺎ ﻟﻠﻌﻨﴫ اﻟﻌﺮﺑﻲ، وإن ﻟﻢ ﻳﺘﻤﻜﻨﻮا ﻣﻦ ذﻟﻚ، وﻣﻊ ﻣﺒﺪأ أﺿﻌﻒ اﻹﻳﻤﺎن، ﻳﺮﺟﻌﻮﻧﻪ ﻃﺎﺋﻔﻴٍّﺎ إﱃ ﻋﻘﻴﺪة اﻹﺳﻼم؛ ﻓﻴﺤﺎل اﻟﺒﻄﻞ إﱃ أي
وﻟﺪ ﻣﻦ أﺑﻨﺎء ﻧﻮح ﺣﻼٍّ ﻟﻺﺷﻜﺎل، وﰲ ذﻟﻚ ﺿﻤﺎن وﻟﻮ ﺑﻌﻴﺪ ﻹدراﺟﻪ ﺿﻤﻦ المﺴﻠﻤين ﻋﱪ إﺳﻼم ﻧﻮح ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم.
وﻣﺜﺎل ﻟﺬﻟﻚ أن ﻧﻘﺮأ اﺳﻢ ﻓﺮﻋﻮن ﻣﴫ ﰲ ﻋﻬﺪ اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم« »ﺳﻨﺎن ﺑﻦ اﻷﺷﻞ ﺑﻦ ﻋﻠﻮان« »ﻣﻦ ﻋﺎﺋﻠﺔ ﻋﻠﻮان!« وﻓﺮﻋﻮن »ﻳﻮﺳﻒ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم:« »اﻟﺮﻳﺎن ﺑﻦ اﻟﻮﻟﻴﺪ ﺑﻦ اﻟﻠﻴﺚ«، أو رﺑﻤﺎ »اﻷﻗﺮع ﺑﻦ اﻟﺠﺪع اﻟﺠﺪﻋﺎﻧﻲ«، ﻣﻤﺎ ﻻ ﻳﻤﺘﻨﻊ ﻣﻌﻪ أن ﻳﻜﻮن ﻓﺮﻋﻮن »ﻣﻮﳻ« ﻟﻴﺲ واﺣﺪًا ﻣﻤﻦ أﻋﻠﻤﻨﺎ ﺑﻬﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﺣﺘﻤﺎﻻً، ﻣﺜﻞ »ﺗﺤﺘﻤﺲ اﻟﺜﺎﻟﺚ« أو »رﻣﺴﻴﺲ اﻟﺜﺎﻧﻲ« أو »ﻣﺮﻧﺒﺘﺎح« أو »ﺣﻮر ﻣﺤﺐ«؛ ﻷﻧﻪ ﰲ ﺗﺮاﺛﻨﺎ ﻫﻮ »اﻟﻮﻟﻴﺪ ﺑﻦ ﻣﺼﻌﺐ ﺑﻦ اﻟﻬﻠﻮات«،71 وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻓﻼ ﺑﺄس إن ﻗﺎﻟﻮا: إن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻛﺎن »ﺻﻌﺒًﺎ« أو »ذا ﻛﺮب.«
وإذ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻌﺮب ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻦ اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﻜﱪى اﻟﺴﺎﻟﻔﺔ، أو اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺘﻲ ﻋﺎﴏوﻫﺎ، ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﺻﻔﺘﻬﻢ ﻛﺒﺪو ﻣﺮﺗﺤﻠين دوﻣًﺎ ﻋﲆ أﻃﺮاف اﻟﻮدﻳﺎن اﻟﺨﺼﻴﺒﺔ، وﻣﻊ ﺻﻔﺘﻬﻢ ﻛﻌﻤﺎﻟﺔ رﺧﻴﺼﺔ ﰲ المﻨﺎﺟﻢ اﻟﺤﺪودﻳﺔ ﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺎت اﻷوان، وﻣﻊ اﻣﺘﻬﺎﻧﻬﻢ اﻟﺘﺠﺎرة اﻟﻘﻮﻣﺴﻴﻮﻧﻴﺔ ﰲ ﻗﺮون ﻣﺎ ﻗﺒﻞ اﻹﺳﻼم، ﻓﻘﺪ أدى ذﻟﻚ ﺑﺎﻟﻌﺮﺑﻲ إﱃ اﻻﻃﻼع ﻋﲆ ﺷﺌﻮن ﺗﻠﻚ اﻟﺤﻀﺎرات وﻣﻌﺘﻘﺪاﺗﻬﺎ، ﻟﻜﻦ اﻟﻔﺎرق اﻟﺜﻘﺎﰲ اﻟﻬﺎﺋﻞ، أﻓﺴﺢ ﻣﺴﺎﺣﺔ أﺧﺮى ﻫﺎﺋﻠﺔ ﻟﻠﺨﻴﺎل اﻟﻌﺮﺑﻲ؛ ﻟﻴﺴﺪ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺠﻮة، وﻳﻌﻴﺪ اﻻﺗﺰان المﻔﻘﻮد، ﻣﻊ اﻻﻧﺒﻬﺎر ﺑﴚء ﻣﺜﻞ ﺣﺪاﺋﻖ ﺑﺎﺑﻞ المﻌﻠﻘﺔ، أو أﻣﺎم أﻫﺮاﻣﺎت ﻣﴫ، أو ﻗﺼﻮر ﻓﺎرس، أو ﺳﻮر اﻟﺼين. ﻓﻤﺎ ﻛﺎن ﻟﻠﺒﺪوي ﰲ ﺗﻔﺮﻗﻪ اﻟﻘﺒﲇ، أن ﻳﺘﺼﻮر إﻣﻜﺎن ﻗﻴﺎم أﻓﺮاد ﻣﻦ ﺟﻨﺲ اﻟﺒﴩ ﺑﺈﻗﺎﻣﺔ ﻣﺜﻞ ﺗﻠﻚ اﻹﻧﺠﺎزات اﻟﻀﺨﻤﺔ، ﺑﺎﻟﻘﺪرات اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ وﺣﺪﻫﺎ؛ ﻟﺬﻟﻚ، وﺣﺘﻰ ﻳﺘﻘﺒﻞ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﻮن ﻣﺎ ﺷﻬﺪوه أو ﺳﻤﻌﻮه، ﻗﺎﻣﻮا ﻳﻤﻠﺌﻮن اﻟﻔﺠﻮة اﻟﻨﻔﺴﻴﺔ واﻟﻬﻮة اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺑﺮدم ﻣﻦ المﻌﺠﺰات؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﻛﺸﺨﺼﻴﺔ »اﻹﺳﻜﻨﺪر«، ﺑﺈﻧﺠﺎزاﺗﻪ ﺧﻼل ﻋﻤﺮ ﻗﺼير وزﻣﻦ ﻗﻴﺎﳼ، ﻟﺘﻔﻠﺖ ﻣﻦ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﺑﺪوﻳﺔ، ﻓﻜﺎن أن ﺻﺎﻏﻮا ﺣﻮﻟﻪ اﻟﻜﺜير، ﺣﺘﻰ ذﻛﺮ »اﻟﺪﻣيري« اﻋﺘﻘﺎد اﻟﻌﺮب أن
71 اﻧﻈﺮ ﰲ ﻣﺜﻞ ذﻟﻚ ﻣﺘﻔﺮﻗﺎت ﰲ ﻣﺤﱪ اﺑﻦ ﺣﺒﻴﺐ، ﻣﺜﻼً ص٣٦٦، ٣٦٧ … إﻟﺦ.
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
رﺟﻼً ﻛﺎﻹﺳﻜﻨﺪر ﻻ ﺑﺪ ﻛﺎن ﻣﺆﻳﺪًا ﻣﻦ ﻗﻮة ﻋﻠﻴﺎ؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻗﺎﻟﻮا: إن أﻣﻪ وإن ﻛﺎﻧﺖ آدﻣﻴﺔ، ﻓﺈن أﺑﺎه ﻛﺎن أﺣﺪ ﻛﺒﺎر المﻼﺋﻜﺔ المﻜﺮﻣين، وﻳﺒﺪو — ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺰﻋﻢ »اﻟﺪﻣيري« — أن ﻫﺬا اﻷﺛﺮ ﻗﺪ اﺳﺘﻤﺮ إﱃ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻹﺳﻼم، ﻓﻴﻘﻮل: إن ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎب ﺳﻤﻊ رﺟﻼً ﻳﻨﺎدي: ﻳﺎ ذا اﻟﻘﺮﻧين، ﻓﻘﺎل: »أﻓﺮﻏﺘﻢ ﻣﻦ أﺳﻤﺎء اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﺣﺘﻰ ارﺗﻔﻌﺘﻢ ﻷﺳﻤﺎء المﻼﺋﻜﺔ؟72«
وﺳﻨﺮى ﻻﺣﻘًﺎ إﱃ أي ﺣﺪ ﺗﺄﺛﺮت ﻛﺘﺐ اﻟﱰاث ﺑﺎلمﺄﺛﻮرات اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ، ﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﻧﻈﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﺧﺎﻓﻴًﺎ ﻋﲆ ﻗﺎرﺋﻨﺎ، أﻧﻨﺎ ﻧﺬﻫﺐ ﺗﻤﺎﻣًﺎ إﱃ ﻛﻮن »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، اﻟﺬي ﺳﺄل ﻋﻨﻪ »اﻟﻨﴬ ﺑﻦ اﻟﺤﺎرث« و»ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻣﻌﻴﻂ«، واﻟﺬي أﺟﺎﺑﻬﻤﺎ ﻋﻨﻪ اﻟﺘﻨﺰﻳﻞ اﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻟﻴﺲ ﺷﺨﺼًﺎ آﺧﺮ ﻏير »اﻹﺳﻜﻨﺪر« المﻘﺪوﻧﻲ، اﻟﻘﺎﺋﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ. وﻫﻮ ﻣﺎ ﺳﻨﺤﺎول إﻗﺎﻣﺔ اﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ، رﻏﻢ ﻣﺎ ﻳﺜيره اﻟﺸﻴﻌﻲ »اﻟﺠﺰاﺋﺮي«، واﻟﺴﻨﻲ »اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« ﻣﻦ ﻏﺒﺎر، ﻣﻊ ﺗﻐﺎﺿﻴﻨﺎ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﻋﻦ وﺻﻒ »اﺑﻦ ﻛﺜير« لمﺜﻞ ﻣﻮﻗﻔﻨﺎ ﺑﺎﻟﻐﺒﺎء وﻋﺪم ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺣﻘﺎﺋﻖ اﻷﻣﻮر.
واﺳﺘﺒﻌﺎدًا ﻟﺼﻔﺔ اﻟﻐﺒﺎء، وﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﺪﺧﻞ ﺟﻬﺪﻧﺎ ﺿﻤﻦ ﻣﺎ وﺻﻔﻪ اﺑﻦ ﻛﺜير ﺑﺄﻧﻪ »ﺧﻄﺄ ﻛﺒير، وﻓﺴﺎد ﻋﺮﻳﺾ ﻃﻮﻳﻞ«، ﻓﺴﻨﺘﺎﺑﻊ اﻷﻣﺮ ﻣﻊ اﻟﻮﺣﻲ اﻟﺮﺑﺎﻧﻲ اﻟﺼﺎدق ﺻﺪق رب اﻟﻌﺎلمين، وﻣﺎ ﻋﻘﺐ ﺑﻪ أﻫﻞ اﻟﺴﻠﻒ واﻟﺼﺤﺎﺑﺔ وأﺻﺤﺎب اﻟﺴير واﻷﺧﺒﺎر، ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻘﻲ ﻋﻦ المﺆﻣﻦ اﻟﺜﺎﻧﻲ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﻣﻦ أﺧﺒﺎر.
ﻣﻦ المﻐﺮب إﱃ المﴩق
ﻳﻔﴪ »ﻓﺮﻳﺪ وﺟﺪي« اﻵﻳﺎت ﺣﻮل »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﺑﻘﻮﻟﻪ: »إن ﷲ ﻣ ﱠﻜﻨﻪ ﰲ اﻷرض، وأﻃﻠﻖ ﻳﺪه ﺣﺮة ﻓﻴﻬﺎ، وﻣﻨﺤﻪ ﻛﻞ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ واﻷﺳﺒﺎب ﻟﻠﻮﺻﻮل إﱃ ﻏﺎﻳﺘﻪ، وﻛﺎﻧﺖ اﻟﻐﺎﻳﺔ اﻷوﱃ ﻫﻲ اﻟﻮﺻﻮل إﱃ ﻣﻐﺮب اﻟﺸﻤﺲ، ولمﺎ وﺻﻠﻬﺎ وﺟﺪﻫﺎ ﺗﻐﺮب ﰲ ﻋين ﺣﻤﺌﺔ، أي ذات ﻃين أﺳﻮد ﺣﺎرة«. وﻳﺘﻄﻮع »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﺑﺠﻤﻊ ﻣﻮﺟﺰ اﻷﻣﺮ ﻣﻦ ﻛﺘﺐ اﻟﱰاث، ﻓﻴﻘﻮل: »إن ﻣﻜﺎن ﻏﺮوب اﻟﺸﻤﺲ ﻫﺬا، ﻫﻮ آﺧﺮ اﻟﻌﻤﺎر ﻣﻦ اﻷرض وﻛﺎن ﰲ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﻳﺪﻋﻮ اﻷﻣﻢ ﻟﻌﺒﺎدة ﷲ … وﻛﺎن إذا ﻣﺮ ﺑﻘﺮﻳﺔ زأر ﻓﻴﻬﺎ ﻛﺎﻷﺳﺪ المﻐﻀﺐ، ﻓﻴﻨﺒﻌﺚ ﻣﻦ ﻗﺮﻧﻴﻪ ﺑﺮوق ورﻋﻮد وﻇﻠﻤﺎت وﺻﻮاﻋﻖ ﺗﻬﻠﻚ ﻣﻦ ﻳﺨﺎﻟﻔﻪ … ولمﺎ وﺻﻞ إﱃ اﻟﻌين اﻟﺘﻲ ﺗﻐﺮب ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺸﻤﺲ وﺟﺪﻫﺎ ﺗﻐﺮب ﻓﻴﻬﺎ، وﻣﻌﻬﺎ ﺳﺒﻌﻮن أﻟﻒ ﻣﻠﻚ ﻳﺠﺮوﻧﻬﺎ ﺑﺴﻼﺳﻞ اﻟﺤﺪﻳﺪ واﻟﻜﻼﻟﻴﺐ، ﻳﺠﺮوﻧﻬﺎ إﱃ اﻟﺒﺤﺮ ﻣﻦ ﻗﻄﺮ اﻷرض اﻷﻳﻤﻦ، ﻛﻤﺎ ﺗﺠﺮ اﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﻋﲆ ﻇﻬﺮ المﺎء! أﻣﺎ أﻳﻦ ﻫﺬه اﻟﻌين اﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﺖ
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺸﻤﺲ ﻟﻴﻠﻬﺎ، ﻓﻔﻲ اﻷﺛﺮ المﻨﺴﻮب ﻟﻺﻣﺎم ﻋﲇ رﴈ ﷲ ﻋﻨﻪ »ﺗﻐﺮب اﻟﺸﻤﺲ ﰲ ﻋين ﺣﻤﺌﺔ، دون المﺪﻳﻨﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﲇ المﻐﺮب ﻣﺒﺎﴍة ««… وﻳﺘﻄﻮع اﻟﺠﺰاﺋﺮي ﻣﻮﺿﺤًﺎ اﺳﻢ المﺪﻳﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻣﻤﺎ ﻳﲇ المﻐﺮب، ﺣﺘﻰ ﺗﺴﺘﻜﻤﻞ المﺸﻬﺪﻳﺔ اﻟﻬﺎﺋﻠﺔ، ﺑﺄﻣﺎﻧﺔ وإﴏار ﻳﺤﺴﺪ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ، ﻓﻴﻘﻮل: …» ﻣﻤﺎ ﻳﲇ المﻐﺮب ﻣﺒﺎﴍة، ﻳﻌﻨﻲ ﺟﺎﺑﻠﻘﺎ73«.
وإذا ﻛﺎﻧﺖ رﺣﻠﺔ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« اﻷوﱃ إﱃ ﻣﻐﺮب اﻟﺸﻤﺲ، ﺳﻌﻴًﺎ وراء ﻫﺪاﻳﺔ اﻟﺨﻠﻖ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﻜﻨﻮن دون المﺪﻳﻨﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﲇ المﻐﺮب ﻣﺒﺎﴍة أي ﺟﺎﺑﻠﻘﺎ؛ ﻟﻌﺒﺎدة ﷲ اﻟﻮاﺣﺪ اﻟﻘﻬﺎر، ﻓﺈن رﺣﻠﺘﻪ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ — ﻛﻤﺎ ﻫﻮ واﺿﺢ ﻟﺪى إﺧﺒﺎرﻳﻴﻨﺎ — ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﺘﻬﺪف ﻏﺎﻳﺔ أﺧﺮى، ورﻏﺒﺔ ﻃﺎلمﺎ راودت ﺑﻨﻲ اﻹﻧﺴﺎن ﻫﻲ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﲆ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺪاﺋﻤﺔ اﻟﺨﺎﻟﺪة، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ ذﻛﺮ »اﻟﺴﻬﻴﲇ« ﻋﻦ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« »وﻫﻮ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﺨﴬ ﺣﻴﺚ ﻃﻠﺐ ﻣﺎء اﻟﺤﻴﺎة، ﻓﻮﺟﺪﻫﺎ اﻟﺨﴬ وﻟﻢ ﻳﺠﺪﻫﺎ ذو اﻟﻘﺮﻧين74«. وﻗﺪ ذﻛﺮ »اﺑﻦ ﻛﺜير« »ﻋﻦ ﺟﻌﻔﺮ اﻟﺒﺎﻗﺮ ﻋﻦ أﺑﻴﻪ زﻳﻦ اﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﺧًﱪا ﻣﻄﻮﻻً ﺟﺪٍّا، ﻓﻴﻪ أن ذا اﻟﻘﺮﻧين ﻛﺎن ﻟﻪ ﺻﺎﺣﺐ ﻣﻦ المﻼﺋﻜﺔ ﻳﻘﺎل ﻟﻪ رﻧﻘﺎﺋﻴﻞ، ، ﻓﺴﺄﻟﻪ ذو اﻟﻘﺮﻧين: ﻫﻞ ﺗﻌﻠﻢ ﰲ اﻷرض ﻋﻴﻨًﺎ ﻳﻘﺎل ﻟﻬﺎ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة، ﻓﺬﻛﺮ ﻟﻪ ﺻﻔﺔ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ، ﻓﺬﻫﺐ ذو اﻟﻘﺮﻧين ﰲ ﻃﻠﺒﻬﺎ، وﺟﻌﻞ اﻟﺨﴬ ﻋﲆ ﻣﻘﺪﻣﺘﻪ، ﻓﺎﻧﺘﻬﻰ اﻟﺨﴬ إﻟﻴﻬﺎ ﰲ وادٍ ﰲ أرض اﻟﻈﻠﻤﺎت، ﻓﴩب ﻣﻨﻬﺎ، وﻟﻢ ﻳﻬﺘﺪِ ذو اﻟﻘﺮﻧين إﻟﻴﻬﺎ75«.
وﻳﻔ ﱢﺼﻞ »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« و»اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﻓﻴﻤﺎ ﻣﻮﺟﺰه، أﻧﻪ ﻛﺎن ﻟﺬي اﻟﻘﺮﻧين ﺧﻠﻴﻞ ﻣﻦ المﻼﺋﻜﺔ ﻳﺪﻋﻰ »رﻓﺎﺋﻴﻞ« )واﺿﺢ ﻫﻨﺎ اﺧﺘﻼط اﻻﺳﻢ ﻟﻘﺮاءة اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻏير المﻨﻘﻮﻃﺔ ﰲ اﻻﺳﻤين: رﻧﻘﺎﺋﻴﻞ، ورﻓﺎﺋﻴﻞ( ﻳﻨﺰل إﻟﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﺴﻤﺎء ﻳﺴﻠﻴﻪ ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺚ وﻳﻨﺎﺟﻴﻪ، وﻗﺎل ﻟﻪ ﻳﻮﻣًﺎ: ﻳﺎ ذا اﻟﻘﺮﻧين إن لله ﰲ ﻫﺬه اﻷرض ﻋﻴﻨًﺎ ﺗﺪﻋﻰ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة، ﻣﻦ ﴍب ﻣﻨﻬﺎ ﻻ ﻳﻤﻮت ﺣﺘﻰ ﻳﻄﻠﺐ المﻮت، ولمﺎ ﻋﻠﻢ »ذو اﻟﻘﺮﻧين« أن ﻫﺬه اﻟﻌين ﺗﻘﻊ ﺑﺎﻟﻈﻠﻤﺎت اﻟﻮاﻗﻌﺔ ﺧﻠﻒ ﻣﻄﻠﻊ اﻟﺸﻤﺲ )ﻃﺒﻴﻌﻲ ﻋﻨﺪﻫﻤﺎ أن ﻳﻜﻮن وﺟﻪ اﻟﺸﻤﺲ ﻫﻮ المﴤء، وأن ﻳﻜﻮن ﻟﻬﺎ وراء، وﻃﺒﻴﻌﻲ أﻳﻀًﺎ أن ﻳﻜﻮن ﻗﻔﺎﻫﺎ ﻣﻈﻠﻤًﺎ(، ﺟﻤﻊ ﺟﻴﻮﺷﻪ ﻳﺨﻮض اﻟﺒﺤﺎر وﻳﻘﻄﻊ اﻟﺠﺒﺎل اﺛﻨﺘﻲ ﻋﴩة ﺳﻨﺔ، ﺣﺘﻰ وﺻﻞ إﱃ ﺑﺪاﻳﺔ أو ﻃﺮف اﻟﻈﻠﻤﺔ، وﻫﻨﺎك اﻧﺘﺨﺐ ﻟﻘﻴﺎدة اﻟﺠﻴﺶ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺗﺮاﺛﻴﺔ ﺷﻬيرة أﺧﺮى ﻫﻲ »اﻟﺨﴬ«، المﻌﺮوف ﺑﺎﻟﺤﻲ اﻟﻐﺎﺋﺐ، وﺧﺎض ﺑﻬﻢ ﻓﻴﻤﺎ وراء اﻟﺸﻤﺲ، ﰲ اﻟﻈﻠﻤﺔ، وﻫﻨﺎك دﻋﺎ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وﺳﺘين ﻣﻦ رﺟﺎﻟﻪ ﺑﻴﻨﻬﻢ »اﻟﺨﴬ«، ودﻓﻊ
73 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر المﺒين، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٦٢، ١٦٥، ١٧٣، .١٧٧ 74 اﻟﺴﻬﻴﲇ، اﻟﺮوض اﻷﻧﻒ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٦٠
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
إﱃ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﺳﻤﻜﺔ، وﻗﺎل ﻟﻬﻢ: اذﻫﺒﻮا ﰲ اﻟﻈﻠﻤﺔ ﻓﻬﻨﺎك ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وﺳﺘﻮن ﻋﻴﻨًﺎ، وﻟﻴﻐﺴﻞ ﻛﻞ ﻣﻨﻜﻢ ﺳﻤﻜﺘﻪ ﰲ ﻋين ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﺬﻫﺒﻮا، ﻟﻜﻦ ﺳﻤﻜﺔ »اﻟﺨﴬ« اﻧﺰﻟﻘﺖ ﻣﻨﻪ، ﻓﺴﺒﺢ وراءﻫﺎ وﻋﺐ ﻣﻦ المﺎء، ولمﺎ ﻋﺎد أﻋﻠﻢ »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﺑﻤﺎ ﺣﺪث ﻓﻘﺎل ﻟﻪ: ﻛﻨﺖ أﻧﺖ ﺻﺎﺣﺐ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة، وﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺴﺒﺐ أن »اﻟﺨﴬ« ﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم ﺣﻲ، ﻟﻜﻨﻪ ﻏﺎﺋﺐ ﻷﻧﻪ ﴍب ﻣﻦ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺨﺎﻟﺪة، وﻟﻢ ﻳﺼﻠﻬﺎ »ذو اﻟﻘﺮﻧين« ﻟﻴﴩب، وﻣﺎت ﺻﻐيًرا )ورﺑﻤﺎ ﺣﺴيًرا.(
أﻣﺎ أﻳﻦ ﺗﻘﻊ ﻫﺬه اﻟﻌين اﻟﻌﺠﻴﺒﺔ ﺟﻐﺮاﻓﻴٍّﺎ، ﻓﻬﺬا ﻣﺎ ﻧﺠﺪه ﻋﻨﺪ »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« ﰲ ﺑﺎب ﻳﺴﻤﻴﻪ »ﺑﺎب دﺧﻮل ذي اﻟﻘﺮﻧين اﻟﻈﻠﻤﺎت ﻣﻤﺎ ﻳﲇ اﻟﻘﻄﺐ اﻟﺸﻤﺎﱄ ﻟﻄﻠﺐ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة«، وﺟﻤﻴﻞ أن ﻳﺤﻴﻂ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ ﻋﻠﻤًﺎ ﺑﻈﻠﻤﺔ اﻟﻘﻄﺐ، ورﺑﻤﺎ أﺑﻬﺮﻧﺎ! ﻟﻜﻨﻪ ﴎﻋﺎن ﻣﺎ ﻳﻌﻮد إﱃ ﻣﻮﻗﻌﻪ ﺑين زﻣﻼﺋﻪ اﻟﻜﺮام ﻣﻦ اﻹﺧﺒﺎرﻳين ﺳﺎلًمﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮدف ﻗﺎﺋﻼً: »إن ﻋﺎلًمﺎ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎﺋﻨﺎ وﺟﺪ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺨﺎﻟﺪة، ﰲ اﻷرض اﻟﺘﻲ ﻋﲆ ﻗﺮن اﻟﺸﻤﺲ76«.
وﻧﻔﻬﻢ ﻣﻦ اﻵﻳﺎت اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ )اﻟﻜﻬﻒ: (٩٨–٨٩ وﻣﺎ ﻟﺤﻘﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﻔﺎﺳير وﴍوح، أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﰲ رﺣﻠﺘﻪ المﴩﻗﻴﺔ إﱃ ﻣﻄﻠﻊ اﻟﺸﻤﺲ، أو إﱃ ﻣﺎ وراء اﻟﺸﻤﺲ، ﻗﺪ ﺻﺎدف ﻏﺮاﺋﺐ وﻋﺠﺎﺋﺐ وﻣﻐﺎﻣﺮات ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻧﻈيرﻫﺎ ﰲ ﻣﻼﺣﻢ المﻐﺎﻣﺮات ﻓﺮﻳﺪ، ﻓﻘﺪ ﻣﺮ ﻋﲆ ﻗﻮم »ﻻ ﻳﻜﺎدون ﻳﻔﻘﻬﻮن ﻗﻮﻻً«، اﺳﺘﻐﺎﺛﻮا ﺑﻪ ﻟﻴﺤﻤﻴﻬﻢ ﻣﻦ زﺣﻒ ﻗﻮم آﺧﺮﻳﻦ ﻋﲆ ﺑﻼدﻫﻢ ﻫﻢ ﻗﻮم ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج، وﻳﺼﻒ ﺗﺮاﺛﻨﺎ ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻗﺼﺎر اﻟﻘﺎﻣﺔ أو ﻃﻮاﻟﻬﺎ ﺟﺪٍّا، ﺣﻔﺎة ﻋﺮاة، ﻟﻬﻢ وﺑﺮ ﻛﺎﻹﺑﻞ، ﻟﻜﻞ ﻣﻨﻬﻢ أذﻧﺎن ﻳﻔﱰش إﺣﺪاﻫﻤﺎ وﻳﻠﺘﺤﻒ ﺑﺎﻷﺧﺮى ﻟﻬﻢ ﻣﺨﺎﻟﺐ وأﴐاس وأﻧﻴﺎب ﻛﺎﻟﺴﺒﺎع، إذا ﺟﺎﻋﻮا ﺳﺎﺣﻮا ﰲ اﻟﺒﻼد ﻛﺎﻵﻓﺎت واﻟﺠﺮاد، ﻳﺄﺗﻮن ﻋﲆ ﻛﻞ ﳾء، ﻳﻨﺠﺐ اﻟﻮاﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ أﻟﻔًﺎ77. وﰲ ﴍح اﻟﺸﻴﺦ »أﺑﻲ زﻛﺮﻳﺎ اﻟﻨﻮاوي« ﻟﺼﺤﻴﺢ ﻣﺴﻠﻢ ﻗﺎل: »إن ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج ﺧﻠﻘﻮا ﻣﻦ ﻧﻄﻔﺔ آدم ﺣين اﺣﺘﻠﻢ، ﻓﺎﺧﺘﻠﻄﻮا ﺑﱰاب اﻷرض، ﻓﺨﻠﻘﻮا ﻣﻦ ذﻟﻚ«.
وﻋﻘﺐ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻋﲆ ذﻟﻚ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺑﻘﻮﻟﻪ: إﻧﻪ »ﻻ دﻟﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﺨﺎﻟﻒ لمﺎ ذﻛﺮ ﻣﻦ أن ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻨﺎس اﻟﻴﻮم ﻣﻦ ذرﻳﺔ ﻧﻮح ﺑﻨﺺ اﻟﻘﺮآن«. ﺛﻢ ﻳﻌﱰض ﻋﲆ اﻟﺬﻳﻦ ذﻛﺮوا ﰲ أﻃﻮاﻟﻬﻢ أﻣﻮرًا ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ ﻓﻴﻘﻮل: »وﻫﻜﺬا ﻣﻦ زﻋﻤﻮا أﻧﻬﻢ ﻋﲆ أﺷﻜﺎل وأﻃﻮال ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ ﺟﺪٍّا، ﻓﻤﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﻮ ﻛﺎﻟﻨﺨﻠﺔ اﻟﺴﺤﻮق، وﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﻮ ﰲ ﻏﺎﻳﺔ اﻟﻘﴫ«. وﻛﺎن اﻋﱰاض »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻣﺆﺳﺴًﺎ ﻋﲆ دﻟﻴﻞ ﻧﻘﲇ، ﺣﻴﺚ: »ﻗﺎل اﻟﻨﺒﻲ ﷺ: إن ﷲ ﺧﻠﻖ آدم وﻃﻮﻟﻪ ﺳﺘﻮن
76 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٧٣، ١٧٤؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﻋﺮاﺋﺲ المﺠﺎﻟﺲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٣٣٠ 77 ﻧﻔﺴﻪ، ص١٦٥، ١٨١؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ٣٢٧، .٣٢٨
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ذراﻋًﺎ، ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﺰل اﻟﺨﻠﻖ ﻳﻨﻘﺺ ﺣﺘﻰ اﻵن، وﻫﺬا ﻓﻴﺼﻞ ﰲ ﻫﺬا اﻟﺒﺎب78«. ﻳﻌﻨﻲ أﻧﻬﻢ أﻗﴫ ﻣﻦ آدم ﺑﻜﺜير.
ووﺻﻞ زﺣﻒ ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج إﱃ ﺣﺪود اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻜﺎدون ﻳﻔﻘﻬﻮن ﻗﻮﻻً، ﻓﻘﺎﻟﻮا ﻟﺬي اﻟﻘﺮﻧين: »ﻓﺎﺟﻌﻞ ﺑَﻴْﻨَﻨَﺎ وَﺑَﻴْﻨَﻬُﻢْ ﺳَﺪٍّا ﻗﺎل: آﺗُﻮﻧِﻲ زُﺑَﺮَ اﻟْﺤَﺪِﻳﺪِ«، ودﻟﻬﻢ ﻋﲆ ﺟﺒﻞ اﻟﺤﺪﻳﺪ واﻟﻨﺤﺎس، وأﻋﻄﺎﻫﻢ ﻟﻘﻄﻌﻪ اﻟﺴﺎﻣﻮر »ﻋﻨﺪ اﻟﺠﺰاﺋﺮي« أو اﻟﺴﺎﻫﻮر »ﻋﻨﺪ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ«، اﻟﺬي إذا وﺿﻊ ﻋﲆ ﳾء أذاﺑﻪ، وﺑﻪ ﻗﻄﻊ ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺻﺨﻮر ﺑﻴﺖ المﻘﺪس ﺛﻢ ﺻﻬﺮوا اﻟﺤﺪﻳﺪ واﻟﻨﺤﺎس وردﻣﻮا ﺑين اﻟﺠﺒﻠين، وﺑﻨﻰ ﺳﺪًا ﻋﺮﺿﻪ ﻣﻴﻞ وﻃﻮﻟﻪ ﺛﻼﺛﺔ79. وﺑﺬﻟﻚ اﺣﺘﻤﻰ اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻜﺎدون ﻳﻔﻘﻬﻮن ﻗﻮﻻً وراء اﻟﺴﺪ أو اﻟﺴﻮر اﻟﻌﻈﻴﻢ، وﺳﻴﻈﻞ اﻷﻣﺮ ﻛﺬﻟﻚ ﺣﺘﻰ ﻳﻮم اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﻳﺤﺎول ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج ﻛﻞ ﻳﻮم ﻫﺪم اﻟﺴﺪ واﻟﺨﺮوج ﻣﻦ وراﺋﻪ إﱃ اﻷﻣﻢ، وﻳﻔﺸﻠﻮن، إﱃ أن ﻳﻨﻬﺎر اﻟﺴﺪ وﻳﺨﺮﺟﻮا ﻣﻨﻪ، وﻻ ﻳﻮﻗﻔﻬﻢ ﻋﻦ اﺟﺘﻴﺎح اﻟﺪﻧﻴﺎ واﻟﺘﻬﺎم اﻟﺒﴩ ﻣﻦ أﻣﺮﻳﻜﺎ ﺣﺘﻰ اﻟﺼين ﺳﻮى ﷲ ﻋﺰ وﺟﻞ، وأن ﻳﻮم ﺧﺮوﺟﻬﻢ ﻣﻦ ﻋﻼﻣﺎت اﻟﺴﺎﻋﺔ وأﴍاﻃﻬﺎ.
وﻳﺤﺪد »اﻟﻄﱪﳼ« ﻣﻜﺎن ﻫﺬا اﻟﺴﺪ ﺑﻜﻞ دﻗﺔ، ﻓﻴﻘﻮل: »إﻧﻪ وراء در ﺑﻨﺪر وﺧﺰر ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ أﻣﺮﻳﻨﻴﺔ وأذرﺑﻴﺠﺎن!« أﻣﺎ »اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري« ﻓﻼ ﻳﻔﻮﺗﻪ اﻹدﻻء ﺑﺎﻟﻘﻮل اﻷدق ﻣﻊ ﺗﺤﺪﻳﺪ المﺴﺎﻓﺔ ﺑﻌﻨﺎﻳﺔ، ﻓﻴﻘﻮل: إن ﻣﻮﺿﻊ اﻟﺴﺪ وراء زﺧﺮد ﺑﻘﺮب ﻣﴩق اﻷرض، ﺑﻴﻨﻪ وﺑين اﻟﺨﺰر ﻣﺴيرة اﺛﻨين وﺳﺒﻌين ﻳﻮﻣًﺎ، وإﻣﻌﺎﻧًﺎ ﰲ اﻟﺘﺪﻗﻴﻖ ﻳﻀﻴﻒ: »وإن ﻣﻄﻠﻊ اﻟﺸﻤﺲ ﻗﺮﻳﺐ ﺟﺪٍّا ﻫﻨﺎك، إﱃ ﺣ ﱢﺪ أن اﻟﻨﺎس ﻫﻨﺎك ﻳﺼﻄﺎدون اﻟﺴﻤﻚ وﻳﻄﺮﺣﻮﻧﻪ ﰲ اﻟﺸﻤﺲ ﻣﺒﺎﴍة، ﻓﻴﻨﻀﺞ«.
اﻟﺠﺬور
وﺑﻌﺪ اﺳﺘﻌﺮاﺿﻨﺎ ﻟﻠﻤﺎدة اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﺣﻮل »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﻳﺒﻘﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ اﻟﱪﻫﻨﺔ ﻋﲆ زﻋﻤﻨﺎ، اﻟﺬي ﻟﻢ ﻧﺮﺷﺢ ﻓﻴﻪ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻟﻴﻜﻮن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« اﻟﻘﺮآﻧﻲ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ واﺣﺘﺴﺒﻨﺎه ﻫﻮ ﻣﺤﻮر ﻛﻞ ﺣﺪﻳﺚ اﻟﱰاث، ﺑﺪاﻳﺔ ﻣﻦ ﺳﺆال المﻜﻴين اﻻﺧﺘﺒﺎري، واﻟﺬي أﺿﻤﺮ المﻘﺪوﻧﻲ، وأﺳﻔﺮ ﻋﻦ ﻣﻠﻤﺢ ﻣﻦ ﻃﺮف اﻟﺨﻴﻂ إﻣﻌﺎﻧًﺎ ﰲ اﻹﻟﻐﺎز، ﻻﺳﺘﻜﺸﺎف ﻣﺼﺪاﻗﻴﺔ ﻋﻠﻢ اﻟﻨﺒﻲ
78 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٠١
79 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٦٥، ١٨١؛ واﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ص٣٢٧، .٣٢٨
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻣﺤﻤﺪ ﷺ اﻟﻠﺪﻧﻲ، وﻣﺮورًا ﺑﺎﻟﺮد اﻟﻘﺮآﻧﻲ اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻋﲆ المﺘﺴﺎﺋﻠين ﺑﺎﻟﺠﻮاب المﻔﺤﻢ، واﻧﺘﻬﺎء ﺑﺮواﻳﺎت المﺤﺪﺛين والمﻔﴪﻳﻦ وأﺻﺤﺎب اﻟﺴير واﻷﺧﺒﺎر ﻣﻦ رﺟﺎﻻت ﺗﺮاﺛﻨﺎ اﻷﻓﺎﺿﻞ، وﻟﻜﻦ ﻣﻮﻗﻔﻨﺎ — ﰲ ﺿﻮء ﺣﺠﺞ »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« و»اﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ« و»اﺑﻦ ﻛﺜير« — ﺑﺤﺎﺟﺔ إﱃ ﻣﺎ ﻫﻮ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﺘﱪﻳﺮ، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻄﻠﻮﺑًﺎ ﻣﻨﺎ — ﻋﲆ اﻷﻗﻞ — ﻋﺪد ﻣﻦ اﻟﻘﺮاﺋﻦ ﻳﺮﻗﻰ ﰲ ﻣﺠﻤﻠﻪ إﱃ ﻣﺮﻗﻰ اﻟﺪﻟﻴﻞ. وﻗﺪ ﻳﺒﺪو أﻧﻨﺎ ﰲ ﻣﺄزق ﺷﺪﻳﺪ، ﺣﻴﺚ ﻻ دﻟﻴﻞ ﻧﻘﻠﻴٍّﺎ ﻋﲆ ﻣﺎ زﻋﻤﻨﺎ، وﻟﻴﺲ ﺛﻤﺔ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺗﺎرﻳﺨﻴﺔ — ﰲ المﻘﺎﺑﻞ — ﺗﺤﻤﻞ اﺳﻢ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، وﺟﲇ أن المﺎدة المﺘﻮاﻓﺮة ﻟﺪﻳﻨﺎ ﺣﺘﻰ اﻵن ﻫﻲ ﻣﻦ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، وﻣﺎ ﻟﺤﻖ آﻳﺎﺗﻪ ﻣﻦ ﴍوح وﺗﻔﺎﺻﻴﻞ، وﻫﻲ — وإن ﻣﺎل ﺑﻌﺾ المﻔﴪﻳﻦ ﻟﺮأﻳﻨﺎ — ﻻ ﻳﺒﺪو أﻧﻬﺎ ﺳﺘﺴﺎﻋﺪ ﰲ ﺗﻘﺪﻳﻢ اﻟﻘﺮاﺋﻦ المﻄﻠﻮﺑﺔ ﻟﱰﺟﻴﺢ ﻣﺬﻫﺒﻨﺎ، ﻧﺎﻫﻴﻚ ﻋﻦ اﻟﻘﻄﻊ ﰲ اﻷﻣﺮ.
ﻟﻜﻦ؛ رﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻨﺎﺳﺒًﺎ ﻫﻨﺎ ﻃﺮح ﻧﻤﻮذج لمﻨﻬﺠﻨﺎ اﻟﺬي ﺳﺒﻖ أن ﺳﺎﻋﻔﻨﺎ ﰲ دراﺳﺎت ﻋﺪﻳﺪة ﻣﻨﺸﻮرة. وﰲ إﺷﻜﺎﻟﻴﺎت ﻻ ﺗﻘﻞ ﺗﻌﻘﻴﺪًا، واﻫﺘﺪﻳﻨﺎ ﺑﺴﻨﻨﻪ ﺳﺒﻴﻼً أﻗﻮم ﻓﻴﻤﺎ ﻋﺮض ﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﻼت، وﺑﻪ ﻛﻨﺎ ﻧﺠﺪ — دوﻣًﺎ — ﻵﺧﺮ اﻟﺤﻠﻘﺎت، ارﺗﺒﺎﻃﺎﺗﻬﺎ المﺘﻌﺸﻘﺔ ﺑﺄﺻﻮﻟﻬﺎ ﻋﲆ اﻟﺘﻮاﱄ، ﰲ ﺧﻂ ﺗﻄﻮري ﻻ ﺟﺪال ﻓﻴﻪ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺳﻨﺤﺎوﻟﻪ ﻫﻨﺎ أﻳﻀًﺎ، ﻓﺈن أﺻﺒﻨﺎ ﻓﻠﻨﺎ ﻣﺜﺎﺑﺔ اﻷﺟﺮ المﻀﺎﻋﻒ، وإن أﺧﻄﺄﻧﺎ ﻓﻠﻨﺎ إﺛﺎﺑﺔ اﻷﺟﺮ اﻟﻮاﺣﺪ، وﻫﻮ ﻳﻜﻔﻴﻨﺎ ﺗﻤﺎﻣًﺎ، ﻓﻤﺎ ﺗﺠﺸﻤﻨﺎ إﻻ ﻣﺸﻘﺔ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﻟﺠﺬور، وﺗﺮﺗﻴﺐ اﻷﻣﺮ ﺣﺴﺐ اﻷﺻﻮل، وﻫﻲ ﻣﺸﻘﺔ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻳﻘﺪروﻧﻬﺎ، وﺑﻬﻢ ﻧﺤﻦ ﰲ ﻏﻨًﻰ وﻛﻔﺎﻳﺔ، أﻣﺎ ﻣﺜﺎﺑﺔ اﻷﺟﺮ اﻟﻮاﺣﺪ ﻓﻬﻲ ﺗﻐﻨﻴﻨﺎ ﻋﻦ اﻟﻌﺎلمين، ﻻﺗﻔﺎﻗﻬﺎ اﻟﺘﻨﺎﺳﺒﻲ ﻣﻊ ﻛﺮم رب اﻟﻌﺎلمين.
وﺣﺘﻰ ﻧﺴﻠﻚ ﻃﺮﻳﻘﻨﺎ إﱃ اﻟﺠﺬور، ﻓﻼ ﺑﺄس ﻣﻦ ﺗﻨﺒﻴﻪ ﻟﻠﻘﺎرئ اﻟﻜﺮﻳﻢ إﱃ أﻧﻪ، إذا ﻛﺎن ﻗﺪ وﺟﺪ ﻓﻴﻤﺎ أﺳﻠﻔﻨﺎ ﺣﺘﻰ اﻵن ﻟﺬاذة المﻌﺮﻓﺔ ﻣﻊ ﻃﺮاﻓﺔ اﻟﻨﺎدر ﰲ اﻷﺧﺒﺎر، ﻓﺮﺑﻤﺎ وﺟﺪ اﻵن ﺑﻌﺾ اﻟﻌﻨﺎء واﻟﻮﻋﺜﺎء، ﻓﺎﻟﺪرب ﻣﻌﻘﺪ ﺷﺎﺋﻚ، ورﻏﻢ ذﻟﻚ ﻓﻘﺪ اﺣﺘﻤﻠﻨﺎ ﻣﺸﻘﺘﻪ ﻋﻦ اﻟﻘﺎرئ، ﻓﻬﺬﺑﻨﺎ المﺘﺸﺎﺑﻜﺎت، وأﻋﺪﻧﺎ ﺷﻮاذ اﻟﻔﺮوع واﻷﻏﺼﺎن إﱃ ﻣﺴﻠﻜﻬﺎ اﻟﺼﺤﻴﺢ، وﻗﺪر اﻹﻣﻜﺎن ﻏﻠﻔﻨﺎه ﺑﺎﻟﺸﺎﺋﻖ، ﻟﻜﻦ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﴏاﻣﺘﻪ رﻏﻢ ﺗﻄﻮع اﻟﺒﺎﺣﺚ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺗﻄﻮﻳﻊ ﻣﻮﺿﻮﻋﻪ ﻳًﴪا ﻟﻠﻘﺎرئ؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻓﺮﺑﻤﺎ ﺟﺎء ﻫﺬا اﻟﺠﺰء ﻣﻦ اﻟﺪراﺳﺔ ﻧﺎﻓﺮًا ﺑﻌﺾ اﻟﴚء ﻋﻦ ﺑﺎﻗﻲ اﻟﻌﻤﻞ، ورﺑﻤﺎ ارﺗﺄى ﻓﻴﻪ ﻧﺸﻮزًا ﺑﻼ ﻣﻌﻨًﻰ، ورﺑﻤﺎ رآه ﻣﻨﻘﻄﻊ اﻟﺼﻠﺔ ﺑﻤﻮﺿﻮﻋﻨﺎ؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻧﻄﻠﺐ ﻣﻦ اﻟﻘﺎرئ اﻟﻜﺮﻳﻢ إﻣﻬﺎﻟﻨﺎ ﺷﻴﺌًﺎ ﻳﺴيًرا؛ ﻟﻴﺘﻜﺸﻒ ﻟﻪ ﻣﻦ اﻷﻣﺮ ﻛﺜير، ﻓﺼًﱪا ﻗﻠﻴﻼً، وﺳﻴﺠﺪ أن ﻟﻜﻞ ﻣﻌﻠﻮﻣﺔ ﺗﺮد ﻫﻨﺎ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ، ﺑﻞ ﺳﻴﺠﺪ أن ﻫﺬه اﻟﺤﻠﻘﺔ ﻫﻲ ﺳﺪة المﻮﺿﻮع ﻛﻠﻪ وﻟﺤﻤﺘﻪ، وﷲ المﺴﺘﻌﺎن.
ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ »ﻋﺠﺎﺋﺐ المﺨﻠﻮﻗﺎت« ﻳﺆﻛﺪ »اﻟﻘﺰوﻳﻨﻲ« ﻋﻦ ﻳﻘين، وﺑﺨﻼﺻﺔ ﻣﺎ ﺗﺮاﻛﻢ — ﺣﺘﻰ ﻋﴫه — ﻣﻦ ﻣﻌﺎرف اﻷوﻟين، أﻧﻪ »إذا دﻓﻦ اﻟﻘﺮﻧﺎن ﺗﺤﺖ ﺷﺠﺮة ﺑﻜﺮت ﺑﺎﻟﺤﻤﻞ80«. أي إﻧﻪ إذا دﻓﻦ اﻟﺰارع ﺗﺤﺖ اﻟﺸﺠﺮة أو ﰲ اﻟﺤﻘﻞ ﻗﺮﻧين ﻣﻦ ﻗﺮون اﻟﺤﻴﻮاﻧﺎت، ﺟﺎء ﻣﺤﺼﻮﻟﻪ ﻣﺒﻜﺮًا ووﻓيًرا، ﻟﻜﻦ اﻟﻐﺮﻳﺐ أن ﺗﺨﱪﻧﺎ ﻛﺘﺐ اﻟﱰاث اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، أن أﻫﻞ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻌﻠﻘﻮن ﺑﺠﺪار اﻟﻜﻌﺒﺔ المﴩﻓﺔ ﻗﺮﻧين81.
وﰲ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﺗﻈﻬﺮ ﻟﻮﺣﺔ راﻓﺪﻳﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ ﻟﻺﻟﻪ »آﺷﻮر« رب اﻟﺪوﻟﺔ اﻵﺷﻮرﻳﺔ اﻷﻛﱪ، وﻫﻮ ﻳﻠﺒﺲ ﻗﻠﻨﺴﻮة ذات ﻗﺮﻧين،82 وﻛﺎن المﻠﻚ آﺷﻮر ﺑﺎﻧﻴﺒﺎل ﻳﺠﻤﻊ اﻟﺤﻜﻤﺎء، وﻳﻘﻮل ﻟﻬﻢ: »اﻟﺤﻤﻞ ذو اﻟﻘﺮﻧين ﻳﺤﻞ ﻣﺤﻞ رﺟﻞ، رأس اﻟﺤﻤﻞ ﻳﻌﻄﻰ ﺑﺪل رأس اﻟﺮﺟﻞ83«. أﻣﺎ أﺟﻤﻞ رﺳﻢ ﺑﺎرز وﺻﻞ إﻟﻴﻨﺎ ﻣﻦ اﻟﻔﻦ اﻷﻛﺪي ﺑﺠﻨﻮب اﻟﺮاﻓﺪﻳﻦ، وﻳﺮﺟﻊ ﺗﺎرﻳﺨﻪ إﱃ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻟﺚ واﻟﻌﴩﻳﻦ ﻗﺒﻞ المﻴﻼد، ﻓﻴﺼﻮر ﻟﻨﺎ المﻠﻚ اﻷﻛﺪي »ﻧﺮام ﺳين« وﻫﻮ ﻳﻠﺒﺲ ﺧﻮذة ﻳﻌﻠﻮﻫﺎ ﻗﺮﻧﺎن ﻫﻤﺎ رﻣﺰ ﻣﻠﻜﻪ84.
وأول ﻣﺎ ﻳﻼﺣﻈﻪ اﻟﺒﺎﺣﺚ ﻫﻨﺎ أن المﻠﻜين ﻳﺤﻤﻼن اﺳﻤين ﻟﻬﻤﺎ ﻋﻼﻗﺔ وﻃﻴﺪة ﺑﺎﻟﻘﻤﺮ ﰲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻬﻼل، ﻓﺎﻻﺳﻢ »ﻧﺮام ﺳين« اﺳﻢ ﻣﻠﺼﻖ ﻣﻦ ﻣﻘﻄﻌين، والمﻘﻄﻊ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻨﻪ »ﺳين«، ﻫﻮ أﺣﺪ اﻷﺳﻤﺎء ﰲ اﻟﻠﻐﺎت اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ اﻟﺪاﻟﺔ ﻋﲆ اﻟﻘﻤﺮ، أﻣﺎ اﻻﺳﻢ »آﺷﻮر ﺑﺎﻧﻴﺒﺎل« ﻓﻬﻮ ﰲ اﻟﻨﻄﻖ اﻷﺻﺪق »آﺷﻮر ﺑﺎﻧﻲ ﺑﻌﻞ« وﻳﻌﻨﻲ »آﺷﻮر ﺧﺎﻟﻖ ﺑﻌﻞ«، وﺑﻌﻞ ﺑﺪوره ﻛﺎن إﻟﻬًﺎ ﻟﻠﺨﺼﺐ وﻋﻼﻣﺔ ﻋﲆ اﻟﻘﻤﺮ، ﻓﻜﻼ اﻻﺳﻤين ﻳﺸير إﱃ ارﺗﺒﺎط المﻤﻠﻜﺘين، ﺑﺎلمﻌﺒﻮد اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻟﻠﺴﺎﻣﻴين اﻹﻟﻪ اﻟﻘﻤﺮ، واﻟﻘﻤﺮ ﰲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻬﻼل ﻟﻴﺲ ﰲ ﺗﺼﻮر اﻷﻗﺪﻣين ﺳﻮى ﻗﺮﻧين، وﻛﺎن ﻳﻤﻜﻦ ﻹﻧﺴﺎن ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻬﻮد أن ﻳﺮﺳﻢ ﰲ ﺧﻴﺎﻟﻪ ﺻﻮرة ﻷي ﺣﻴﻮان ذي ﻗﺮﻧين ﺗﺤﺖ اﻟﻬﻼل، ﻣﺜﻠﻤﺎ رﺳﻢ ﻟﻸﻓﻼك »دب أﻛﱪ، ﺣﻮت، ﺟﺪي … إﻟﺦ«، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن أﻗﺮب اﻟﺘﺨﻴﻼت اﻟﻜﺒﺶ واﻟﺜﻮر، وﻋﻠﻴﻪ ﻓﻼ ﺷﻚ أن ﻫﻨﺎك ارﺗﺒﺎﻃًﺎ ﺑين اﻟﻘﻤﺮ وﺑين اﻟﺨﺼﻮﺑﺔ واﻟﺤﻤﻞ والمﻴﻼد، ﺳﻮاء ﰲ وﻻدة اﻟﺒﴩ أم اﻟﺤﻴﻮان، أم وﻻدة اﻷرض ﻟﻠﺰرع.
80 د. ﻋﲇ زﻳﻌﻮر، اﻟﻌﻘﻠﻴﺔ اﻟﺼﻮﻓﻴﺔ وﻧﻔﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﺘﺼﻮف، دار اﻟﻄﻠﻴﻌﺔ، ﺑيروت، ١٩٧٩م، ص.٤١٠ 81 المﻮﺿﻊ ﻧﻔﺴﻪ.
82 ﺳﺒﺘﻴﻨﻮ ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ، اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ﺗﻌﻘﻴﺒﺎت المﱰﺟﻢ اﻟﺴﻴﺪ ﻳﻌﻘﻮب ﺑﻜﺮ، ص.٢٦٤ 83 د. ﻋﲇ زﻳﻌﻮر، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٢٤
84 ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١١٠
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
وﻛﺎن أﻫﻞ ﻣﴫ ﰲ ﻇﻞ دوﻟﺔ اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺔ ﻳﻌﺒﺪون رب اﻟﺪوﻟﺔ »آﻣﻮن«، ورب اﻟﺨﺼﺐ واﻟﻨﻴﻞ »أوزﻳﺮﻳﺲ« أو »أوزﻳﺮ«، واﺣﺘﺴﺒﻮا أن »أوزﻳﺮ« ﻫﻮ اﻟﺮوح ﻵﻣﻮن،85 أي إن »آﻣﻮن« ﺑﺬﻟﻚ إﻟﻪ زرع وﻻ ﻳﺤﻴﺎ ﺑﺪوره إﻻ ﺑﺎﻟﺨﺼﺐ، ﺛﻢ ﻗﺎﻣﻮا ﻳﻨﺤﺘﻮن ﻵﻣﻮن ﺗﻤﺜﺎﻟﻪ ﰲ ﻫﻴﺌﺔ اﻟﻜﺒﺶ ذي اﻟﻘﺮﻧين، وﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒِ المﴫﻳﻮن ﺑﺎﻟﻘﻤﺮ ﻛﻤﺜﻞ واﺿﺢ ﻟﻠﻘﺮﻧين، ﻓﺮﺳﻤﻮا اﻟﺸﻤﺲ ﺑﺪورﻫﺎ ﻣﺰودة ﺑﻘﺮﻧين؛ ﻟﺪورﻫﺎ ﰲ ﻧﻀﻮج المﺤﺼﻮل، ورﺑﻤﺎ ﻟﺰﻳﺎدة ﻃﻠﺐ اﻟﺨﺼﺐ ﻟﻴﻼً وﻧﻬﺎرًا ﻟﺘﺒﻜﺮ اﻷرض دوﻣًﺎ ﺑﺎﻟﺤﻤﻞ والمﻴﻼد، ﻛﺬﻟﻚ ﻛﺎن المﻌﺒﻮد اﻹﻳﺮاﻧﻲ إﻟﻪ اﻟﺨير أﻫﻮر أﻣﺰدا أو »ﻫﺮﻣﺰ« ﻳﺮﻣﺰ ﻟﻪ ﺑﻘﺮﻧين،86 وﻛﺎن ﻣﺆﺳﺲ إﻣﱪاﻃﻮرﻳﺘﻬﻢ ﻳﻠﺒﺲ ذﻟﻚ اﻟﺘﺎج ذا اﻟﻘﺮﻧين ﻋﻼﻣﺔ ﻋﲆ ﺗﻤﺜﻴﻠﻪ ﻟﻺﻟﻪ ﻋﲆ اﻷرض.
ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻔﻬﻮﻣًﺎ أن ﺗﻘﱰن اﻟﺸﻤﺲ ﺑﺎﻟﺰرع واﻟﺨﺼﺐ ﻟﺪورﻫﺎ اﻟﻮاﺿﺢ ﰲ ﺣﻴﺎة اﻟﺰرع وﻧﻀﺠﻪ، وارﺗﺒﺎط دورﺗﻬﺎ اﻟﺴﻨﻮﻳﺔ ﺑﺪورة اﻟﺰرع ﻣﺎ ﺑين اﻟﺨﺼﺐ واﻟﺠﺪب، أو ﺑين اﻟﺸﺘﺎء واﻟﺼﻴﻒ، ﻟﻜﻦ رﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻔﻬﻮﻣًﺎ ﻟﺪﻳﻨﺎ دور اﻟﻘﻤﺮ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻘﺮﻧين ﺻﺎﺣﺒﻲ اﻟﺪور اﻷﺳﺎﳼ ﰲ المﻌﺘﻘﺪات ﺣﻮل اﻟﺨﺼﺐ، ﻟﻜﻦ ﻫﺬا اﻟﺪور ﻛﺎن واﺿﺤًﺎ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻟﺪى إﻧﺴﺎن ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻬﻮد، اﻟﺬي ﻗﺪس اﻷرض ﻛﻤﻔﺮز وﻣﻨﺘﺞ ﻟﻠﺰرع واﺣﺘﺴﺒﻬﺎ أﻣٍّﺎ ﻛﱪى ﻟﻜﻞ اﻷﺷﻴﺎء، وﻗ ﱠﺪس ﺗﺒﻌًﺎ ﻟﺬﻟﻚ ﻣﻌﻨﻰ اﻷﻣﻮﻣﺔ، ﻣﻊ ﻣﺎ ورﺛﻪ ﻣﻦ ﺳﻴﺎدة ﻗﺪﻳﻤﺔ ﻟﻸﻧﺜﻰ ﰲ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ اﻷﻣﻮﻣﻲ، ﻣﻊ اﻧﺒﻬﺎره اﻟﺸﺪﻳﺪ أﻣﺎم ﻇﺎﻫﺮة اﻟﻮﻻدة، وﻫﻮ ﻳﺮى اﻟﺤﻴﺎة ﺗﺨﺮج ﻣﻦ ﺑﻄﻦ اﻷﻧﺜﻰ؛ ﻟﺬﻟﻚ، وإن اﻧﻘﻄﻌﺖ ﺳﻴﺎدة اﻷﻧﺜﻰ ﻋﲆ اﻷرض ﺑﺎﻟﺴﻴﺎدة اﻟﺬﻛﺮﻳﺔ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻇﻠﺖ ﺷﻮﻃًﺎ ﻃﻮﻳﻼً ﻣﻦ اﻟﺰﻣﻦ ﺗﺴﻮد ﺑين المﻌﺒﻮدات اﻟﻜﱪى ﰲ ﻛﺎﻓﺔ المﺠﺘﻤﻌﺎت وﺑﺨﺎﺻﺔ اﻟﺰراﻋﻴﺔ، وﻣﻦ أﺷﻬﺮ ﺳﻴﺪات اﻟﺴﻤﺎء »إﻳﺰﻳﺲ« أو »إﻳﺴﺔ« المﴫﻳﺔ، و»ﻋﺸﺘﺎر« اﻟﺮاﻓﺪﻳﺔ، و»ﻋﻨﺎت« اﻟﻜﻨﻌﺎﻧﻴﺔ، و»ﺳﻴﺒﻞ« اﻟﻔﺮﻳﺠﻴﺔ، و»اﺳﺘﺎرﺗﻪ« اﻟﻔﻴﻨﻴﻘﻴﺔ، و»ﻣﺮﻳﻢ« المﺴﻴﺤﻴﺔ … إﻟﺦ. ورﺑﻤﺎ ﻻﺣﻈﻨﺎ ﺗﻠﻚ اﻟﺤﻔﺮﻳﺔ اﻟﺘﻲ اﺣﺘﻔﻈﺖ ﺑﻬﺎ اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﻼرﺗﺒﺎط اﻟﻘﺪﻳﻢ ﺑين اﻟﻘﺮﻧين واﻟﺤﻴﺎة واﻷﻧﺜﻰ، ﻓﻮﺻﻠﺖ ﺑين اﻟﻘﺮن واﻟﺤﻴﺎة ﰲ اﻟﻜﻠﻤﺘين: ﻗﺮن وﻗﺮان، وﻣﺎ ﻳﺴﺘﺪﻋﻴﻪ المﻴﻼد ﻣﻦ ﻗﺮان ﺑين ذﻛﺮ وأﻧﺜﻰ، وﺑين ﺗﺴﻤﻴﺔ اﻷﻧﺜﻰ ﺣﻮاء، وﺗﺸﺎرك اﻻﺳﻢ ﻣﻊ اﻟﻜﻠﻤﺔ ﺣﻴﺎة، ﺛﻢ ﻻ ﻧﻨﴗ ﺣﻴﺎ اﻷﻧﺜﻰ أو ﻓﺮﺟﻬﺎ ﻣﻔﺮز اﻟﺤﻴﺎة.
وﺛﻤﺔ ارﺗﺒﺎط آﺧﺮ ﻣﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻲ وﻟﻐﻮي ﺑين اﻷﻧﺜﻰ واﻟﺤﻴﺎة، ﻓﺎلمﻌﻠﻮم أن اﻹﻧﺴﺎن اﻻﺑﺘﺪاﺋﻲ ﻛﺎن ﻳﻈﻦ أن اﻟﺤﻴﺔ ﺧﺎﻟﺪة؛ ﻷﻧﻬﺎ ﺗﺠﺪد ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻛﻞ ﻋﺎم ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮاﻫﺎ ﺗﺴﻠﺦ ﺛﻮب
85 ارﺟﻊ ﻟﻜﺘﺎﺑﻨﺎ: أوزﻳﺮﻳﺲ وﻋﻘﻴﺪة اﻟﺨﻠﻮد ﰲ ﻣﴫ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، دار اﻟﻔﻜﺮ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٩٨٨م. 86 د. ﻋﲇ زﻳﻌﻮر، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٤١٠
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
اﻟﺠﻠﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، وﻣﻦ ﻫﻨﺎ أﻳﻀًﺎ ارﺗﺒﻄﺖ اﻟﺤﻴﺔ ﺑﺎﻷﻧﺜﻴﻮ وﺻﺒﻐﺖ المﺮأة ﺑﻄﺒﺎع اﻟﺤﻴﺔ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ذات ﻗﻴﻤﺔ ﻣﺰدوﺟﺔ، وﺣﻤﻞ اﻟﺜﻌﺒﺎن ﻣﻌﻨﻰ اﻟﺤﻴﺎة ﰲ اﺳﻢ »ﺣﻴﺔ« ﺛﻢ ﰲ ﺗﺮاﺛﻨﺎ اﻟﺸﻌﺒﻲ ﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم: اﻟﺤﻴﺔ المﻘﺘﻮﻟﺔ ﻻ ﺗﻤﻮت ﻣﻮﺗًﺎ ﻓﻌﻠﻴٍّﺎ إﻻ ﻋﻨﺪ ﻇﻬﻮر اﻟﻘﻤﺮ أو اﻟﻘﺮﻧين، وﻻ ﻧﻨﴗ أن اﻟﺤﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ رﻣﺰ إﻟﻪ اﻟﺸﻤﺲ المﴫي ورب اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺬي ﻣﺜﻠﻪ »آﻣﻮن« اﻟﻜﺒﺶ ﰲ اﻷرض واﻟﺸﻤﺲ ﰲ اﻟﺴﻤﺎء. وﻛﺎﻧﺖ اﻟﺤﻴﺔ ﺣﺎﻣﻴﺔ المﻠﻮﻛﻴﺔ، وﻫﻲ ﻻ ﺷﻚ ﻣﻦ ﺑﻘﺎﻳﺎ ﻋﻬﺪ ﺳﺎدت ﻓﻴﻪ اﻷﻧﺜﻰ ﻣﺎﻧﺤﺔ اﻟﺤﻴﺎة؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎﻧﺖ اﻷﻧﺜﻰ أو رﻣﺰﻫﺎ »اﻟﺤﻴﺔ« ﻻ ﺗﻤﻮت إﻻ ﻋﻨﺪ ﻇﻬﻮر اﻟﻘﻤﺮ، ﻣﻌﺒﻮد اﻟﺴﻴﺎدة اﻟﺬﻛﺮﻳﺔ واﻟﺒﺪاوة المﺘﺪﻓﻘﺔ ﻋﲆ اﻷرض اﻟﺰراﻋﻴﺔ، اﻟﺘﻲ ﺳﻴﻄﺮت ﰲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳﺎد اﻟﺒﺪو وﻗﻤﺮﻫﻢ، ﺣﺘﻰ ﺣﻮﻟﻮا اﻟﺸﻤﺲ ﺑﺪورﻫﺎ ﻣﻦ أﻧﺜﻰ إﱃ ذﻛﺮ وأﻟﺒﺴﻮﻫﺎ اﻟﻘﺮﻧين87.
ﺛﻢ ﻻ ﺗﻔﻮﺗﻨﺎ اﻟﺒﻘﺮة ذات اﻟﻘﺮﻧين، ودورﻫﺎ المﻬﻢ ﰲ دﻓﻦ اﻟﺤﺒﻮب ﰲ اﻟﺤﻘﻞ وﺗﻘﻠﻴﺐ اﻟﱰﺑﺔ وﺣﺮﺛﻬﺎ، وروﺛﻬﺎ ﻛﻤﺨﺼﺐ ﻃﺒﻴﻌﻲ، واﻟﺒﻘﺮة ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ اﻟﻠﻐﻮي أو »المﻴﺘﺎﺗﻴﺰ« ﻫﻲ »ﺑﺮﻛﺔ« وﻣﻮاﻟﻴﺪ ووﻓﺮة. أﻣﺎ اﻟﺨﺮوف أو »اﻟﺤَﻤَﻞ« — ﻓﻼ ﺷﻚ — ﻟﻪ ﰲ اﻟﻠﻐﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﺤَﻤْﻞ والمﻴﻼد. أﻣﺎ دورة اﻟﻘﻤﺮ اﻟﺸﻬﺮﻳﺔ وﺗﺤﻮﻻﺗﻪ ﻣﺎ ﺑين اﻟﻈﻬﻮر واﻻﺧﺘﻔﺎء، ﻓﻘﺪ ﻓﻄﻦ اﻟﻘﺪﻣﺎء إﱃ ﺗﻨﺎﻏﻢ إﻳﻘﺎﻋﻬﺎ ﻣﻊ إﻳﻘﺎﻋﺎت اﻟﺪورة اﻟﺸﻬﺮﻳﺔ ﻟﻠﻤﺮأة. وﻛﺎن دم اﻟﺤﻴﺾ ﰲ ﻇﻨﻬﻢ ﻫﻮ ﻣﺼﺪر ﺗﻜﻮﻳﻦ اﻟﺠﻨين ﻻﺧﺘﻔﺎﺋﻪ ﻣﻊ اﻟﺤﻤﻞ، ﻓﻬﻮ ﻣﺼﺪر اﻟﺤﻴﺎة.
وﻫﻜﺬا ﺗﺮاﻛﻤﺖ ﰲ اﻷﺳﺎﻃير اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻣﺤﺼﻠﺔ ﻣﻌﺮﻓﻴﺔ ﻟﺨﱪات اﻹﻧﺴﺎن وﺗﺠﺎرﺑﻪ إﺑﺎن ﴏاﻋﻪ ﻣﻊ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ، ﺗﺤﻮﻟﺖ ﻣﻊ اﻟﺰﻣﻦ إﱃ رﻣﻮز وﻣﻔﺎﻫﻴﻢ ﻳﻌﻨﻴﻨﺎ ﻣﻨﻬﺎ ﻫﻨﺎ ارﺗﺒﺎط اﻟﺨﺼﺐ واﻟﺨﴬة واﻟﺰرع واﻟﺤﻴﺎة ﻋﻤﻮﻣًﺎ ﺑﺎلمﺎء، وﺑﺎﻟﻘﻤﺮ واﻟﻘﺮﻧين ﺑﺤﺴﺒﺎﻧﻬﻤﺎ اﻟﻬﻼل، وﺑﺎﻟﺨﺮوف واﻟﺜﻮر وذوات اﻟﻘﺮون ﻋﻤﻮﻣًﺎ، وﺑﺎلمﺮأة واﻟﺤﻴﺔ، وﻟﻌﻞ ﻣﺸﻬﺪﻳﺔ اﻟﻘﻤﺮ اﻟﻬﺎﺋﻠﺔ واﻟﺠﻠﻴﻠﺔ، ﻛﻤﺼﺪر ﺧﻮف وﻣﺼﺪر ﺧير، ﰲ اﻟﻠﻴﺎﱄ المﻄيرة المﺮﻋﺪة المﱪﻗﺔ، واﻟﺨير ﰲ المﻄﺮ. وﺧﻮف ﻫﺬا اﻟﺘﺠﲇ المﱪق المﺮﻋﺪ، ﺟﻌﻞ اﻹﻧﺴﺎن ﻳﺮﺑﻂ ﻫﺬه اﻟﺮﻣﻮز أﻳﻀًﺎ ﺑﺎﻟﻨﺎر، وﻗﺘﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺼﻮاﻋﻖ المﺼﺪر اﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﻠﻨﺎر. ﻛﺬﻟﻚ اﺷﺘﻤﻠﺖ اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ورﺑﻬﺎ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﻧﻘﻴﻀﺔ، ﻓﺎﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﻣﺎء وﻧﺎر أو ﺟﻨﺔ وﻧﺎر. ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ أن اﻛﺘﺸﺎف اﻟﻨﺎر ﺑﻘﺪح اﻟﺰﻧﺎد، وﻗﺪح اﻟﺰﻧﺎد ﻋﺼﺎ »ذﻛﺮ« ﺗﺪور ﰲ ﻣﻠﻔﺎف »أﻧﺜﻰ«، ﻛﺎن ﺑﺪاﻳﺔ اﻟﻄﺮﻳﻖ اﻟﺬي اﻧﺘﻬﻰ ﺑﺘﺤﻮل المﺠﺘﻤﻊ اﻟﺒﴩي إﱃ اﻟﺘﺤﴬ ﺛﻢ اﻛﺘﺸﺎف اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ. وﺑﺤﻠﻮﻟﻬﺎ اﻧﺘﻬﻰ ﻋﴫ ﺳﻴﺎدة اﻷم وﺳﺎد اﻷب.
87 ﻟﻠﻤﺰﻳﺪ ارﺟﻊ لمﻮﺿﻮﻋﻨﺎ: اﻷﺿﺎﺣﻲ واﻟﻘﺮاﺑين، اﻟﺠﺬور اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻓﻜﺮ ﻟﻠﺪراﺳﺎت واﻷﺑﺤﺎث، ﻋﺪد .١٠
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
وﻗﺪ ﻣﺜﻞ ﻫﺬه اﻟﺮﻣﻮز ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻵﻟﻬﺔ اﻟﺬﻛﺮﻳﺔ — ﺑﻌﺪ ﺳﻴﺎدة اﻟﺬﻛﺮ — ﺣﻠﺖ ﻛﺂﻟﻬﺔ ﻟﻠﺨﺼﺐ ﻣﺤﻞ اﻷﻧﺜﻰ اﻷﺻﻞ ﰲ اﻟﺨﺼﺐ، وﺳﻠﺒﺖ اﻹﻧﺎث دورًا ﻻ ﻳﻠﻴﻖ إﻻ ﺑﻬﻦ، وﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻵﻟﻬﺔ اﻟﺘﻲ اﻧﺘﴩت ﰲ ﺣﻮض المﺘﻮﺳﻂ اﻟﴩﻗﻲ »ﺣﺪاد« أو ﻫﺪد إﻟﻪ اﻟﺮﻋﺪ واﻟﺨﺼﺐ ﰲ المﻨﺎﻃﻖ اﻟﺴﻮرﻳﺔ. وﻋﺒﺪه اﻵﺷﻮرﻳﻮن ﻛﺈﻟﻪ ﺑﺮق ورﻋﺪ ﺑﺎﺳﻢ أدد، رﻣﺰوا ﻟﻪ ﺑﺎﻟﺼﺎﻋﻘﺔ واﻟﺜﻮر »ﻟﻠﻘﺮﻧين« — واﻟﻬﻼل ﻗﺮﻧﺎن ﺳﻤﺎوﻳﺎن — وﻗﺪ ﺗﺮك ﻟﻪ اﻵﺷﻮرﻳﻮن ﻧﻘﻮﺷًﺎ ﻋﺪة، وﻫﻮ ﻳﻤﺴﻚ ﺑﻴﻤﻨﺎه ﻓﺄﺳًﺎ )وﻻﺣﻆ دور اﻟﻔﺄس ﰲ اﻟﺰرع( وﺑﻴﴪاه ﺻﺎﻋﻘﺔ )ﻻﺣﻆ ارﺗﺒﺎط اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﺑﺎلمﻄﺮ(، وﻳﻘﻒ ﻓﻮق ﺛﻮر )ﻻﺣﻆ اﻟﺜﻮر ذا اﻟﻘﺮﻧين( وﻳﻠﺒﺲ ﺗﺎﺟًﺎ ﺑﻘﺮﻧين، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﺘﺠﲆ اﻟﻘﻤﺮ ﰲ اﻟﻠﻴﺎﱄ المﺮﻋﺪة المﱪﻗﺔ، وﻳﺘﻮاﱃ ﻇﻬﻮره واﺧﺘﻔﺎؤه وراء اﻟﺴﺤﺐ اﻟﺪاﻛﻨﺔ المﻈﻠﻤﺔ ﻣﺮة، والمﻀﻴﺌﺔ اﻟﻨﺎرﻳﺔ اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﻣﺮة أﺧﺮى، ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻄﻠﻘﻮن ﻋﻠﻴﻪ اﺳﻤًﺎ آﺧﺮ ﻫﻮ »رﻣﺎن« وﻫﻮ ﻣﻦ اﻟﻔﻌﻞ »رﻣﺎﻣﻮ« أي ﻳﴫخ أو ﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ واﻟﺘﺪﻗﻴﻖ ﻳﺰأر »ﻛﺎﻷﺳﺪ المﻐﻀﺐ88.«
أﻣﺎ اﻟﻔﻴﻨﻴﻘﻴﻮن ﻓﻘﺪ ﻋﺒﺪوا »اﻟﺒﻌﻞ« إﻟﻪ اﻟﺮﻋﺪ، وﺻﻔﺘﻪ اﻟﻘﺪﺳﻴﺔ »راﻛﺐ اﻟﻐﻴﻮم89.« ﻓﺎﻟﺴﺤﺎب ﻣﺮﻛﺒﺘﻪ واﻟﱪق ﺳﻮﻃﻪ واﻟﺮﻋﺪ ﺻﻮﺗﻪ، وﻳﺒﺪو أﻧﻪ ﻣﻊ اﺳﺘﺌﻨﺎس اﻟﺨﻴﻮل وأﻫﻤﻴﺔ ﻫﺬا اﻟﺤﻴﻮان اﻟﻘﻮي ﰲ ﺟﺮ المﺤﺮاث، وﻗﻮﺗﻪ اﻟﻬﺎﺋﻠﺔ ﰲ اﻟﺠﻨﺲ ﻛﺮﻣﺰ ﻟﻠﺨﺼﺐ أدﺧﻠﺖ ﻋﲆ ﻗﺼﺔ »اﻟﺒﻌﻞ« ﺑﻌﺾ اﻟﺘﺠﺪﻳﺪات، ﻓﺼﻮروه ﻳﺮﻛﺐ ﻋﺮﺑﺔ ﺗﺠﺮﻫﺎ اﻟﺨﻴﻮل، وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺳﺎغ وﺿﻊ ﺗﺮﻣﻴﺰ آﺧﺮ ﻟﻠﺨﺼﺐ ﻣﺜﻠﺘﻪ ﺣﺪوة اﻟﺤﺼﺎن ﻛﺄﻗﺮب ﻣﺎ ﺑﺎﻟﺤﺼﺎن ﻣﻦ ﺷﺒﻪ ﻟﻠﻬﻼل وﻟﻠﻘﺮﻧين، ﻛﺬﻟﻚ ﻗُ ﱢﺪس ﻗﻮس ﻗﺰح ﻟﻠﺴﺒﺐ ﻧﻔﺴﻪ، أي اﻟﺸﺒﻪ ﺑﺎﻟﻘﺮﻧين، وﻛﺎﻧﺖ اﻟﻘﻮى اﻟﺘﻲ ﻳﻤﻠﻜﻬﺎ ﺑﻌﻞ )ﻻﺣﻆ أن ﺑﻌﻞ وﺑﻐﻞ ﰲ اﻟﻠﻐﺎت اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﺗﺘﺒﺎدل( ﻫﻲ اﻟﱪق واﻟﺼﺎﻋﻘﺔ واﻟﺮﻋﺪ واﻟﺴﺤﺐ والمﻄﺮ، وﻫﻮ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﻮل »ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ:« »اﻟﻌﻨﴫ المﺬﻛﺮ ﰲ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ إﻟﻬﺎت اﻟﺪورة اﻟﻨﺒﺎﺗﻴﺔ90«.
وإذا ﻛﺎن »د. ﻓﺎﺿﻞ ﻋﺒﺪ اﻟﻮاﺣﺪ« ﻳﺆﻛﺪ أﻳﻀًﺎ أن »اﻟﺜﻮر ﰲ ﺣﺪود ﻋﺎم ٤٢٥٠ق.م. ﻗﺪ أﺻﺒﺢ رﻣﺰًا ﻟﻠﻌﻨﴫ المﺬﻛﺮ ﰲ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ، وأﺻﺒﺢ ﻟﻘﺐ آﻟﻬﺔ اﻟﺨﺼﺐ91«. وﻫﻮ ﻓﻴﻤﺎ
88 ﺟﻴﻤﺲ ﻓﺮﻳﺰر، أدوﻧﻴﺲ أو ﺗﻤﻮز، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﺟﱪا إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺟﱪا، المﺆﺳﺴﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﻠﺪراﺳﺎت واﻟﻨﴩ، ﺑيروت، ط٣، ١٩٨٢م، ص.١٢٠
89 ﻓﺮاس اﻟﺴﻮاح، ﻣﻐﺎﻣﺮة اﻟﻌﻘﻞ اﻷوﱃ، دار اﻟﻜﻠﻤﺔ، ﺑيروت، ١٩٨٠م، ص.٢٧٥
90 ﻣﻮﺳﻜﺎﻧﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٢٨
91 د. ﻓﺎﺿﻞ ﻋﺒﺪ اﻟﻮاﺣﺪ، ﻋﺸﺘﺎر وﻣﺄﺳﺎة ﺗﻤﻮز، وزارة اﻹﻋﻼم اﻟﻌﺮاﻗﻴﺔ، ﺑﻐﺪاد، ١٩٧٣م، ص.٢٣
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻧﺮﺟﺢ ﻧﺎﺗﺞ اﻟﺴﻴﺎدة اﻟﺬﻛﺮﻳﺔ ﺑﺘﻤﻜﻨﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﺮوﻳﺾ اﻟﺜيران ﻛﺤﻴﻮاﻧﺎت أﻗﻮى وأﻗﺪر ﻹﻧﺘﺎج زراﻋﻲ أوﻓﺮ، ﻓﺈن اﻟﺤﺼﺎن أﺧﺬ أﻳﻀًﺎ ﻫﺬا المﻌﻨﻰ اﻟﺮﻣﺰي ﻟﻘﺪرﺗﻪ اﻟﺠﻨﺴﻴﺔ وﻟﺘﺸﺎﺑﻪ اﻟﺤﺪوة واﻟﻬﻼل وﻟﺪوره ﻛﺪاﺑﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﰲ أﻋﻤﺎل اﻟﻔﻼﺣﺔ، وﻷن اﻟﺨﻴﻞ ﴎﻳﻌﺔ ﻛﺎﻟﱪق )ﻻ ﻧﻨﴗ ﻫﻨﺎ اﻟﱪاق اﻟﻨﺒﻮي »وﻫﻮ ﺣﺼﺎن ﻣﺠﻨﺢ«، وﺻﻠﺔ ﻛﻠﻤﺔ ﺑﺮاق ﺑﻜﻠﻤﺔ ﺑﺮق(، واﻟﱪق واﻟﱪﻛﺔ ﻣﺘﺪاﺧﻼن ﰲ المﻔﻬﻮم اﻟﻠﻐﻮي، واﻟﺤﺪﻳﺚ اﻟﻨﺒﻮي ﻳﻘﻮل: »اﻟﺨﻴﻞ ﰲ ﻧﻮاﺻﻴﻬﺎ اﻟﺨير«، واﻟﺨﻴﻞ واﻟﺨير ﻛﻠﻤﺘﺎن ﺗﺘﺒﺎدﻻن ﰲ اﻟﺴﺎﻣﻴﺎت ﺑﺎﺳﺘﺒﺪال ﺣﺮف »ل« ﻣﻊ ﺣﺮف »ر« ﺑﻘﺎﻧﻮن ﺗﺒﺎدل اﻟﺴﻘﻒ ﺣﻠﻘﻴﺎت. و»المﺴﻌﻮدي« ﻳﻘﻮل إن ﷲ ﺧﻠﻖ اﻟﺨﻴﻞ ﻣﻦ اﻟﺮﻳﺢ،92 وﻷن اﻟﻔﺮس ﻳﺤﻤﻞ اﻹﻧﺴﺎن ﰲ اﻟﺴﻔﺮ )ﻓﺮس ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ ﺳﻔﺮ(، ﻓﻬﻲ ﻻ ﺷﻚ ﻟﻠﻔﺮﺳﺎن وﺳﻴﻠﺔ ﻃﻮاف. أﻣﺎ اﻹﻟﻪ ﻓﺈﻧﻪ ﰲ المﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻳﺘﺨﲆ ﻋﻦ اﻟﺨﻴﻞ ﻟيرﻛﺐ اﻟﺴﺤﺎب.
وإﱃ اﻟﺸﻤﺎل ﻣﻦ ﻛﻨﻌﺎن ﻛﺎن اﻹﻟﻪ »أدوﻧﻴﺲ« رﻣﺰًا ﻟﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺨﺼﺐ والمﺎء المﻘﺪس، وﻳﻌﻮد ﺑﺄﺻﻠﻪ إﱃ اﻹﻟﻪ اﻟﺮاﻓﺪي »ﺗﻤﻮز«، واﻻﺳﻢ »ﺗﻤﻮز« اﺳﻢ ﺳﻮﻣﺮي ﻳﻌﻨﻲ اﻻﺑﻦ المﺒﻌﻮث أو اﻟﺨﺎﻟﺪ، وﻫﻮ إﻟﻪ ذوات ﻛﻞ اﻟﻘﺮون ﻣﻦ اﻟﻘﻄﻌﺎن، وﻟﻘﺒﻪ اﻟﺮاﻋﻲ اﻟﻄﻴﺐ، وﻣﻤﻠﻜﺘﻪ ﻫﻲ اﻟﺨﴬة واﻷﻧﻬﺎر93. وﻫﻮ — ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﻮل »ﺟﺎن ﺑﻮﺗيرو« — ﺧﺎﻟﺪ أﺑﺪًا، ﻟﻜﻨﻪ ﻳﻐﻴﺐ ﻣﻦ آن ﻵﺧﺮ ﻷﻧﻪ إﻟﻪ اﻟﻨﺒﺎت، اﻟﺬي ﻳﻮﻟﺪ وﻳﻜﱪ وﻳﺜﻤﺮ ﺛﻢ ﻳﺬﺑﻞ وﻳﻤﻮت ﻟﻴﻌﻮد ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎن إﻟﻪ اﻟﺨﴬة ﺣﺎًﴐا ﻏﺎﺋﺒًﺎ، ﻳﺤﴬ ﰲ ﻓﺼﻞ اﻹﻧﺒﺎت رﺑﻴﻌًﺎ وﺻﻴﻔًﺎ، وﻳﻐﻴﺐ ﰲ ﻓﺼﻞ اﻟﺠﺪب ﺧﺮﻳﻔًﺎ وﺷﺘﺎءً،94 ﺛﻢ ﻧﻌﻠﻢ أن ﻏﻴﺎﺑﻪ ﻳﻜﻮن ﰲ ﻋﺎﻟﻢ آﺧﺮ ﺗﺼﻔﻪ اﻷﺳﻄﻮرة، ﻋﻨﺪ ﻗﻮم:
ﻃﻌﺎﻣﻬﻢ ﻫﻮ ﻣﻦ اﻟﻄين، ﻏﺬاؤﻫﻢ ﻫﻮ اﻟﱰاب،
ﻻ ﻳﺮون اﻟﻨﻮر أﺑﺪًا؛ ﻓﻬﻢ ﻳﺴﻜﻨﻮن ﺑﺎﻟﻠﻴﻞ95.
92 د. ﻋﲇ زﻳﻌﻮر، اﻟﺘﺤﻠﻴﻞ اﻟﻨﻔﴘ ﻟﻠﺬات اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، أﻧﻤﺎﻃﻬﺎ اﻟﺴﻠﻮﻛﻴﺔ واﻷﺳﻄﻮرﻳﺔ، دار اﻟﻄﻠﻴﻌﺔ، ﺑيروت، ط٢، ١٩٧٨م، ص.١٦١
93 د. أﻧﻴﺲ ﻓﺮﻳﺤﺔ، دراﺳﺎت ﰲ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، دار اﻟﻨﻬﺎر، ﺑيروت، ١٩٨٠م، ص٨٦، .٤٨
94 ﺟﺎن ﺑﻮﺗيرو، اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﺒﺎﺑﻠﻴين، ﺗﺮﺟﻤﺔ وﻟﻴﺪ اﻟﺠﺎدر، ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺑﻐﺪاد، ﺑﻐﺪاد، ١٩٧٠م، ص.٥٠ 95 ﻧﻔﺴﻪ، ص.١٣٠
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
وﻷن اﻟﱪق ﺛﻨﺎﺋﻲ اﻟﻘﻴﻤﺔ، ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره ﻣﺼﺪر المﺎء واﻟﻨﺎر، واﻟﻨﺎر ﰲ اﻟﻠﻐﺎت اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﻫﻲ: إﻳﺸﺎﺗﻮ ﺑﺎﻷﻛﺎدﻳﺔ، وإﻳﺸﺎ ﺑﺎﻵراﻣﻴﺔ، وإﻳﺸﻮﺗﻮ ﺑﺎﻟﴪﻳﺎﻧﻴﺔ، وإﻳﺸﻮ ﺑﺎﻟﻌﱪﻳﺔ، وإﻳﺴﺎت ﺑﺎﻟﺠﻌﺰﻳﺔ، وأﻧﻴﺴﺔ ﺑﺎﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، وﺑﺎﻟﻌﺮﺑﻴﺔ أﻳﻀًﺎ أوس96 »أوس اﻟﻼت ﻳﻌﻨﻲ ﻧﺎر اﻟﻼت«، ﻓﻬﺬا ﻳﺄﺧﺬﻧﺎ إﱃ وادي اﻟﻨﻴﻞ ﺣﻴﺚ »إﻳﺴﻪ« أو »إﻳﺰﻳﺲ« إﻟﻬﺔ اﻟﺨﺼﺐ المﴫﻳﺔ زوﺟﺔ »أوزﻳﺮ« أو »أوزﻳﺮﻳﺲ«، ﺣﻴﺚ ﻋُﺒﺪت ﻛﺈﻟﻬﺔ ﺧﺼﺐ إﱃ ﺟﻮار رب اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺨﺮوف »آﻣﻮن«، وﻛﺎﻧﺖ ﺗُﻤَﺜﻞ ﰲ ﻫﻴﺌﺔ ﺑﻘﺮة ﺑﻘﺮﻧين ﻋﻈﻴﻤين.
وﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم ﻟﻢ ﺗﺰل ﰲ ﻣﻮﻃﻦ اﻟﺒﺎﺣﺚ )ﻣﺪﻳﻨﺔ اﻟﻮاﺳﻄﻰ ﺑﺼﻌﻴﺪ ﻣﴫ( ﺑﻘﺎﻳﺎ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻌﺒﺎدات اﻟﺰراﻋﻴﺔ، ﺗﺤﻮل أﺻﺤﺎﺑﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻳﻼﺋﻢ ﺳﻴﺎدة اﻟﺪﻳﻦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻴﺼﺒﺤﻮا ﻣﻦ اﻷوﻟﻴﺎء اﻟﺼﺎﻟﺤين، ﻓﻤﻨﻬﻢ »اﻟﺸﻴﺦ زارع« »ﻻﺣﻆ اﻻﺳﻢ وﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺎﻟﺰرع«، واﻟﺸﻴﺦ »ﻋﻮﻳﺲ اﻟﻘﺮﻧﻲ«، أو »ﻋﻮﻳﺲ« ذو اﻟﻘﺮﻧين، وﻛﻼﻫﻤﺎ ﻣﺰار ﻷﻋﺪاد ﻫﺎﺋﻠﺔ وﻏﻔيرة ﺗﻌﻮد اﻟﴬﻳﺤين ﻣﻊ ﺑﺪاﻳﺔ اﻟﺮﺑﻴﻊ أو ﻋﻮدة اﻟﺪورة اﻟﻨﺒﺎﺗﻴﺔ. ﻛﺬﻟﻚ اﻟﺸﻴﺨﺔ »ﺧﴬة« ﰲ ﻃﺮﻳﻖ ﻣﺪﻳﻨﺔ اﻟﻔﻴﻮم. وﻟﻴﺴﺖ ﺷﻴﺌًﺎ ﺳﻮى ﺷﺠﺮة ﻓﻘﻂ ﻳﺠﺎورﻫﺎ ﻣﺴﺠﺪ ﺗﻢ ﺑﻨﺎؤه ﻋﲆ ﴍﻓﻬﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺰﻓﺖ دﻣًﺎ
ﺣﺴﺐ ﺳﻴﻨﺎرﻳﻮ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ، وﻋﻠﻴﻬﺎ ﻋ ﱠﻠﻖ اﻷﻫﻠﻮن ﻗﺮﻧين ﻋﻈﻴﻤين!
وﻳﺘﻤﻴﺰ اﻟﺸﻴﺦ »اﻟﻘﺮﻧﻲ« ﺑﻮﺟﻪ ﺧﺎص ﺑﺴﻌﻲ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﻌﻮاﻗﺮ إﻟﻴﻪ ﻃﻠﺒًﺎ ﻟﻠﺤﻤﻞ، وﻋﲆ ﴐﻳﺠﻪ ﻻ ﻳﺰال اﻟﻘﺮﻧﺎن ﻣﻌﻠﻘين، أﻣﺎ اﻟﺬﺑﺎﺋﺢ المﺴﺘﺤﺒﺔ ﺗﻘﺮﺑًﺎ إﻟﻴﻪ ﻓﻬﻲ ذوات اﻟﻘﺮون، وﻛﻞ ﺣﺴﺐ ﻗﺪراﺗﻪ، وﺣﺒﺬا ﻟﻮ ﻛﺎن ﻛﺒﺸًﺎ، أو ﺛﻮرًا لمﻦ اﺳﺘﻄﺎع إﻟﻴﻪ ﺳﺒﻴﻼً، أﻣﺎ اﻟﻜﻠﻤﺔ »ﻋﻮﻳﺲ« ﻓﻬﻲ اﺳﻢ ﺷﻌﺒﻲ واﺳﻊ اﻻﻧﺘﺸﺎر ﰲ ﻣﴫ. ﻟﻜﻨﻪ ﰲ ﻣﻌﺎرف ﺑﺎﺣﺚ ﻣﻬﻤﻮم ﺑﺎلمﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻲ ﻟﻴﺲ ﺳﻮى ﺻﻴﻐﺔ ﻣﻘﻠﻮﺑﺔ ﻣﻦ اﺳﻢ ﺗﺮاﺛﻲ ﻣﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻲ ﻋﺮﻳﻖ، ﻫﻮ »ﻳﺴﻮع« أو »ﻳﺸﻮع« أو »ﻋﻴﴗ« وﻳﻌﻨﻲ المﻨﻘﺬ أو المﺨﻠﺺ، وﻳﻌﻨﻲ أﻳﻀًﺎ المﺒﻌﻮث والمﱪوك. وﻗﺪ ﺗﺨﻠﻒ اﻻﺳﻢ »ﻳﺸﻮع«، و»ﻳﺸﻊ«، ﰲ اﻟﻌﺒﺎدات اﻟﻌﱪﻳﺔ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ. ﻓﺄﺻﺒﺢ ﻫﻮ اﻹﻟﻪ »ﻳﻬﻮه« المﻌﺮوف أﻳﻀًﺎ ﰲ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﺑﺎﺳﻢ »ﻳﺎه« وﺑﺎﺳﻢ »إﻫﻴﻪ«، واﻻﺳﻢ »ﻳﻮﺷﻊ« أو »ﻳﺸﻊ« أو »ﻳﺸﻮع« ﻣﻠﺼﻖ ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺘين ﻫﻤﺎ: »ﻳﺎه« + »ﺷﺎ«، اﻟﺘﻲ أﺻﺒﺤﺖ ﺑﺎﻹدﻏﺎم »ﻳﺎﻫﻮه« رب اﻟﻘﺒﻴﻠﺔ اﻹﴎاﺋﻴﻠﻴﺔ، والمﻠﺼﻖ ﻳﺤﻤﻞ المﻌﻨﻰ اﻟﺬي ذﻫﺒﻨﺎ إﻟﻴﻪ. ﻓﺎﻟﺸﻄﺮ »ﻳﺎه« ﻣﻦ اﻟﻬﻮاء، واﻟﺸﻄﺮ »ﺷﺎ« ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺔ ﺷﺎة اﻟﺘﻲ ﺗﻌﻨﻲ ﰲ اﻟﻠﻐﺎت اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﻛﻞ ذوات اﻟﻘﺮون، والمﻠﺼﻘﺎن ﻳﻌﻴﻨﺎن ﰲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ اﻟﺸﺎة اﻟﻬﻮاﺋﻴﺔ أو اﻟﺸﺎة اﻟﻄﺎﺋﺮة، وﻫﻮ أﺑﻠﻎ ﺗﻌﺒير ﻋﻦ المﻌﺒﻮد اﻟﻘﻤﺮي.
96 ﻋﲇ اﻟﺸﻮك، اﻫﺘﻤﺎﻣﺎت ﻣﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻴﺔ واﺳﺘﻄﺮادات ﻟﻐﻮﻳﺔ، ﻣﺠﻠﺔ اﻟﻜﺮﻣﻞ، ﻧﻴﻘﻮﺳﻴﺎ ﻗﱪص، ﻋﺪد ٢٦،
.٢٤ص
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
وﺣﻮل اﻷﻣﺮ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﻫﺎﺋﻠﺔ اﻛﺘﻔﻴﻨﺎ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﻣﻮﺿﻮﻋﻨﺎ وﻟﺼﻴﻖ اﻟﺼﻠﺔ ﺑﻪ؛ ﻟﻮﺿﻊ ﺻﻮرة ﴎﻳﻌﺔ لمﺎ وﺻﻞ إﻟﻴﻪ اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻦ ﻣﻌﺎرف، ﺑﻨﺎﻫﺎ ﻋﲆ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺎﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻪ، وﺗﺤﻮﻟﺖ إﱃ ﻣﻌﺎرف ﻣﻘﺪﺳﺔ ﰲ اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﺑﺎلمﻨﻄﻘﺔ، وﻗﺘﻤﺎ ﻛﺎن »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻳﻄﻤﱧ ﻋﲆ ﺣﺪوة ﺣﺼﺎﻧﻪ، وﻳﺮﻛﺐ ﻓﺮﺳﻪ ﻟﻴﺴﺎﻓﺮ ﻃ ﱠﻮاﻓًﺎ أو ﻓﺎﺗﺤًﺎ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﺒﻠﺪان، وﻫﻲ المﻌﺎرف أو المﻘﺪﺳﺎت اﻟﺘﻲ ﺳﺘﴤء ﻟﻨﺎ ﻣﺴﺎﺣﺔ أوﺳﻊ ﺣﻮل ﻟﻐﺰ »ذي اﻟﻘﺮﻧين.«
اﻷﺻﻮل
واﻵن؛ ﻣﻦ ﻫﻮ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ«، ولمﺎذا اﺣﺘﺴﺒﻨﺎه ﻫﻮ ذا اﻟﻘﺮﻧين ﻧﻔﺴﻪ اﻟﻘﺮآﻧﻲ؟ ﺑﻌﺪ أن زرﻋﻨﺎ اﻟﺒﺬار ﻋﱪ اﻟﺼﻔﺤﺎت اﻟﺴﺎﻟﻔﺔ، وﺣﺎن وﻗﺖ اﻟﻘﻄﺎف، ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﻣﺎ أوردﻧﺎ ﻣﻦ ﻣﺎدة ﻋﻠﻤﻴﺔ ﺑﻌﻨﻮان »اﻟﺠﺬور« ﺗﺒﺪو ﻣﻨﺒﺘﺔ اﻟﺼﻠﺔ ﺑﻤﺎ ﻗﺒﻠﻬﺎ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ إﻳﻘﺎﻋًﺎ ﻧﺸﺎزًا، أو ﻗﻮﻻً ﰲ ﻏير ﻣﻘﺎﻣﻪ.
»اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻫﻮ »اﻹﺳﻜﻨﺪر اﻷﻛﱪ ﺑﻦ ﻓﻴﻠﻴﺐ اﻟﺜﺎﻧﻲ« ﻣﻦ أﻣﻪ »أوﻟﻴﻤﺒﻴﺎ أو أوﻟﻴﻤﺒﺎس«، وﻫﻮ رﺑﻴﺐ اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ اﻷﻧﴩ »أرﺳﻄﻮﻃﺎﻟﻴﺲ« وﺗﻠﻤﻴﺬه، وﻫﻮ اﻟﻘﺎﺋﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ اﻟﻔﺬ اﻟﺬي ﺗﻮﺟﻬﺖ ﻓﺘﻮﺣﺎﺗﻪ — ﺿﻤﻦ ﺧﻄﺘﻪ ﻟﴬب اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺔ اﻟﻔﺎرﺳﻴﺔ اﻟﺘﻲ أﺳﺴﻬﺎ »ﻗﻮرش« ﺻﺎﺣﺐ ﺗﺎج اﻟﻘﺮﻧين — ﻧﺤﻮ أرض اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ، ﺑﻐﻴﺔ اﻻﺳﺘﻴﻼء ﻋﲆ ﺑﻮاﺑﺔ اﻟﴩق اﻟﻘﺪﻳﻢ، وﻗﺘﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪﻳﻦ ﺑﺪﻳﺎﻧﺔ »آﻣﻮن« اﻟﺨﺮوف رب اﻟﺪوﻟﺔ )ﻻ ﻳﻈﻦ ﻣﺸﺘﺒﻪ أﻧﻨﺎ ﻧﻘﻠﻞ ﻣﻦ ﺷﺄن آﻣﻮن، ﻓﺎلمﺴﻴﺢ ﰲ اﻷﻧﺎﺟﻴﻞ أﻳﻀًﺎ ﻛﺎن ﺧﺮوﻓًﺎ، ﺑﻞ ﻛﺎن اﻟﺨﺮوف اﻷﻋﻈﻢ(، و»آﻣﻮن« ﰲ اﻻﻋﺘﻘﺎد ﻫﻮ اﻟﺮوح ﻷوزﻳﺮﻳﺲ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ المﻘﺪﺳﺔ، وﻫﻲ ﻋﻘﻴﺪة ﺗﺜﻠﻴﺚ ﺗﻌﺒﺪ إﻟﻬًﺎ أﺑًﺎ ﻫﻮ »أوزﻳﺮ« وإﻟﻬﺔ أم ﻫﻲ »إﻳﺴﺔ« وإﻟﻬًﺎ اﺑﻦ ﻫﻮ »ﺣﻮر«، واﻻﺑﻦ »ﺣﻮر« ﻳﻌﺪ أﺻﻞ اﻟﺴﻼﻟﺔ المﻠﻜﻴﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ وﺟﺪﻫﺎ اﻟﺒﻌﻴﺪ، ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻛﻤﺎ ﻛﺎن اﻻﺑﻦ اﻹﻟﻬﻲ »ﺗﻤﻮز« ﰲ اﻟﻌﺮاق اﻟﻘﺪﻳﻢ؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎن اﻟﻔﺮﻋﻮن ﻳﻌﺪ اﺑﻨًﺎ ﻟﻺﻟﻪ ﻳﺠﺮي ﰲ ﻋﺮوﻗﻪ اﻟﺪم اﻟﺴﻤﺎوي اﻟﴩﻋﻲ، اﻟﺬي ﻳﻜﺘﺴﺐ ﺑﻤﻮﺟﺒﻪ ﴍﻋﻴﺔ اﻟﺤﻜﻢ. وﰲ ﺣﺎﻻت ﻧﺎدرة ﻛﺎن ﻳﺴﺘﻮﱄ ﻋﲆ ﻋﺮش اﻟﺒﻼد ﻗﻬﺮًا ﺑﻌﺾ اﻟﻄﺎﻣﺤين، ﻟﻜﻦ ﻛﺎن ﻋﲆ ﻣﻦ ﻳﻄﻴﻖ ذﻟﻚ أن ﻳﺮﴈ اﻟﻜﻬﺎن ﺑﺎلمﺎل واﻷراﴈ والمﻨﺎﺻﺐ؛ ﻟﻴﻌﱰﻓﻮا ﺑﻪ اﺑﻨًﺎ ﻟﻺﻟﻪ اﻷﻋﻈﻢ »آﻣﻮن«، وأﻧﻪ أﻳﻀًﺎ ﺣﻔﻴﺪه ﻋﱪ »ﺣﻮر« اﻻﺑﻦ اﻹﻟﻬﻲ، وذﻟﻚ ﻗﺒﻞ أن ﻳﺘﺰوج اﻷﻣيرة اﻟﻮرﻳﺜﺔ وﻳﺼﺒﺢ ﺣﻜﻤﻪ ﻣﴩوﻋًﺎ.
وﻛﺎن »أوزﻳﺮ« أو »أوزﻳﺮﻳﺲ« ﻫﻮ رب اﻟﺨﻠﻮد اﻟﺪاﺋﻢ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره إﻟﻪ اﻟﻨﺒﺎت، وﻫﻮ اﻹﻟﻪ اﻟﺤﻲ اﻟﻐﺎﺋﺐ أو اﻟﺮب اﻟﺤﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﻣﻮازﻳﻦ اﻟﺤﺴﺎب ﰲ اﻵﺧﺮة، وﻗﺎﴈ اﻟﺜﻮاب ﺑﺎﻟﺠﻨﺔ واﻟﻌﻘﺎب ﺑﺎﻟﻨﺎر، وﻛﺎن ﻟﻘﺒﻪ اﻷﺷﻬﺮ ﻫﻮ »ﺧﻨﺘﻲ آﻣﻨﺘﻲ« أي ﺻﺎﺣﺐ ﻣﻤﻠﻜﺔ اﻟﻐﺮب، أي
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻣﻤﻠﻜﺔ اﻟﺨﻠﻮد، ﺣﻴﺚ ﻛﺎن المﴫﻳﻮن ﻳﻌﺘﻘﺪون أن اﻟﺒﴩ ﻳﺮﺣﻠﻮن ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻬﻢ ﻏﺮﺑًﺎ ﻣﻊ اﻟﺸﻤﺲ »آﻣﻮن« ﰲ ﻣﺮﻛﺒﻬﺎ اﻟﺴﻤﺎوي إﱃ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺨﻠﺪ؛ ﻟﻴﻌﻴﺸﻮا ﻫﻨﺎك ﰲ ﻣﻤﻠﻜﺔ »أوزﻳﺮ«؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎن اﻟﺤﺞ إﱃ ﻛﻌﺒﺔ »أوزﻳﺮ« ﰲ أﺑﻴﺪوس، وإﱃ ﻣﻌﺒﺪ »آﻣﻮن« ﰲ واﺣﺔ ﺳﻴﻮة، ﴐورة إﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻟﻠﺨﻼص ﻣﻦ اﻟﺬﻧﻮب، ﺣﻴﺚ ﻳﻐﺘﺴﻞ المﺆﻣﻦ ﻫﻨﺎك أو ﻳﺘﻌﻤﺪ ﰲ ﻋين »أوزﻳﺮ« وﰲ اﻟﺒﺤيرة المﻘﺪﺳﺔ لمﻌﺒﺪ »آﻣﻮن«، أو ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳُﺴﻤﻰ وﻗﺘﻬﺎ »ﻋين اﻟﺤﻴﺎة« ﻓﺘﻠﻘﻰ ﻋﻨﻪ أوزاره، وﻟﻢ ﺗﺰل ﻋين »أوزﻳﺮ« وﺑﺤيرة »آﻣﻮن« ﻗﺎﺋﻤﺘين إﱃ اﻟﻴﻮم، ﻳﻘﺼﺪﻫﻤﺎ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﻐﺮض اﻻﺳﺘﺸﻔﺎء واﻹﺧﺼﺎب، وﻫﻨﺎك ﺗﱰاءى اﻟﺸﻤﺲ ﻟﻠﻨﺎﻇﺮ وﻫﻲ ﺗﻐﺮب ﰲ ﺑﺤيرة »آﻣﻮن«، ﻣﺸ ﱢﻜﻠﺔ ﻣﺸﻬﺪًا ﺟﻼﻟﻴٍّﺎ، ﻟﻢ ﻳﺰل ﻳﱰك ﰲ اﻟﻨﻔﻮس أﺛﺮه اﻟﻘﺪﻳﻢ97.
وﻳﺆﻛﺪ »ﻫ. آﻳﺪرس ﺑﻞ« أن اﻻﺣﺘﻼل اﻟﻔﺎرﳼ لمﴫ ﻛﺎن ﻗﺎﺳﻴًﺎ، وﻟﻢ ﻳﻌﺎﻣﻞ ﻋﻘﺎﺋﺪ المﴫﻳين ﺑﺎﻻﺣﱰام اﻟﻮاﺟﺐ، ﺑﻌﻜﺲ ﺗﻠﻤﻴﺬ »أرﺳﻄﻮ«، »اﻹﺳﻜﻨﺪر« المﻘﺪوﻧﻲ اﻟﺬي ﻟﻢ ﻳﺘﺒﻊ ﰲ ﻓﺘﺢ أﻋﻈﻢ ﺑﻼد اﻟﴩق ﺳﻴﺎﺳﺔ اﻟﺒﻄﺶ اﻟﻔﺎرﺳﻴﺔ، إﻧﻤﺎ اﺳﺘﺜﻤﺮ ﻣﺎ ﺗﻠﻘﺎه ﻋﻦ أﺳﺘﺎذه ﻣﻦ ﺣﻜﻤﺔ، واﺳﺘﺨﺪم اﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ ﰲ اﺳﺘﻐﻼل اﻟﺪﻳﻦ ﻟﺘﺜﺒﻴﺖ ﺣﻜﻤﻪ، ﻓﻤﺎ أن وﺿﻊ ﺟﻨﻮده أﻗﺪاﻣﻬﻢ ﻋﲆ اﻟﱪ المﴫي، ﺣﻴﺚ ﻗﺮﻳﺔ ﻛﺎﻧﻮب اﻟﺴﺎﺣﻠﻴﺔ )وﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﺣﻮﻟﻬﺎ إﱃ ﺣﺎﴐة ﻛﱪى ﻫﻲ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ(، وﺑﻌﺪ أن اﺳﺘﺴﻠﻢ ﻟﻪ اﻟﻮاﱄ اﻟﻔﺎرﳼ، ﺣﺘﻰ أﻋﻠﻦ »اﻹﺳﻜﻨﺪر ﺑﻦ ﻓﻴﻠﻴﺐ اﻟﺜﺎﻧﻲ« وﻻءه ﻵﻟﻬﺔ ﻣﴫ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ وﺧﻀﻮﻋﻪ ﻟﻬﺎ، ﻛﻤﺎ أﺷﺎع ﺑين اﻟﻨﺎس أﻧﻪ ﻣﺎ ﻗﺪم ﻣﻦ ﺑﻼده إﱃ ﻣﴫ، إﻻ ﻟﻴﻨﻘﺬ آﻟﻬﺘﻬﺎ ﻣﻦ اﻻﻣﺘﻬﺎن اﻟﻔﺎرﳼ، وﻳﻘﺪم ﻟﻬﺎ ﻓﺮوض اﻟﻮﻻء واﻟﻄﺎﻋﺔ.
وﺑﺎﻻﺗﻔﺎق المﺮﴈ ﻟﻠﻄﺮﻓين، اﻹﺳﻜﻨﺪر واﻟﻜﻬﻨﺔ، اﻋﱰف اﻟﻜﻬﺎن ﺑﺎﻹﺳﻜﻨﺪر اﺑﻨًﺎ ﴍﻋﻴٍّﺎ ﻟﻺﻟﻪ المﴫي، وﻟﻜﻦ ﺑﴩط أن ﻳﻘﻮم ﺑﺎﻟﺤﺞ إﱃ واﺣﺔ »آﻣﻮن« ﻣﺎﺷﻴًﺎ ﺣﺎﻓﻴًﺎ ﻳﺘﻘﺪم اﻟﺠﻤﺎﻫير؛ ﻟﻴﻌﻠﻦ ﻫﻨﺎك وﻻءه ﻟﻶﻟﻬﺔ، ﺛﻢ ﻟﻴﺘﺴﻨﻰ ﻟﻪ ﻛﺴﺐ اﻟﺨﻠﻮد ﺑﺎﻟﴩب ﻣﻦ ﺑﺤيرة اﻟﺤﻴﺎة، وإزاء رﻏﺒﺘﻪ ﰲ ﻓﺘﺢ اﻟﻌﻤﻖ المﴫي ﺳﻠﻤﻴٍّﺎ دون ﻣﺼﺎدﻣﺔ، ﻗﺎم »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﺑﺎﻟﺮﺣﻠﺔ اﻟﻘﺎﺳﻴﺔ ﰲ اﻟﺼﺤﺮاء اﻟﻘﺎﺣﻠﺔ اﻟﺴﺎﺧﻨﺔ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺤﺞ،98 ﻣﺪﻟﻼً ﻋﲆ اﺳﺘﺤﻘﺎﻗﻪ اﻟﺘﻠﻤﺬة
97 ﻟﻠﻤﺰﻳﺪ ارﺟﻊ ﻟﻜﺘﺎﺑﻨﺎ: أوزﻳﺮﻳﺲ وﻋﻘﻴﺪة اﻟﺨﻠﻮد ﰲ ﻣﴫ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، دار ﻓﻜﺮ ﻟﻠﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﻨﴩ، اﻟﻘﺎﻫﺮة،
Zayed (Abd EI Hamid), ABYDOS, general Organaisation of government :أﻳًﻀﺎ اﻧﻈﺮ م؛١٩٨٨
.printing offices, cairo, 1963, P. 3
98 ﻫ. آﻳﺪرس ﺑﻞ، ﻣﴫ ﻣﻦ اﻹﺳﻜﻨﺪر ﺣﺘﻰ اﻟﻔﺘﺢ اﻟﻌﺮﺑﻲ، ﺗﺮﺟﻤﺔ د. ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻄﻴﻒ ﺣﻤﺰة، دار اﻟﻨﻬﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ص٣٩، ٤
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ص٣٩، ٤٢؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ د. ﻋﺒﺪ اﻟﺤﻤﻴﺪ زاﻳﺪ، ﻣﴫ اﻟﺨﺎﻟﺪة، دار اﻟﻨﻬﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ،
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻟﻌﺒﻘﺮي زﻣﻨﻪ »أرﺳﻄﻮ«، وﻻ ﺷﻚ أﻧﻪ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ أن ﻧﺮى ﻣﻦ ﺧﻼل ﺳﺠﻒ اﻟﺰﻣﻦ ﻋﻴﻮن اﻟﺮﺿﺎ ﺗﺮﻋﺎه ﻣﻦ ﻛﻞ اﻟﺸﻌﺐ المﴫي، ورﺑﻤﺎ اﺑﺘﻬﻠﺖ اﻷﻟﺴﻦ وأﻃﻠﻘﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﻘﺐ المﺨﻠﺺ، اﻟﺬي ﺧﻠﺼﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻄﻐﻴﺎن اﻟﻔﺎرﳼ »ﻋﻮﻳﺲ.« وﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻳﺤ ﱢﺪث اﻟﺘﺎرﻳﺦ أن »اﻹﺳﻜﻨﺪر« اﺳﺘﻮﱃ ﻋﲆ ﻣﴫ وﻋﲆ ﻗﻠﻮب ﺟﻤﺎﻫيرﻫﺎ المﺆﻣﻨﺔ، وأﻋﻠﻨﻪ اﻟﻜﻬﺎن ﺣﺎﻛﻤًﺎ ﴍﻋﻴٍّﺎ ﻋﲆ اﻟﺒﻼد ﺑﺎﻟﺤﻜﻤﺔ اﻷرﺳﻄﻴﺔ وﺣﺪﻫﺎ.
وﻗﺪ اﺗﺒﻊ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﰲ ﻓﺘﻮﺣﻪ ﻷرض اﻟﺮاﻓﺪﻳﻦ، ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﺖ ﺣﺮوﺑﻪ ﻣﻜﺮﺳﺔ ﰲ المﻘﺎم اﻷول ﻟﻨﻈﺎم »دارﻳﻮس« اﻟﻔﺎرﳼ، وﻧﺠﺢ ﻣﺮة أﺧﺮى ﰲ اﻟﻮﺻﻮل إﱃ اﺗﻔﺎق ﻣﻊ اﻟﻜﻬﺎن، إذ أﻟﺒﺴﻮه ﻋﲆ ﺷﺎﻃﺊ اﻟﻔﺮات ﺗﺎج اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺔ ذا اﻟﻘﺮﻧين، ﺗﺎج ﴍﻋﻴﺔ المﻠﻚ واﻟﺨير واﻟﺨﺼﺐ واﻟﱪﻛﺔ، ورﻣﺰ اﻷﻟﻮﻫﻴﺔ واﻟﺤﻜﻢ ﺑﺤﻖ اﻟﺴﻤﺎء، وذﻟﻚ اﻟﺘﺎج ﻟﻢ ﺗﺰل اﻟﻠﻮﺣﺎت ﺗﺼﻮره ﻓﻮق رأس اﻹﻟﻪ »ﺣﺪاد«، أو »أدد«، واﻟﱪوق واﻟﺼﻮاﻋﻖ ﺗﻨﺒﻌﺚ ﻣﻦ ﻗﺮوﻧﻪ99.
وﺑﺎلمﻘﺎرﻧﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻼﺣﻈﺔ أوﺟﻪ ﺷﺒﻪ ﻛﺜيرة ﺑين واﻗﻊ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ ﻋﻦ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ«، وﺑين ﻣﺎ ورد ﰲ ﻛﺘﺒﻨﺎ اﻟﱰاﺛﻴﺔ، وﺑين ﻣﺎ ﻧﻌﻠﻤﻪ ﻋﻦ ﻣﻴﺜﻮﻟﻮﺟﻴﺎ المﻨﻄﻘﺔ وﺗﺮاﺛﻬﺎ اﻟﻘﺪﻳﻢ، ﻓﺎﻹﺳﻜﻨﺪر ﺗﺎرﻳﺨﻴٍّﺎ ﻫﻮ ﺑﺎﻧﻲ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ، ﻟﻜﻨﻪ ﻣﻊ اﻟﻮﻗﺖ ﺗﺤﻮل ﰲ ﻛﺘﺎب »إﻛﻤﺎل اﻟﺪﻳﻦ« إﱃ رﺟﻞ ﻣﻦ أﻫﻞ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ ﻳﻘﺎل ﻟﻪ »إﺳﻜﻨﺪر«، وﺧُﻠﻂ ﻧﺘﻴﺠﺔ ذﻟﻚ ﺑين ﻛﻮﻧﻪ ﻣﴫﻳٍّﺎ أو ﻳﻮﻧﺎﻧﻴٍّﺎ. أﻣﺎ »اﻟﺮازي« وﻣﻦ ﴐب ﰲ درﺑﻪ، ﻓﻜﺎﻧﻮا أﻛﺜﺮ اﻟﺮواة ﻗﺮﺑًﺎ ﻣﻦ اﻟﻮاﻗﻊ، ﻋﻨﺪﻣﺎ أﻛﺪوا أن »ذا اﻟﻘﺮﻧين« ﻫﻮ ﺑﺎﻧﻲ اﻹﺳﻜﻨﺪرﻳﺔ، وأن اﺳﻤﻪ »إﺳﻜﻨﺪر اﺑﻦ ﻗﻠﻴﻘﻮس، أو ﻓﻠﻴﻘﻮس، أو ﻓﻴﻠﻴﺶ ﻛﻤﺎ ﻋﻨﺪ اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري.«
وﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﻠﻘﻴﺒﻪ ﺑﺬي اﻟﻘﺮﻧين ﻷﻧﻪ أﻣﺴﻚ ﺑﻘﺮﻧﻲ اﻟﺸﻤﺲ، ﻓﺘﺬﻛﺮﻧﺎ ﺑﺎﻟﺸﻤﺲ المﴫﻳﺔ ذات اﻟﻘﺮﻧين، وﻣﺎ ﺳﺠﻠﺘﻪ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر ﻋﻦ ﻛﻮﻧﻪ ﺣﻤﻞ اﺳﻢ »ﻫﺮﻣﺰ«، ﻓﻠﻌﻠﻨﺎ ﻟﻢ ﻧﻨﺲَ ﺑﻌﺪ أن »ﻫﺮﻣﺰ« ﻛﺎن إﻟﻪ اﻟﺨير ﰲ اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ اﻟﺰرادﺷﺘﻴﺔ، وأﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﻠﺒﺲ ﺗﺎﺟًﺎ ذا ﻗﺮﻧين، وﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺴﺨير اﻟﺴﺤﺎب ﻟﻪ ﻳﺤﻤﻠﻪ ﺣﻴﺚ ﺷﺎء، ﻓﻼ ﺷﻚ أﻧﻬﺎ ﺗﺴﺘﺪﻋﻲ ﻓﻮرًا آﻟﻬﺔ اﻟﺨﺼﺐ »ﺣﺪاد« و»ﺑﻌﻞ« و»أدوﻧﻴﺲ« راﻛﺒﻲ اﻟﻐﻴﻮم أو اﻟﺴﺤﺐ، واﻹﺷﺎرة اﻟﱰاﺛﻴﺔ إﱃ أن أﺑﺎ ذي اﻟﻘﺮﻧين ﻛﺎن ﻣﻼﻛًﺎ وأﻣﻪ آدﻣﻴﺔ، ﺗﺬﻛﺮﻧﺎ ﺑﺎﻟﻘﺼﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﺴﺠﻬﺎ ﻛﻬﺎن ﻣﴫ، ﻟﻴﺘﻴﴪ ﻟﻺﺳﻜﻨﺪر
اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٩٦٦م، ص٥٣٥؛ اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ: أرﻧﻮﻟﺪ ﺗﻮﻳﻨﺒﻲ، ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻬﻴﻠﻴﻨﻴﺔ، اﻷﻧﺠﻠﻮ المﴫﻳﺔ، ١٩٦٣م، ص.١٤٧
99 ﻋﻦ اﻹﻟﻪ ﺣﺪاد ارﺟﻊ إﱃ ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ، اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص٢٦٤، .١١٠
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻣﴩوﻋﻴﺔ ﺣﻜﻤﻬﺎ، واﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮل: إن اﻹﻟﻪ »آﻣﻮن« ﻗﺪ ﺧﺎﻟﻂ أﻣﻪ »أوﻟﻴﻤﺒﺎس« وأﻧﺠﺐ ﻣﻨﻬﺎ »إﺳﻜﻨﺪر«، اﻟﺬي ﻛﺎن ﰲ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ اﺑﻦ »آﻣﻮن« وﻟﻴﺲ اﺑﻦ »ﻓﻴﻠﻴﺐ«، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﺑﺪوره ﻋﺎﻣﻼً أﻛﺪ ﻣﴫﻳﺘﻪ.
وﺑﺎلمﻄﺎﺑﻘﺔ ﻧﺠﺪ ﻟﺒﺲ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻟﺘﺎج المﻠﻮﻛﻴﺔ اﻟﴩﻗﻲ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، واﺣﺪًا ﻣﻦ اﻟﺘﻌﻠﻴﻼت اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﻟﻠﻘﺒﻪ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺣﺪث ﰲ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻲ، ﻛﻤﺎ ﻧﺠﺪ لمﺎ ﺟﺎء ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﻋﻦ ﺣﺞ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« ﻣﺎﺷﻴًﺎ إﱃ اﻟﻜﻌﺒﺔ المﻜﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﺗﻠﻘﺎه »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم«، ﺻﺪًى ﰲ ﺣﺞ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« إﱃ ﻛﻌﺒﺔ »آﻣﻮن« ﺣﻴﺚ ﺗﻠﻘﺎه ﻛﺒير اﻟﻜﻬﻨﺔ، واﻟﻔﺎرق اﻟﺰﻣﻨﻲ ﺑين ﻋﻬﺪ اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« وﻋﻬﺪ »اﻹﺳﻜﻨﺪر«، ﻳﻀﻊ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﻣﻮﺿﻊ اﻟﺮواﻳﺎت اﻟﺘﻠﻔﻴﻘﻴﺔ، واﻹﴎاﺋﻴﻠﻴﺎت ﻓﻴﻬﺎ أوﺿﺢ ﻣﻦ اﻟﺤﺎﺟﺔ ﻟﺒﻴﺎن، ﻓﻤﺎ أرﺟﻊ زﻣﺎن »ذي اﻟﻘﺮﻧين« أو »اﻹﺳﻜﻨﺪر« إﱃ زﻣﻦ اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ«، إﻻ ﻟﻴﺤﻜﻢ ﰲ ﺑﱤ ﺳﺒﻊ، ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﺘﻮراﺗﻴﺔ المﺸﻬﻮرة ﻋﻦ ﺧﻼف إﺑﺮاﻫﻴﻢ )ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم( ﻣﻊ »أﺑﻴﻤﺎﻟﻚ« اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ، وﻛﻴﻒ اﻧﺘﻬﻰ اﻷﻣﺮ إﱃ ﺗﻤﻜين »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« وذرﻳﺘﻪ ﻣﻦ ﺑﱤ ﺳﺒﻊ. وﻫﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﻳﻀﻌﻪ اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﺿﻤﻦ ﺣﻴﺜﻴﺎﺗﻬﻢ ﻻﻣﺘﻼك أرض ﻓﻠﺴﻄين. وﺟﺎء إﺧﺒﺎرﻳﻮﻧﺎ ﻋﺎﻓﺎﻫﻢ ﷲ ﻟيرﺟﻌﻮا ﺑﺬي اﻟﻘﺮﻧين إﱃ ﻋﻬﺪ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم« ﻟﻴﺤﻜﻢ ﻟﻠﻨﺴﻞ اﻟﻌﱪاﻧﻲ ﺑﺎﻟﺤﻖ ﰲ اﻷرض اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ.
وﻣﻦ ﺟﻬﺔ أﺧﺮى ﻧﺠﺪ ﻟﻸﺻﻞ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻲ أﺛﺮه ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ، ﻓﻜﻤﺎ ذﻫﺐ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« إﱃ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﻌﺘﻘﺪه المﴫﻳﻮن ﻣﻐﺮﺑًﺎ ﻟﻠﺸﻤﺲ، ذﻫﺐ »ذو اﻟﻘﺮﻧين« ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ إﱃ ﻣﻐﺮب اﻟﺸﻤﺲ، ﺣﻴﺚ وﺟﺪﻫﺎ ﺗﻐﺮب ﰲ ﻋين ﺣﻤﺌﺔ، وﻫﻮ اﻋﺘﻘﺎد المﴫي اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻧﻔﺴﻪ، ﺑﻞ إن المﺼﻮرات اﻟﺒﺎﻗﻴﺔ لمﺮﻛﺐ اﻟﺸﻤﺲ ﻫﺎﺑﻄًﺎ ﻧﺤﻮ المﻐﺮب، ﻳﻜﺎد ﻳﺸﺒﻪ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﰲ أن اﻟﺸﻤﺲ ﺗﺠﺮﻫﺎ المﻼﺋﻜﺔ ﻛﺎلمﺮﻛﺐ ﻧﺤﻮ المﻐﺮب.
وﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﻘﺮون أو ﺗﺎج آﻟﻬﺔ اﻟﺼﻮاﻋﻖ اﻟﺰراﻋﻴﺔ، ﻗﺪ ﺗﺨﻠﻔﺖ ﺑﺪورﻫﺎ ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻟﺖ: إﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﺰأر ﻛﺎﻷﺳﺪ المﻐﻀﺐ، ﻓﺘﻨﺒﻌﺚ ﻣﻦ ﻗﺮﻧﻴﻪ رﻋﻮد وﺑﺮوق وﺻﻮاﻋﻖ، وﻻ ﻧﻨﴗ أن ﻟﻘﺐ اﻹﻟﻪ ﺣين ﻳﺮﺳﻞ رﻋﻮده ﻫﻮ »رﻣﺎن« أي ﻳﺰأر. ﻛﺬﻟﻚ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻋين اﻟﺤﻴﺎة ﻟﻬﺎ ﰲ اﻟﻮاﻗﻊ ﺟﺬور، ﺣﻴﺚ وﺻﻞ »اﻹﺳﻜﻨﺪر« إﱃ ﺑﺤيرة »آﻣﻮن«، ﺑﻞ إن ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﺜﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وﺳﺘين ﻋﻴﻨًﺎ اﻟﺘﻲ ﻃﻠﺐ »ذو اﻟﻘﺮﻧين« ﻣﻦ أﺻﺤﺎﺑﻪ ﻏﺴﻞ أﺳﻤﺎﻛﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻟﻴﺴﺖ ﺳﻮى ﺻﺪى ﻟﻠﺘﻘﺴﻴﻢ المﴫي اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻷﻳﺎم اﻟﺴﻨﺔ إﱃ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وﺳﺘين ﻳﻮﻣًﺎ، إﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﺧﻤﺴﺔ أﻳﺎم ﻟﻠﻨﴘء ﺳﻤﻴﺖ ﺑﺄﺳﻤﺎء أﻋﻀﺎء أﴎة »أوزﻳﺮ« رب اﻟﺨﻠﻮد.
وﻣﻦ ﺟﻬﺔ أﺧﺮى ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ أن ﻧﺠﺪ ﺻﺪًى آﺧﺮ ﻟﻄﻠﺐ اﻟﺨﻠﻮد ﰲ المﻠﺤﻤﺔ اﻟﺮاﻓﺪﻳﺔ »ﺟﻠﺠﺎﻣﺶ« اﻟﺬي ذﻫﺐ ﻳﺴﻌﻰ ﻃﻠﺒًﺎ ﻟﻠﺨﻠﻮد، ﻣﻤﺜﻼً ﰲ ﻧﺒﺘﺔ ﺗﻨﻤﻮ ﰲ ﺑﻼد ﻏﺮﻳﺒﺔ، ﺳﺎﻓﺮ إﻟﻴﻬﺎ أﺻﻘﺎﻋًﺎ وزﻣﺎﻧًﺎ إﱃ أن وﺻﻞ إﻟﻴﻬﺎ، ﻟﻜﻦ »اﻟﺤﻴﺔ« ﴎﻗﺖ ﻣﻨﻪ اﻟﻨﺒﺘﺔ ﰲ ﺑﺮﻛﺔ ﻧﺰﻟﻬﺎ
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﻟﻴﺴﺘﺤﻢ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻜﺎد ﻳﻄﺎﺑﻘﻪ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻋﻦ ﻧﺰول »اﻟﺨﴬ« إﱃ اﻟﱪﻛﺔ وﻫﺮوب اﻟﺴﻤﻜﺔ ﻣﻨﻪ، ﻟﻜﻦ اﻟﺬي ﺧﴪ اﻟﺨﻠﻮد ﻫﻮ ذو اﻟﻘﺮﻧين. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﴍب »اﻟﺨﴬ« ﻣﻦ ﻣﺎء اﻟﺨﻠﻮد، ﻓﻜﺎن ﻫﻮ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌين؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻫﻮ ﺣﻲ ﻏﺎﺋﺐ. وﻗﺪ أﻓﺼﺤﺖ ﻣﻠﺤﻤﺔ »ﺟﻠﺠﺎﻣﺶ« ﻋﻦ اﻋﺘﻘﺎد راﻓﺪي اﺳﺘﻤﺮ زﻣﻨًﺎ ﻃﻮﻳﻼً ﺳﺠﻠﺘﻪ ﻋﻘﺎﺋﺪه، وﻫﻮ أن اﻵﻟﻬﺔ اﺣﺘﻔﻈﺖ ﺑﺎﻟﺨﻠﻮد وﺣﺮﻣﺖ ﻣﻨﻪ اﻹﻧﺴﺎن، واﻟﺤﻴﺔ ﺳﺎرﻗﺔ اﻟﻨﺒﺘﺔ اﻟﺨﺎﻟﺪة ﻫﻲ ﻛﻤﺎ ﻋﻠﻤﻨﺎ رﻣﺰ اﻷﻧﺜﻰ »ﺣﻴﺔ، ﺣﻮاء، ﺣﻴﺎ المﺮأة أو ﻓﺮﺟﻬﺎ ﻣﻔﺮز المﻮاﻟﻴﺪ ورﻣﺰ اﻟﻨﺒﺎت«، واﻟﻨﺒﺎت ﰲ المﻠﺤﻤﺔ رﻣﺰ اﻟﺨﻠﻮد، واﻟﻨﺒﺎت ﻳﻤﻮت وﻳﺤﻴﺎ ﰲ دورة داﺋﻤﺔ أﺑﺪًا ﻛﻞ ﻋﺎم، أﻣﺎ اﻹﻧﺴﺎن، إن ﻣﺎت ﻓﻼ ﻋﻮدة، ﻓﻘﻂ آﻟﻬﺔ اﻟﺨﴬة ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﻤﺘﻠﻚ ذﻟﻚ اﻻﻗﺘﺪار، وﻫﻮ ﻣﺎ أورد اﻟﱰاث ﺻﺪاه ﻣﻤﺜﻼً ﰲ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ المﺴﻤﺎة ﺑﺎﻟﺨﴬ وارﺗﺒﺎط اﺳﻤﻪ ﺑﺎﻟﺨﴬة، وﻛﺎن إذا ﺟﻠﺲ ﻋﲆ اﻟﻴﺒﺲ اﺧﴬ، وإذا ﺟﻠﺲ ﻋﲆ ﺻﻮف اﻟﺨﺮوف ذي اﻟﻘﺮﻧين ﺗﺤﻮل إﱃ ﺧﴬة زاﻫﻴﺔ،100 ﻛﻤﺎ أوردت ﻛﺘﺒﻨﺎ اﻟﱰاﺛﻴﺔ!
وﻻ ﻧﻨﴗ أن اﻟﺤﻴﺔ ﻇﻠﺖ ﰲ المﻘﺪﺳﺎت وراء ﺳﻠﺐ اﻟﺨﻠﻮد ﻣﻦ اﻹﻧﺴﺎن، وﻫﻲ أﻳﻀًﺎ رﻣﺰ اﻟﺤﻴﺎة واﻟﻨﺒﺎت، ﻓﻬﻲ ﺗﺤﻤﻞ ﻗﻴﻤﺔ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﻛﺎلمﺮأة، ﻓﻬﻲ ﰲ اﻟﺘﻮراة اﻟﺘﻲ أوﻋﺰت ﻷﺑﻮي اﻟﺒﴩ ﰲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺨﻠﺪ ﻟﻴﺄﻛﻼ ﻣﻦ ﻧﺒﺘﺔ المﻌﺮﻓﺔ، ﻓﺨﴪا اﻟﺨﻠﻮد وﻃﺮدﻫﻤﺎ اﻟﺮب ﻣﻦ ﺟﻨﺔ ﻋﺪن. ﻛﺬﻟﻚ ﻓﺈن »إﺑﻠﻴﺲ« ﰲ اﻟﱰاث اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ أراد إﻏﻮاء أﺑﻮي اﻟﺒﴩ ﺑﺎﻟﺜﻤﺮة المﺤﺮﻣﺔ ﰲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺨﻠﺪ، ﺗﻠﺒﺲ ﻫﻴﺌﺔ اﻟﺤﻴﺔ. واﻧﺘﻬﻰ اﻷﻣﺮ ﻫﻨﺎ أﻳﻀًﺎ ﺑﺨﴪان اﻟﺨﻠﺪ.
أﻣﺎ اﻟﺮﺣﻠﺔ إﱃ ﻣﻄﻠﻊ اﻟﺸﻤﺲ. ﻓﻴﺤﺘﻤﻞ أن المﻘﺼﻮد ﺑﻬﺎ ﺟﻐﺮاﻓﻴٍّﺎ ﺑﻼد اﻟﺼين وﺳﻮرﻫﺎ اﻟﻌﻈﻴﻢ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺗﺠﺪ ﻟﻪ ﺻﺪًى ﰲ أﺧﺒﺎر اﻟﱰاث، ﺑﺘﺄﻛﻴﺪﻫﺎ وﺻﻮل ذي اﻟﻘﺮﻧين إﱃ اﻟﺼين، واﻟﺴﻮر اﻟﻌﻈﻴﻢ ﻫﻮ اﺳﺘﺤﻜﺎﻣﺎت ﺗﻤﺘﺪ ﺣﻮاﱄ ٢٤٠ ﻛﻴﻠﻮﻣًﱰا، ﻋﱪ ﴍﻗﻲ اﻟﺼين، ﺑﺪأ ﺗﺸﻴﻴﺪه اﻹﻣﱪاﻃﻮر »ﺷﻦ ﻫﻮ أﻧﺠﺘﻲ« اﻟﺬي ﺣﻜﻢ ﻣﺎ ﺑين ﺳﻨﺔ ٢٤٦ وﺳﻨﺔ ٢٠٩ق.م. ﻟﻴﺤﻤﻲ ﺑﻼده ﻣﻦ المﺘﱪﺑﺮﻳﻦ اﻟﺸﻤﺎﻟﻴين101. وﳾء ﻫﺎﺋﻞ ﻛﻬﺬا ﻛﺎن ﻻ ﺑﺪ أن ﻳﺒﻬﺮ اﻟﺒﺪوي المﺮﺗﺤﻞ لمﺠﺮد اﻟﺴﻤﺎع ﺑﺄﻣﺮه، وﻛﻌﺎدة اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻛﺎن ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﳾء إﻋﺠﺎزي ﻹﻗﺎﻣﺔ ﻣﺜﻞ ﻫﺬا اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻓﻜﺎن ﻣﺤﺘﻤﻼً أن ﻳﻨﺴﺒﻪ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﻮن إﱃ ﻣﻦ ﺳﺒﻖ أن ﻋﺮﻓﻮه ﻓﺎﺗﺤًﺎ ﻣﻘﺘﺪرًا ﻛﺬي اﻟﻘﺮﻧين أو »اﻹﺳﻜﻨﺪر«، ﺣﺘﻰ إن اﻟﺴﺎﻣﻮر اﻟﻮارد ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﻛﻘﺎﻃﻊ ﻟﻠﺤﺪﻳﺪ واﻟﻨﺤﺎس، ﻟﻴﺲ ﰲ أﻏﻠﺐ أﻟﺴﻨﺔ ﴍﻗﻲ آﺳﻴﺎ ﺳﻮى اﻟﺤﺪ أو اﻟﻨﺼﻞ أو اﻟﺴﻴﻒ اﻟﻘﺎﻃﻊ.
100 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ج١، ص.٣٠٥ 101 المﻮﺳﻮﻋﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ المﻴﴪة ﰲ ﻣﺎدة ﺳﻮر.
وإذا ﻛﺎن ﻫﺬا اﻻﺣﺘﻤﺎل ﺻﺤﻴﺤًﺎ ﻓﺴﺘﻜﻮن أﻣﺔ »ﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج« ﻫﻢ أﻫﻞ ﺷﻤﺎل اﻟﺼين، اﻟﺬﻳﻦ ﺻﻮرﺗﻬﻢ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﺑﺎلمﺒﺎﻟﻐﺔ واﻟﺘﻬﻮﻳﻞ، واﻟﻐﺮﻳﺐ أن ﻧﺠﺪ ﺻﺪًى ﻟﻔﻜﺮة ﺧﻠﻘﻬﻢ ﻣﻦ ﻣﻨﻲ »آدم« ﰲ اﻟﺮواﻳﺔ المﴫﻳﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻋﻦ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎت اﻷوﱃ، اﻟﺘﻲ ﺟﺎءت ﻣﻦ ﻣﻨﻲ اﻹﻟﻪ »آﺗﻮم« ﱠلمﺎ اﺳﺘﻤﻨﻰ. أﻣﺎ اﻟﻨﻄﻖ اﻟﺼﺤﻴﺢ ﻻﺳﻢ اﻹﻟﻪ ﻓﻬﻮ »آﺗﻢ«، وﻳﻌﻨﻲ اﻟﺘﻤﺎم واﻟﻜﻤﺎل، وﺑﺘﺤﻮل اﻟﺘﺎء المﴫﻳﺔ إﱃ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﺑﻠﻬﺎ ﰲ اﻟﻠﻐﺎت اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﻳﺼﺒﺢ اﻻﺳﻢ »آﺗﻢ« ﻫﻮ »آدم102!«
وﺗﺄﺳﻴﺴًﺎ ﻋﲆ ﻫﺬه المﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻘﺮاﺋﻦ واﻟﺸﻮاﻫﺪ، ﻻ ﻧﺠﺪ ﻣﻨﺎﺻًﺎ ﻣﻦ اﻟﺘﺼﺪﻳﻖ ﻋﲆ اﺣﺘﺴﺎﺑﻨﺎ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« المﻌﺮوف ﻟﻌﺮب اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ، وﻣﺎ ﺟﻤﻌﻮه ﺣﻮﻟﻪ ﻣﻦ أﺳﺎﻃير ﺗﻐﺸﺖ ﺗﺮاﺛﻨﺎ، ﻫﻮ »ذو اﻟﻘﺮﻧين« اﻟﻘﺮآﻧﻲ ﻧﻔﺴﻪ، وﻫﻮ »اﻹﺳﻜﻨﺪر المﻘﺪوﻧﻲ« ﻧﻔﺴﻪ. وﻻ ﻳﺒﻘﻰ ﻣﺠﺎل ﻟﻺﺷﻜﺎل المﺜﺎر ﻟﻜﻮن المﻘﺪوﻧﻲ ﺗﻠﻤﻴﺬًا ﻷرﺳﻄﻮ اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف، ﻛﻤﺄﺧﺬ ﻳﺤﻂ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ، ﻣﻤﺎ ﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﻣﻌﻪ أن ﻳﻜﻮن ﻫﻮ »ذا اﻟﻘﺮﻧين«، ﺑﻞ اﻟﻌﻜﺲ ﻫﻮ اﻟﺼﺤﻴﺢ ﺗﻤﺎﻣًﺎ، ﻓﻼ ﺟﺪال أن ﺗﻠﻤﺬة »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻋﲆ »أرﺳﻄﻮ« ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﺻﻨﻌﺖ ﻣﻨﻪ ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ اﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻣﺼﺤﻮﺑًﺎ ﺑﺎﻟﺘﻬﺎوﻳﻞ، ﺣﺘﻰ ﻳﻘﻮل »ﻧﻮﻟﺪﻛﻪ« ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻵداب اﻟﴩﻗﻴﺔ: إن »اﻹﺳﻜﻨﺪر« ﻳﻌﺪ ﻗﺪﻳﺴًﺎ ﻣﺴﻴﺤﻴٍّﺎ ﻋﻈﻴﻤًﺎ ﰲ ﻣﻘﺪﺳﺎت المﺴﻴﺤﻴين اﻷﺣﺒﺎش ﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم103. ووﺟﻪ اﻟﻐﺮاﺑﺔ ﰲ ﻫﺬا اﻻﻋﺘﻘﺎد المﺴﻴﺤﻲ اﻟﺤﺒﴚ أن ﻗﺪﺳﻴﺔ المﺴﻴﺤﻲ ﻫﺬا ﻛﺎن ﺳﺎﺑﻘًﺎ ﻋﲆ ﻇﻬﻮر المﺴﻴﺤﻴﺔ والمﺴﻴﺢ ﺑﻘﺮون، واﺿﺢ أﻧﻬﺎ ذﻫﻨﻴﺔ اﻻﻋﺘﻘﺎد واﻟﺘﻘﺪﻳﺲ أﻳﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ وأﻳٍّﺎ ﻛﺎن ﻣﻮﺿﻮﻋﻬﺎ!
(3) اﻟﻜﺎﻓﺮان اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن وﺑﺨﺖ ﻧﴫ
ﻳﻘﻮل ﺗﻌﺎﱃ ﰲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﻜﺮﻳﻢ: ﴿ﻗَﺪْ ﻣَﻜَﺮَ ا ﱠﻟﺬِﻳﻦَ ﻣِﻦْ ﻗَﺒْﻠِﻬِﻢْ ﻓَﺄَﺗَﻰ ُﷲ ﺑُﻨْﻴَﺎﻧَﻬُﻢْ ﻣِﻦَ اﻟْﻘَﻮَاﻋِﺪِ﴾ )اﻟﻨﺤﻞ: (٢٦، واﻵﻳﺔ ﻫﻨﺎ ﺗﻬﺪد أﻫﻞ ﻣﻜﺔ ﺗﺮﻫﻴﺒًﺎ، وﺗﺬ ﱢﻛﺮﻫﻢ أﻧﻪ ﻣﻬﻤﺎ ﺑﻠﻎ ﻣﻜﺮﻫﻢ، ﻓﻠﻦ ﻳﻄﺎوﻟﻮا ﻣﻜﺮ اﻟﺴﺎﺑﻘين ﻣﻦ أﺻﺤﺎب اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺴﺎﻣﻘﺔ، وأوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﺑﻠﻐﻮا ﻣﻦ اﻟﻌﺘﻮ ﺣﺪٍّا ﻗﺎﻣﻮا ﻳﺒﻨﻮن ﻣﻌﻪ ﺑﺮﺟًﺎ ﺻﺎﻋﺪًا إﱃ اﻟﺴﻤﺎء، ﻳﺒﻐﻮن ﻣﻨﺎوأة رب اﻟﺴﻤﺎء وﻣﻨﺎﻓﺮﺗﻪ، ﻓﺮد ﷲ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻜﺮﻫﻢ، وأﺑﻄﻞ ﻛﻴﺪﻫﻢ ﺑﺄن ﻫﺪم ﺑﺮﺟﻬﻢ ﻋﲆ رءوﺳﻬﻢ ﻣﻦ ﻗﻮاﻋﺪه، واﻟﻘﺼﺔ
102 ﻓﺮاﻧﺴﻮا دوﻣﺎس: آﻟﻬﺔ ﻣﴫ، ﺗﺮﺟﻤﺔ زﻛﻲ ﺳﻮس، اﻟﻬﻴﺌﺔ المﴫﻳﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻜﺘﺎب، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٩٨٦م، ﺻﻔﺤﺎت ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ. اﻧﻈﺮ ﻣﺜﻼً ص.٥٧
103 ﻫﻮاﻣﺶ د. اﻟﺴﻴﺪ ﻳﻌﻘﻮب ﺑﻜﺮ ﻋﲆ ﻛﺘﺎب ﻣﻮﺳﻜﺎﺗﻲ، اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٣٩٢
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﺗﺮوﻳﻬﺎ ﻛﺘﺐ اﻟﺘﻔﺴير واﻷﺧﺒﺎر ﻋﻦ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﺻﻌﻮد ﻣﻠﻚ ﻫﺆﻻء اﻟﻘﻮم إﱃ اﻟﺴﻤﺎء ﻟﻴﻘﺘﻞ إﻟﻪ اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ.« ولمﺎ ﻟﻢ ﻳﺴﻌﻔﻪ اﻟﱪج ﻟﺒﻌﺪ ﺳﻤﺎء اﻟﺮب ﻋﻦ المﻄﺎوﻟﺔ، ﻫﺪاه ﻓﻜﺮه إﱃ اﻟﺼﻌﻮد ﺑﺄول ﻣﺮﻛﺒﺔ ﻓﻀﺎﺋﻴﺔ ﰲ ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺒﴩﻳﺔ، ﻓﻤﻦ ﻗﻤﺔ اﻟﱪج، ﺟﻠﺲ ﰲ ﺻﻨﺪوق ﺗﺤﻤﻠﻪ أرﺑﻌﺔ ﻧﺴﻮر أﺷﺪاء. وﻗﺪ ﻋﻘﺐ ﷲ ﺗﻌﺎﱃ ﻋﲆ ﺗﻠﻚ المﺤﺎوﻟﺔ ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﴿وَﻗَﺪْ ﻣَﻜَﺮُوا ﻣَﻜْﺮَﻫُﻢْ وَﻋِﻨْﺪَ ِﷲ ﻣَﻜْﺮُﻫُﻢْ وَإِنْ ﻛَﺎنَ ﻣَﻜْﺮُﻫُﻢْ ﻟِﺘَﺰُولَ ﻣِﻨْﻪُ اﻟْﺠِﺒَﺎلُ﴾ )إﺑﺮاﻫﻴﻢ: .(٤٦ وﻳﴩح »اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ« اﻵﻳﺎت المﺒﻴﻨﺔ ﺑﻘﻮﻟﻪ: إن اﻟﺠﺒﺎل ﻗﺪ ﺳﻤﻌﺖ ﺧﻔﻘًﺎ ﺷﺪﻳﺪًا ﻗﺎدﻣًﺎ ﻣﻦ اﻟﺴﻤﺎء، ﻓﻈﻨﺖ أن أﻣﺮًا ﺟﻠﻼً ﻗﺪ ﺣﺪث ﰲ اﻟﺴﻤﺎء، أو أن اﻟﺴﺎﻋﺔ ﻗﺪ دﻧﺖ وﺣﺎن وﻗﺖ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﻓﻜﺎدت ﺗﺰول أي ﺗﺘﺰﻟﺰل ﻓﺰﻋًﺎ وﻓﺮﻗًﺎ104. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻣﻜﺮ أو اﺧﱰاع أوﻟﺌﻚ اﻟﻜﺎﻓﺮﻳﻦ، ﻓﻜﺎن اﻟﺼﻮت المﺪوي ﻫﻮ ﺻﻮت المﺮﻛﺒﺔ اﻟﻌﺎﺋﺪة ﻣﻦ ﻣﻬﻤﺘﻬﺎ اﻻﺳﺘﻄﻼﻋﻴﺔ واﻟﻘﺘﺎﻟﻴﺔ. أﻣﺎ راﺋﺪ اﻟﻔﻀﺎء ذاك، ﻓﻬﻮ ﻣﻦ ﺳﺠﻠﺘﻪ ﻟﻨﺎ ﻛﺘﺒﻨﺎ اﻟﱰاﺛﻴﺔ ﻛﺄﺣﺪ أرﺑﻌﺔ ﻣﻠﻮك ﺣﻜﻤﻮا اﻷرض ﻛﻠﻬﺎ ﺑﺎﺳﻢ »اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن«، وﻛﺎﻧﺖ ﻋﺎﺻﻤﺘﻪ، أي ﻋﺎﺻﻤﺔ اﻷرض ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﰲ ﻇﻞ ﻣﻠﻜﻪ ﻫﻲ ﻣﻮﻃﻨﻪ »ﺑﺎﺑﻞ« ﺑﺎﻟﻌﺮاق اﻟﻘﺪﻳﻢ. وﻟﻠﻘﺼﺔ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﻣﺸﻮﻗﺔ وﻣﻨﻤﻨﻤﺎت ﻣﺜيرة وأﺣﺪاث ﻣﺪﻫﺸﺔ وﻋﺠﻴﺒﺔ، وﻫﻲ ﰲ ﻣﺠﻤﻠﻬﺎ ﻋﻈﺔ وﻋﱪة ورﻋﺐ ﻟﻠﻜﺎﻓﺮﻳﻦ. أﻣﺎ ﻧﻬﺎﻳﺘﻬﺎ ﻓﺴﻌﺎدة ﻏﺎﻣﺮة ﻟﻠﻤﺆﻣﻨين، لمﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﺼﻮﻳﺮ ﻟﻠﻨﻬﺎﻳﺔ اﻟﻔﺎﺟﻌﺔ اﻟﺘﻲ اﻧﺘﻬﻰ إﻟﻴﻬﺎ المﻠﻚ اﻟﺒﺎﺑﲇ وأﻫﻠﻪ ﻣﻦ اﻟﻀﺎﻟين.
اﻵن، وﺑﻌﺪ وﻗﺖ ﻗﻀﻴﻨﺎه ﻣﻊ المﻠﻜين المﺆﻣﻨين: »ﺳﻠﻴﻤﺎن ﺑﻦ داود«، و»ذي اﻟﻘﺮﻧين«، وﻣﻊ ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﺸﺄﻧﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﻛﻠﻢ ﺟﻠﻴﻞ ﺑﺎﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ، وﻣﺎ ﻟﺤﻖ اﻟﻜﻠﻢ ﻣﻦ ﻛﻼم اﻷﺣﺎدﻳﺚ واﻟﺘﻔﺴير واﻷﺧﺒﺎر واﻟﺴير ﰲ ﺗﺮاﺛﻨﺎ اﻟﺜﺮي ﺑﺎﻟﺮاﺳﺐ اﻟﺜﻘﺎﰲ ﻟﻸﻣﺔ، إﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﻣﺎ ﻋﻤﺪﻧﺎ إﻟﻴﻪ — وﰲ اﻟﻌﻤﺪ ﻗﺼﺪ — ﻣﻦ ﴎد ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﻤﻘﺪﺳﺎت أﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎب ﺣﻮل المﻠﻚ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« — وﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻓﻴﻬﺎ ﺧﱪ ﻋﻦ »ذي اﻟﻘﺮﻧين« — ﺑﻐﺮض ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ أﺧﺒﺎر اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس المﻌﺎﻳﻨﺔ اﻟﻨﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﺠﻬﺎﻟﺔ، وﺑﻬﺪف اﻟﻜﺸﻒ ﻋﻤﺎ ﺑﺨﱪﻫﻢ ﻣﻦ ﻧﻜﺎرة، وﺑﻐﻴﺔ ﻫﺘﻚ ﻧﻜﺎراﺗﻬﻢ اﻟﺘﻲ ﻟﺒﺴﺖ أردﻳﺔ إﺳﻼﻣﻴﺔ وﺗﺰاﺣﻤﺖ ﺑﻬﺎ ﻣﺼﺎدرﻧﺎ اﻟﱰاﺛﻴﺔ وﻋﺠﺖ؛ وﻣِﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻓﻼ ﺑﺄس ﻫﻨﺎ، وﻧﺤﻦ ﻋﲆ ﻣﻮﻋﺪ ﻣﻊ ﻛﺎﻓﺮَﻳﻦ ﻣﻦ اﻟﻌﺘﺎة، أن ﻧﺴﺘﻤﺮ ﻋﲆ درﺑﻨﺎ واﺛﻘين، وﻧﻠﺘﺰم ﻣﻨﻬﺠﻨﺎ ﻏير ﻫﻴﱠﺎﺑين، وﻟﻜﻦ، ﻷن ﻟﻠﻨﻔﺲ ﺻﺒﻮاﺗﻬﺎ اﻹﻳﻤﺎﻧﻴﺔ، وﻷﻧﻬﺎ ﺗﻌﺎف اﻟﻜﻔﺮ، وﻣﻨﻪ ﺗﻨﻔﺮ وﺗﺄف، ﻓﻼ ﺟﻨﺎح إذن ﻋﻠﻴﻨﺎ إن ﻗﺪﻣﻨﺎ أﻣﺮ اﻟﻜﺎﻓﺮﻳﻦ ﰲ ﻋﺠﺎﻟﺔ ﻧﻮﺟﺰ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻘﻮل، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﺛﻤﺔ ﺳﺒﺐ آﺧﺮ ﻟﻺﻳﺠﺎز، ﻳﺪﻓﻊ إﻟﻴﻪ ﻗًﴪا ﻧﺪرة ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﺸﺄﻧﻬﻤﺎ ﰲ المﺼﺎدر. ﻣﻤﺎ ﺟﻌﻞ
104 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﻋﺮاﺋﺲ المﺠﺎﻟﺲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٣٩
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
اﻻﺳﺘﻔﺎﺿﺔ إﻧﺸﺎء ﻟﻢ ﻧﻌﺘﺪه ﻣﻊ ﻗﺎرﺋﻨﺎ، ﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﻳُﻌﺰﻳﻨﺎ أﻧﻪ رﺑﻤﺎ ﺣﺴﻤﻨﺎ ﺑﺸﺄﻧﻬﻤﺎ أﻣﺮًا، أو أﻓﺪﻧﺎ اﻟﻘﺎرئ ﻣﻦ ﻗﺼﺘﻬﻤﺎ ﺧًﱪا، اﺳﺘﺠﻼء لمﺎ ﰲ اﻟﺨﱪ ﻣﻦ ﻋﱪ.
واﻟﻜﺎﻓﺮ اﻷول »اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن« وإن ﺗﻜﱪ وﺗﺠﱪ، ﻓﻼ ﺑﺄس ﰲ ﺿﻮء ﻣﺮﻛﺰﻳﺎت اﻷﻣﻢ اﻟﺴﻮاﻟﻒ، وﰲ ﻇﻞ المﻨﻄﻖ اﻟﱰاﺛﻲ، ﻟﻜﻦ اﻟﻨﻜﺎﻳﺔ ﰲ ﺧﱪ اﻟﻨﻤﺮوذ أﻧﻪ لمﺎ ﻣﻠﻚ اﻷرض ﻛﻠﻬﺎ اﻏﱰ، وﻇﻦ أﻧﻪ ﻻ ﻧﺪ ﻟﻪ ﻳﺪاﻧﻴﻪ، ﻓﺘﺄﻟﻪ وادﻋﻰ ﻣﻦ اﻷﻣﺮ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻤﻠﻚ، ورﺑﻤﺎ ﻋﺬر اﻟﺮﺟﻞ ﻋﺎذر، وﻫﻮ ﻳﺮاه ﺟﺎﻟﺴًﺎ ﻋﲆ ﻋﺮش اﻟﻜﻮﻛﺐ اﻷرﴈ، وﻳﻠﺒﺲ ﺗﺎﺟًﺎ ﻻ ﻳﻨﺎﻓﺴﻪ آﺧﺮ وﻻ ﻳﻄﺎوﻟﻪ، ﻟﻜﻦ ﻟﻮ ﻟﻢ ﺗﺄﺗﻪ اﻟﺒﻴﻨﺔ ﻟﻜﺎن اﻟﻌﺬر ﻣﻘﺒﻮﻻً، ﻓﻘﺪ أرﺳﻞ إﻟﻴﻪ رب اﻟﻌﺎلمين ﻳﻌﻠﻤﻪ ﺑﺄﻣﺮه، وﺑﺄن ﻣﻠﻚ ﷲ أﻋﻈﻢ، وأن اﻟﻨﻤﺮوذ ﻟﻴﺲ ﰲ ﻣﻠﻚ ﷲ إﻻ ﻣﺨﻠﻮﻗًﺎ ﺿﻌﻴﻔًﺎ، وﻗﺪ ﺣﻤﻞ ﷲ ﺗﻠﻚ اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻟﺼﻔﻴﻪ وﺧﻠﻴﻠﻪ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم«؛ ﻟﻴﻌﺮف اﻟﻨﻤﺮوذ أن ﻫﻨﺎك ﻣﻦ ﻫﻮ أﻋﻈﻢ، وأن ﻳﻌﱰف ﻟﻪ، ﺑﺄن ﻳﻨﺴﺤﺐ ﻣﻦ ﻣﻴﺪان اﻷﻟﻮﻫﻴﺔ وﻳﺴﺤﺐ ادﻋﺎءه، وإﻻ أﺛﺒﺖ ﻟﻪ أﻳﻬﻤﺎ ﻫﻮ اﻟﺮب ﺣﻘٍّﺎ، وﺗﺮوي آﻳﺎت ﻛﺘﺎب ﷲ ﻛﻴﻒ واﺟﻪ ﻧﺒﻲ ﷲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« ذﻟﻚ اﻟﺪﻋﻲ وأﻟﺰﻣﻪ اﻟﺤﺠﺔ، وأﻓﺤﻤﻪ ﺑﺎﻟﱪﻫﺎن المﺒين، ﺑﺸﺠﺎﻋﺔ ﺗﻠﻴﻖ ﺑﺨﻠﻴﻞ رب اﻟﻌﺎلمين، وذﻟﻚ ﰲ ﻗﻮﻟﻪ
ﺗﻌﺎﱃ: ﴿أَﻟَﻢْ ﺗَﺮَ إَِﱃ ا ﱠﻟﺬِي ﺣَﺎ ﱠج إِﺑْﺮَاﻫِﻴﻢَ ِﰲ رَﺑﱢﻪِ أَنْ آﺗَﺎهُ ُﷲ اﻟْﻤُﻠْﻚَ إِذْ ﻗَﺎلَ إِﺑْﺮَاﻫِﻴﻢُ رَﺑﱢﻲَ ا ﱠﻟﺬِي
ﻳُﺤْﻴِﻲ وَﻳُﻤِﻴﺖُ ﻗَﺎلَ أَﻧَﺎ أُﺣْﻴِﻲ وَأُﻣِﻴﺖُ ﻗَﺎلَ إِﺑْﺮَاﻫِﻴﻢُ ﻓَﺈِ ﱠن َﷲ ﻳَﺄْﺗِﻲ ﺑِﺎﻟ ﱠﺸﻤْﺲِ ﻣِﻦَ اﻟْﻤَِْﴩقِ ﻓَﺄْتِ ﺑِﻬَﺎ ﻣِﻦَ اﻟْﻤَﻐْﺮِبِ ﻓَﺒُﻬِﺖَ ا ﱠﻟﺬِي ﻛَﻔَﺮَ وَُﷲ ﻻَ ﻳَﻬْﺪِي اﻟْﻘَﻮْمَ اﻟ ﱠﻈﺎﻟِﻤِيَن﴾ )اﻟﺒﻘﺮة: .(٢٥٨
ورﻏﻢ أن اﻵﻳﺔ ﻗﺪ ﺗﺤﺪﺛﺖ ﻋﻦ المﻠﻚ ﻏﻔﻼً ﻣﻦ أﻳﺔ ﺗﺴﻤﻴﺔ أو ﺗﻌﺮﻳﻒ، وﻟﻢ ﻳﺄتِ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﺑﺎﺳﻤﻪ ﴏﻳﺤًﺎ ﰲ أي ﻣﻦ آﻳﺎﺗﻪ، ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻗﺪ ﻋﻠﻤﻨﺎ ﺑﺄﻣﺮه وﺗﻌﺮﻓﻨﺎ اﺳﻤﻪ ﻣﻦ ﴍوح المﻔﴪﻳﻦ ورواة اﻷﺣﺎدﻳﺚ، ﻓﻴﴩح اﻟﺤﺎﻓﻆ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﺷﻴﺦ ﻃﺒﻘﺔ المﻔﴪﻳﻦ اﻵﻳﺔ ﺑﻘﻮﻟﻪ: »ﻳﺬﻛﺮ ﺗﻌﺎﱃ ﻣﻨﺎﻇﺮة ﺧﻠﻴﻠﻪ ﻣﻊ ﻫﺬا المﻠﻚ اﻟﺠﺒﺎر المﺘﻤﺮد اﻟﺬي ادﻋﻰ ﻟﻨﻔﺴﻪ اﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ، ﻓﺄﺑﻄﻞ اﻟﺨﻠﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم دﻟﻴﻠﻪ، وﺑ ﱠين ﻛﺜﺮة ﺟﻬﻠﻪ وﻗﻠﺔ ﻋﻘﻠﻪ، وأﻟﺠﻤﻪ اﻟﺤﺠﺔ وأوﺿﺢ ﻟﻪ ﻃﺮﻳﻖ المﺤﺠﺔ، ﻗﺎل المﻔﴪون وﻏيرﻫﻢ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎء اﻟﻨﺴﺐ واﻷﺧﺒﺎر: وﻫﺬا المﻠﻚ ﻫﻮ ﻣﻠﻚ ﺑﺎﺑﻞ واﺳﻤﻪ اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن … وﻛﺎن أﺣﺪ ﻣﻠﻮك اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺪ ﻣﻠﻚ اﻟﺪﻧﻴﺎ … وذﻛﺮوا أن اﻟﻨﻤﺮوذ ﻫﺬا ﻗﺪ اﺳﺘﻤﺮ ﰲ ﻣﻠﻜﻪ أرﺑﻌﻤﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ، وﻛﺎن ﻗﺪ ﻃﻐﻰ وﺗﺠﱪ وآﺛﺮ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺪﻧﻴﺎ105«.
105 اﺑﻦ ﻛﺜير، اﻟﺒﺪاﻳﺔ واﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٣٩
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
وأﻛﺪ المﻌﻨﻰ ﻧﻔﺴﻪ »ﻧﻌﻤﺔ ﷲ اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »إن اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن ﻫﻮ أول ﻣﻦ ﺗﺠﱪ وادﻋﻰ اﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ106«. وﻛﺎن »اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري« ﻗﺪ ﺳﺒﻖ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ إﱃ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﺗﻠﻚ المﻌﺎﻧﻲ ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »وﻛﺎن ﻧﻤﺮوذ أول ﻣﻦ وﺿﻊ ﻋﲆ رأﺳﻪ ﺗﺎﺟًﺎ وﺗﺠﱪ ﰲ اﻷرض ودﻋﺎ اﻟﻨﺎس إﱃ ﻋﺒﺎدﺗﻪ، وﻛﺎن ﻟﻪ ﻛﻬﺎن وﻣﻨﺠﻤﻮن، ﻓﻘﺎﻟﻮا ﻟﻪ: إﻧﻪ ﻳﻮﻟﺪ ﰲ ﺑﻠﺪك ﻫﺬه اﻟﺴﻨﺔ ﻏﻼم ﻳﻐير دﻳﻦ أﻫﻞ اﻷرض، وﻳﻜﻮن ﻫﻼﻛﻚ وزوال ﻣﻠﻜﻚ ﻋﲆ ﻳﺪﻳﻪ، وﻳﻘﺎل إﻧﻬﻢ وﺟﺪوا ذﻟﻚ ﰲ ﻛﺘﺐ اﻷﻧﺒﻴﺎء … ﻓﺄﻣﺮ ﻧﻤﺮوذ ﺑﺬﺑﺢ ﻛﻞ ﻏﻼم ﻳﻮﻟﺪ ﰲ ﺗﻠﻚ اﻟﻨﺎﺣﻴﺔ107«. ﻟﻜﻦ ﷲ ﺗﻌﺎﱃ ﻳﻨﺠﻲ اﻟﻄﻔﻞ المﻘﺼﻮد ﰲ اﻟﻨﺒﻮءة، ﺣﺘﻰ ﻳﺘﺴﻨﻰ ﻟﻪ اﻟﻘﻴﺎم ﺑﺎﻟﺪور المﻘﺪور، وﻛﺎن ﻫﺬا اﻟﻐﻼم ﻫﻮ اﻟﺬي اﺗﺨﺬه ﷲ ﺻﺪﻳﻘًﺎ وﺧﻠﻴﻼً، اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم.«
ﺑﻌﺾ المﻨﻄﻖ
والمﺘﻤﻌﻦ ﰲ ﻛﻼم ﷲ — وﻣﻄﻠﻮب ﻣﻦ المﺆﻣﻦ أن ﻳﺘﻤﻌﻦ — ﻳﺪﻫﺸﻪ ذﻟﻚ المﻮﻗﻒ ﺑين رﺟﻠين: أﺣﺪﻫﻤﺎ ﺟﺒﺎر ﻳﻤﻠﻚ ﻣﺎ ﺑين اﻟﺨﺎﻓﻘين، واﻵﺧﺮ ﻳﺎﻓﻊ ﺗﺠﺎوزت ﺑﻪ ﺻﺒﻮات اﻟﺮوح إﱃ اﻟﻄﻤﻮح ﻷﻣﺮ ﻋﻈﻴﻢ، واﻵﻳﺎت ﺗﻀﻊ أﻣﺎﻣﻨﺎ ﺻﻮرة ﺧﻠﻴﻘﺔ ﺑﻜﻠﻴﻬﻤﺎ، وﻫﻲ رﻏﻢ إﻏﻔﺎﻟﻬﺎ اﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﺎلمﻠﻚ، ﻣﻊ اﻹﻫﻤﺎل واﻻﺳﺘﻬﺎﻧﺔ »أﻟﻢ ﺗﺮ إﱃ اﻟﺬي ﺣﺎج إﺑﺮاﻫﻴﻢ؟« ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻮﺿﺢ ﻣﻮﻗﻒ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« اﻟﺤﺎزم اﻟﺼﺎرم، ﻓﺈن ﻛﺎن المﻠﻚ ﻳﺴﺘﻨﺪ إﱃ وﺣﺪاﻧﻴﺘﻪ ﰲ ﻣﻠﻚ اﻷرض، ﻓﺈن »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« ﻳﺴﺘﻨﺪ إﱃ ﻳﻘين ﺑﻮﺣﺪاﻧﻴﺔ ﻣﻠﻚ اﻷرض واﻟﺴﻤﺎء، ﻟﻜﻦ ﻣﻨﺒﻊ اﻟﻐﺮاﺑﺔ ﻫﻨﺎ، ﻫﻮ أن ﻳﺴﻤﺢ المﻠﻚ المﻨﻌﻮت ﺑﺎﻟﺠﺒﺎر — ﰲ ﺗﺮاﺛﻨﺎ — ﻟﺸﺎب ﰲ ﺳﻦ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم أن ﻳﻄﺎوﻟﻪ، وأن ﻳﺴﻤﺢ ﻟﺬاﺗﻪ ﰲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺎﻟﺘﺒﺴﻂ ﻣﻌﻪ ﻛﻞ ﻫﺬا اﻟﺘﺒﺴﻂ، ﻣﻊ ﻣﺎ ذﻫﺐ إﻟﻴﻪ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« ﰲ المﺤﺎﺟﺔ ﻣﻦ ﻣﺪًى، إذ ﺗﺠﺮأ ﻋﲆ ذات المﻠﻚ وﻣﺎ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﻼل وﻗﺪاﺳﺔ ﰲ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﺼﻮر، ﺑﻞ وﺗﻔﻬﻤﻨﺎ اﻵﻳﺎت اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺑﺼﺪق اﻟﺘﻨﺰﻳﻞ أن »إﺑﺮاﻫﻴﻢ« ﻛﺎن ﻫﻮ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻜﻠﻤﺔ ﻣﻦ اﻟﺒﺪاﻳﺔ إﱃ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﻓﻬﻮ اﻟﺬي اﺑﺘﺪر المﻠﻚ ﺑﺎﻟﺴﺆال المﺘﺤﺪي، وﻫﻮ اﻟﺬي أﻏﻠﻖ اﻟﺠﺪل، وﻣﺎ ﺑين اﻟﺒﺪء والمﻨﺘﻬﻰ ﻗﺎم ﺑﺘﺴﻔﻴﻪ المﻠﻚ وﻣﺮﻛﺰه، ﺑﻌﺪ أن ﴏح ﻟﻪ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم« أﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﱰف ﺑﺴﻴﺎدﺗﻪ ﻷﻧﻪ إﻧﻤﺎ ﻳﺪﻳﻦ ﺑﺎﻟﻮﻻء لمﻠﻚ آﺧﺮ أﻋﻈﻢ ﺷﺄﻧًﺎ، ﻳﻤﻜﻨﻪ أن ﻳﺄﺗﻲ ﻣﻦ اﻷﻋﺎﺟﻴﺐ ﻣﺎ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻪ اﻟﻨﻤﺮوذ، وﻛﺎن ﻃﺒﻴﻌﻴٍّﺎ أن ﻳﻌﺠﺐ »اﻟﻨﻤﺮوذ« وﻫﻮ ﻳﻌﻠﻢ
106 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١١٥ 107 107 اﻟﺜﻌﻠﺒﻲ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٧٣
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
أﻧﻪ ﻻ ﻣﻠﻚ ﺳﻮاه ﻋﲆ ﻋﺮش المﻌﻤﻮرة، ﻟﻜﻦ ﻃﺒﻴﻌﻲ أﻳﻀًﺎ أن ﻧﺘﻌﺠﺐ ﺑﺪورﻧﺎ ﻟﻠﻨﻤﺮوذ وﻫﻮ ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺘﻠﻚ المﻨﺎﻗﺸﺔ أﺻﻼً، وﻳﻔﺘﺢ أﺑﻮاب ﻗﴫه ﻟﻠﻤﺘﺤﺪي، وﻳﻌﻄﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﻮﻗﺖ واﻷﻧﺎة واﻟﺼﱪ ﻟﻴﻌﱪ ﻋﻤﺎ ﻳﺮﻳﺪ ﺑﻼﻏﻪ. وﻣﺎ ﺗﺨﱪﻧﺎ ﺑﻪ اﻵﻳﺎت ﻳﺴﻤﺢ ﻟﻨﺎ ﺑﺘﺼﻮر ﻣﺎ ﺟﺒﻞ ﻋﻠﻴﻪ المﻠﻚ ﻣﻦ ﻃﺒﺎع، وﺗﻮﺿﺢ ﺑﻼ ﻟﺒﺲ ﺷﻜﻞ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻴﺎﳼ والمﺪى المﺴﻤﻮح ﺑﻪ ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺎت، ﰲ ﻇﻞ دوﻟﺔ ﻣﻮﺻﻮﻓﺔ ﺑﺎﻟﺘﺠﱪ واﻟﺒﻄﺶ، واﻟﺪﻳﻜﺘﺎﺗﻮرﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻤﻊ اﻟﺴﻠﻄﺎن اﻟﺮوﺣﻲ ﻣﻊ اﻟﺰﻣﻨﻲ ﰲ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﺻﺎرﻣﺔ. وﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ، ﻓﺈن رواﻳﺔ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻋﻦ »اﻟﻨﻤﺮوذ«، وﻋﺪم اﺳﺘﻨﻜﺎﻓﻬﺎ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ اﻟﺮﺟﻞ وﻣﻮﻗﻔﻪ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﻳﺎت، أﻣﺮ — ﻻ ﻣﺸﺎﺣﺔ — ﻳﻌﱪ ﻋﻦ اﻟﻨﺰاﻫﺔ المﻄﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺘﻨﺰﻳﻞ المﺒين، وﻣﺼﺪاﻗﻴﺔ اﻟﻜﻠﻢ اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﻊ اﻟﺤﺪث وواﻗﻌﻪ دون ﺗﺰوﻳﻖ.
وﻻ ﻳﺨﻔﻰ أن ﻣﺜﻞ ﻫﺬه المﻄﺎرﺣﺔ اﻟﺠﺪﻟﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﻤﺢ ﺑﻬﺎ المﻠﻚ اﻟﻨﻤﺮوذ، ﻛﺎﻧﺖ ﻛﻔﻴﻠﺔ ﺑﺰﻟﺰﻟﺔ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮري ﻣﻦ أﺳﺴﻪ؛ ﻷﻧﻪ اﻧﺘﻘﺺ اﻟﺒﻨﺪ اﻷول ﰲ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﻳﺔ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺣﺪث ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ — ﺣﺴﺒﻤﺎ ﻳﺨﱪﻧﺎ اﻹﺧﺒﺎرﻳﻮن — ﻓﺎﻧﻬﺎرت المﻤﻠﻜﺔ وﺗﺸﺘﺖ أﻫﻞ اﻷرض واﻧﻘﺴﻤﻮا ﺷﻴﻌًﺎ وﺷﻌﻮﺑًﺎ ﻣﺘﻨﺎﻓﺮة، ﺑﻌﺪ اﻟﺤﺪث اﻟﻬﺎﺋﻞ واﻧﻬﻴﺎر ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ وﺗﺒﻠﺒﻞ اﻷﻟﺴﻦ ﺑﻌﺪ أن ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺴﺎﻧًﺎ واﺣﺪًا وﻋﻘﻴﺪة واﺣﺪة وﺣﻜﻮﻣﺔ واﺣﺪة، ﻛﻤﺎ اﻧﺘﻬﻰ المﻠﻚ »اﻟﻨﻤﺮوذ« ﻧﻔﺴﻪ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻣﺰرﻳﺔ وﻟﻜﻦ ﺑﻌﺪ ﻋﺬاب أﻟﻴﻢ، ﺣﺘﻰ ﺗﻄﻴﺐ أﻧﻔﺲ المﺆﻣﻨين، وﻟﻮ ﺷﺎء رﺑﻚ ﻟﺠﻌﻞ اﻟﻨﺎس أﻣﺔ واﺣﺪة، ﻟﻜﻦ ﻣﺸﻴﺌﺘﻪ ﻗﺪرت ﻏير ذﻟﻚ، وﻣﺎ ﺷﺎء ﻗﺪر.
وﻟﻠﻘﺼﺔ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ، ﺗﺤﺘﺎج إﱃ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﺪﻗﻴﻖ.
ﺗﻨﺘﴩ ﻗﺼﺔ ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ ﰲ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ اﻧﺘﺸﺎرًا واﺳﻌًﺎ، وﻟﺘﺨﻔﻴﻒ المﺴﺎﺣﺔ واﻟﺠﺮﻋﺔ ﻧﻘﻒ ﻣﻊ »اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري« وﻫﻮ ﻳﻮﺟﺰ ﺑﺸﺄﻧﻬﺎ اﻟﻘﻮل: »إن اﻟﻨﻤﺮوذ اﻟﺠﺒﺎر لمﺎ ﺣﺎﺟﻪ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﰲ رﺑﻪ، ﻗﺎل: إن ﻛﺎن ﻣﺎ ﻳﻘﻮل إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺣﻘٍّﺎ، ﻓﻼ أﻧﺘﻬﻰ ﺣﺘﻰ أﻋﻠﻢ ﻣَﻦ ﰲ اﻟﺴﻤﺎء؟ ﻓﺒﻨﻰ ﴏﺣًﺎ ﻋﻈﻴﻤًﺎ ﻋﺎﻟﻴًﺎ ﺑﺒﺎﺑﻞ، ورام ﻣﻨﻪ اﻟﺼﻌﻮد إﱃ اﻟﺴﻤﺎء ﻟﻴﻨﻈﺮ إﱃ إﻟﻪ إﺑﺮاﻫﻴﻢ )ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺰﻋﻢ( … ﺛﻢ ﻋﻤﺪ إﱃ أرﺑﻌﺔ أﻓﺮاخ ﻣﻦ اﻟﻨﺴﻮر ﻓﻌﻠﻔﻬﺎ اﻟﻠﺤﻢ واﻟﺨﺒﺰ ﺣﺘﻰ ﺷﺒﺖ واﺳﺘﻔﺤﻠﺖ، ﺛﻢ ﻗﻌﺪ ﰲ ﺗﺎﺑﻮت وﻣﻌﻪ ﻏﻼم وﻗﺪ ﺣﻞ ﻗﻮﺳﻪ وﻧﺸﺎﺑﻪ، وﺟﻌﻞ ﻟﺬﻟﻚ اﻟﺘﺎﺑﻮت ﺑﺎﺑًﺎ ﻣﻦ أﻋﻼه وﺑﺎﺑًﺎ ﻣﻦ أﺳﻔﻠﻪ، ﺛﻢ رﺑﻂ اﻟﺘﺎﺑﻮت ﺑﺄرﺟﻞ اﻟﻨﺴﻮر وﻋﻠﻖ اﻟﻠﺤﻢ ﻋﲆ ﻋﺼﺎ ﻓﻮق اﻟﺘﺎﺑﻮت، ﺛﻢ ﺧﲆ ﻋﲆ اﻟﻨﺴﻮر ﻓﻄﺎرت وﺻﻌﺪت ﻃﻤﻌًﺎ ﰲ اﻟﻠﺤﻢ، ﺣﺘﻰ أﺑﻌﺪت ﰲ اﻟﻬﻮاء، ﻓﻘﺎل اﻟﻨﻤﺮوذ ﻟﻔﺘﺎه: اﻓﺘﺢ اﻟﺒﺎب اﻷﻋﲆ واﻧﻈﺮ إﱃ اﻟﺴﻤﺎء، ﻫﻞ ﻗﺮﺑﻨﺎ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﻔﺘﺢ اﻟﺒﺎب وﻧﻈﺮ ﻓﺈذا اﻟﺴﻤﺎء ﻛﻬﻴﺌﺘﻬﺎ، ﺛﻢ ﻗﺎل: اﻓﺘﺢ اﻟﺒﺎب اﻷﺳﻔﻞ ﻓﺎﻧﻈﺮ إﱃ اﻷرض ﻛﻴﻒ ﺗﺮاﻫﺎ، ﻓﻔﺘﺢ ﻓﻘﺎل: أرى اﻷرض ﻣﺜﻞ اﻟﻠﺤﻴﺔ اﻟﺒﻴﻀﺎء واﻟﺠﺒﺎل ﻛﺎﻟﺪﺧﺎن، وﻃﺎرت اﻟﻨﺴﻮر وارﺗﻔﻌﺖ ﺣﺘﻰ اﻟﺮﻳﺢ ﺑﻴﻨﻬﺎ وﺑين اﻟﻄيران، ﻓﻘﺎل ﻟﻐﻼﻣﻪ: اﻓﺘﺢ اﻟﺒﺎﺑين، ﻓﻔﺘﺢ اﻷﻋﲆ ﻓﺈذا
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
اﻟﺴﻤﺎء ﻛﻬﻴﺌﺘﻬﺎ، وﻓﺘﺢ اﻟﺒﺎب اﻷﺳﻔﻞ ﻓﺈذا اﻷرض ﺳﻮداء ﻣﻈﻠﻤﺔ، وﻧﻮدي: أﻳﻬﺎ اﻟﻄﺎﻏﻲ اﻟﺒﺎﻏﻲ أﻳﻦ ﺗﺮﻳﺪ؟ ﻗﺎل ﻋﻜﺮﻣﺔ: ﻓﺄﻣﺮ ﻋﻨﺪ ذﻟﻚ ﻏﻼﻣﻪ ﻓﺮﻣﻰ ﺑﺴﻬﻢ ﻓﻌﺎد إﻟﻴﻪ اﻟﺴﻬﻢ ﻣﻠﻄﺨًﺎ ﺑﺎﻟﺪم ﻓﻘﺎل: ﻛﻔﻴﺖ ﺷﻐﻞ إﻟﻪ اﻟﺴﻤﺎء، واﺧﺘﻠﻔﻮا ﰲ ذﻟﻚ اﻟﺴﻬﻢ ﻣﻦ أي ﳾء ﺗﻠﻄﺦ؟ ﻓﻘﺎل ﻋﻜﺮﻣﺔ: ﻣﻦ ﺳﻤﻜﺔ ﰲ ﺑﺤﺮ ﻣﻌﻠﻖ ﰲ اﻟﻬﻮاء ﺑين اﻟﺴﻤﺎء واﻷرض، ﻗﺮﺑﺖ ﻧﻔﺴﻬﺎ إﱃ ﷲ ﺗﻌﺎﱃ وﻗﺎل ﺑﻌﻀﻬﻢ: أﺻﺎب اﻟﺴﻬﻢ ﻃﺎﺋﺮًا ﻣﻦ اﻟﻄير ﻓﺘﻠﻄﺦ ﺑﺪﻣﻪ، ﺛﻢ أﻣﺮ اﻟﻨﻤﺮوذ ﻏﻼﻣﻪ أن ﻳﺼﻮب اﻟﻌﺼﺎ وﻳﻨﻜﺲ اﻟﻠﺤﻢ، ﻓﻔﻌﻞ ذﻟﻚ، ﻓﻬﺒﻄﺖ اﻟﻨﺴﻮر ﺑﺎﻟﺘﺎﺑﻮت، ﻓﺴﻤﻌﺖ اﻟﺠﺒﺎل ﺧﻔﻖ اﻟﺘﺎﺑﻮت واﻟﻨﺴﻮر ﻓﻔﺰﻋﺖ، وﻇﻨﺖ أﻧﻪ أﻣﺮ ﺣﺪث ﰲ اﻟﺴﻤﺎء، وأن اﻟﺴﺎﻋﺔ ﻗﺎﻣﺖ، ﻓﺬﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﱃ: ﴿وَﻗَﺪْ ﻣَﻜَﺮُوا ﻣَﻜْﺮَﻫُﻢْ وَﻋِﻨْﺪَ ِﷲ ﻣَﻜْﺮُﻫُﻢْ وَإِنْ ﻛَﺎنَ ﻣَﻜْﺮُﻫُﻢْ ﻟِﺘَﺰُولَ ﻣِﻨْﻪُ اﻟْﺠِﺒَﺎلُ﴾ )إﺑﺮاﻫﻴﻢ: (٤٦ … ﺛﻢ إن ﷲ ﺗﻌﺎﱃ أرﺳﻞ رﻳﺤًﺎ ﻋﲆ ﴏح اﻟﻨﻤﺮوذ ﻓﺄﻟﻘﺖ ﺑﺮأﺳﻪ ﰲ اﻟﺒﺤﺮ، ﻓﺨﺮ ﻋﻠﻴﻬﻢ اﻟﺒﺎﻗﻲ واﻧﻘﻠﺒﺖ ﺑﻴﻮﺗﻬﻢ، وأﺧﺬت اﻟﻨﻤﺮوذ، رﻋﺪة، وﺗﺒﻠﺒﻠﺖ أﻟﺴﻦ اﻟﻨﺎس ﺣين ﺳﻘﻂ ﴏح اﻟﻨﻤﺮوذ ﻣﻦ اﻟﻔﺰع، ﻓﺘﻜﻠﻤﻮا ﺑﺜﻼﺛﺔ وﺳﺒﻌين ﻟﺴﺎﻧًﺎ؛ ﻓﻠﺬﻟﻚ ﺳﻤﻴﺖ ﺑﺎﺑﻞ ﻟﺘﺒﻠﺒﻞ اﻷﻟﺴﻦ ﻓﻴﻬﺎ108.«
وﻳﺒﺪو أن »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﻟﻢ ﻳﻌﺠﺒﻪ أن ﺗﺄﺧﺬ »اﻟﻨﻤﺮوذ« رﻋﺪة وﻳﻨﺘﻬﻲ اﻷﻣﺮ، أو ﻳﺪق ﻋﻨﻘﻪ ﻣﻊ ﻣﻦ دﻓﻦ ﺗﺤﺖ اﻟﱪج المﻨﻬﺎر، ﻓﻴﻮرد ﻋﻦ »زﻳﺪ ﺑﻦ ﺳﻠﻤﺔ:« »وﺑﻌﺚ ﷲ إﱃ ذﻟﻚ المﻠﻚ اﻟﺠﺒﺎر ﻣﻠﻜًﺎ ﻳﺄﻣﺮه ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎلله ﻓﺄﺑﻰ ﻋﻠﻴﻪ، ﺛﻢ دﻋﺎه ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻓﺄﺑﻰ ﻋﻠﻴﻪ، ﺛﻢ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻓﺄﺑﻰ ﻋﻠﻴﻪ، وﻗﺎل: اﺟﻤﻊ ﺟﻤﻮﻋﻚ وأﺟﻤﻊ ﺟﻤﻮﻋﻲ. ﻓﺠﻤﻊ اﻟﻨﻤﺮوذ ﺟﻴﺸﻪ وﺟﻨﻮده وﻗﺖ ﻃﻠﻮع اﻟﺸﻤﺲ، ﻓﺄرﺳﻞ ﷲ ﻋﻠﻴﻪ ذﺑﺎﺑًﺎ ﻣﻦ اﻟﺒﻌﻮض ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﺮوا ﻋين اﻟﺸﻤﺲ، وﺳﻠﻄﻬﺎ ﷲ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﺄﻛﻠﺖ ﻟﺤﻮﻣﻬﻢ ودﻣﺎءﻫﻢ، وﺗﺮﻛﺘﻬﻢ ﻋﻈﺎﻣًﺎ ﺑﺎﻟﻴﺔ ودﺧﻠﺖ واﺣﺪة ﻣﻨﻬﺎ ﰲ ﻣﻨﺨﺮ المﻠﻚ، ﻓﻤﻜﺜﺖ ﰲ ﻣﻨﺨﺮه أرﺑﻌﻤﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ ﻋﺬﺑﻪ ﷲ ﺗﻌﺎﱃ ﺑﻬﺎ، ﻓﻜﺎن ﻳﴬب رأﺳﻪ ﺑﺎلمﺮازب ﰲ ﻫﺬه المﺪة ﻛﻠﻬﺎ ﺣﺘﻰ أﻫﻠﻜﻪ ﷲ109«.
ﻟﻜﻦ »ﻧﻌﻤﺔ ﷲ اﻟﺠﺰاﺋﺮي« ﻣﻦ ﺟﻬﺘﻪ ﻻ ﻳﺴﺘﺴﻴﻎ دﺧﻮل اﻟﺒﻌﻮﺿﺔ ﻣﻨﺨﺎر »اﻟﻨﻤﺮوذ« وﺑﻘﺎءﻫﺎ ﻫﻨﺎك، ﺛﻢ اﺳﺘﻜﺜﺮ أن ﺗﻈﻞ اﻟﺒﻌﻮﺿﺔ أرﺑﻌﻤﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ داﺧﻞ المﻨﺨﺎر اﻟﻨﻤﺮوذي ﺗﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﻤﺸﻬﻴﺎﺗﻪ، ﻓﻘﺎم ﻳﺼﻠﺢ ﻣﻦ ﺷﺄن رواﻳﺔ »اﺑﻦ ﺳﻠﻤﺔ« ﺑﻌﺾ اﻟﴚء ﰲ ﻗﻮﻟﻪ ﻣﻦ ﺑﺎب آﺧﺮ، ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ »اﺑﻦ ﻋﺒﺎس« ﻗﻮﻟﻪ: »إن ﷲ ﺳﻠﻂ ﻋﲆ ﻧﻤﺮوذ ﺑﻌﻮﺿﺔ ﻓﻌﻀﺖ ﺷﻔﺘﻪ
108 ﻧﻔﺴﻪ، ص.٩٦
109 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص١٤٠، .١٤١
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
ﻓﺄﻫﻮى إﻟﻴﻬﺎ ﻟﻴﺄﺧﺬﻫﺎ، ﻓﻄﺎرت ﰲ ﻣﻨﺨﺮه، ﻓﺬﻫﺐ ﻳﺴﺘﺨﺮﺟﻬﺎ ﻓﻄﺎرت ﰲ دﻣﺎﻏﻪ، ﻓﻌﺬﺑﻪ ﷲ ﺑﻬﺎ أرﺑﻌين ﻟﻴﻠﺔ ﺛﻢ أﻫﻠﻜﻪ110«.
أﻣﺎ ﰲ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس، ﻓﻤﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺛﻤﺔ ﻋﻼﻗﺔ اﻟﺒﺘﺔ ﻣﺎ ﺑين »ﻧﻤﺮوذ« وﺑين ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ وﺑين اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ«، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺳﻨﻔﺼﻞ ﻓﻴﻪ اﻟﻘﻮل، ﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﻻ ﻳﺠﺐ أن ﻳﻔﻮﺗﻨﺎ، اﻹﺷﺎرة إﻟﻴﻪ أن ﻗﺼﺔ ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ ﰲ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب ﻗﺪ ﺣﺪﺛﺖ ﰲ ﻓﺠﺮ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻋﲆ اﻷرض. أﻣﺎ »اﻟﻨﻤﺮوذ« ﻓﺒﻌﺪ ذﻟﻚ ﺑﺰﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﻳﻌﻮد إﱃ زﻣﻦ أﺑﻨﺎء »ﻧﻮح«، وﻳﺒﺪو أن ﺛﻤﺔ ﻛﺎﺗﺒَين ﻟﻬﺬا اﻟﺠﺰء ﻣﻦ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، واﻟﺬي ﻳﺘﺤﺪث ﻋﻦ اﺧﺘﻼف ﻟﻐﺎت اﻟﺒﴩ، وﻳﺒﺪو أﻳﻀًﺎ أن اﻟﻜﺎﺗﺒَين ﻟﻢ ﻳﻠﺘﻘﻴﺎ ﻟﻴﺼﻔﻴﺎ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻓﺎت ﰲ اﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ، رﺑﻤﺎ ﻟﺒﻌﺪ اﻟﺰﻣﺎن ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ، وأن اﻟﺮواﻳﺔ ﺗﻢ ﺟﻤﻌﻬﺎ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﻣﻊ ﻣﺎ ﺟﻤﻊ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب ﰲ وﻗﺖ ﻣﺘﺄﺧﺮ، ﻓﺎﻟﻜﺎﺗﺐ اﻷول ﻳﻘﻮل: »وﻫﺬه ﻣﻮاﻟﻴﺪ ﺑﻨﻲ ﻧﻮح: ﺳﺎم وﺣﺎم وﻳﺎﻓﺚ … ﻣﻦ ﻫﺆﻻء ﺗﻔﺮﻗﺖ ﺟﺰاﺋﺮ اﻷﻣﻢ ﺑﺄراﺿﻴﻬﺎ، ﻛﻞ إﻧﺴﺎن ﻛﻠﺴﺎﻧﻪ ﺣﺴﺐ ﻗﺒﺎﺋﻠﻬﻢ وأﻣﻤﻬﻢ«. وﻫﻮ ﺑﺬﻟﻚ ﻳﺮﺟﻊ ﺗﻔﺮق اﻷﻟﺴﻦ ﻟﺰﻣﻦ ﻣﺘﺄﺧﺮ ﻋﻦ وﻗﺘﻪ ﺑﺪاﻳﺔ اﻟﺨﻠﻖ، إﱃ ﻋﻬﺪ أﺑﻨﺎء »ﻧﻮح«، ﺛﻢ ﻫﻮ أﻗﺮب لمﻨﻄﻖ اﻟﻮاﻗﻊ ﰲ إرﺟﺎﻋﻪ اﺧﺘﻼف اﻷﻟﺴﻦ ﻟﺘﻔﺮق اﻷﻣﻢ ﺑين ﻗﺒﺎﺋﻞ »ﺷﻌﻮب« وﺟﺰاﺋﺮ »أي ﻣﻮاﺿﻊ ﺑﻴﺌﻴﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ.«
أﻣﺎ اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻴﻘﻮل: »وﻛﺎﻧﺖ اﻷرض ﻛﻠﻬﺎ ﻟﺴﺎﻧًﺎ واﺣﺪًا وﻟﻐﺔ واﺣﺪة، وﺣﺪث ﰲ ارﺗﺤﺎﻟﻬﻢ ﴍﻗًﺎ أﻧﻬﻢ وﺟﺪوا ﺑﻘﻌﺔ ﰲ أرض ﺷﻨﻌﺎر وﺳﻜﻨﻮا ﻫﻨﺎك، وﻗﺎل ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻟﺒﻌﺾ: ﻫﻠﻢ ﻧﺼﻨﻊ ﻟﺒﻨًﺎ وﻧﺸﻮﻳﻪ ﺷﻴٍّﺎ، ﻓﻜﺎن ﻟﻬﻢ اﻟﻠﺒﻦ ﻣﻜﺎن اﻟﺤﺠﺮ، وﻛﺎن ﻟﻬﻢ اﻟﺤﻤﺮ ﻣﻜﺎن اﻟﻄين، وﻗﺎﻟﻮا: ﻫﻠﻢ ﻧﺒﻦ ﻷﻧﻔﺴﻨﺎ ﻣﺪﻳﻨﺔ وﺑﺮﺟًﺎ رأﺳﻪ ﺑﺎﻟﺴﻤﺎء، وﻧﺼﻨﻊ ﻷﻧﻔﺴﻨﺎ اﺳﻤًﺎ ﻟﺌﻼ ﻧﺒﺪد ﻣﻦ ﻋﲆ وﺟﻪ اﻷرض، ﻓﻨﺰل اﻟﺮب ﻟﻴﻨﻈﺮ المﺪﻳﻨﺔ واﻟﱪج اﻟﻠﺬﻳﻦ ﻛﺎن ﺑﻨﻮ آدم ﻳﺒﻨﻮﻧﻬﻤﺎ، وﻗﺎل اﻟﺮب: ﻫﻮ ذا ﺷﻌﺐ واﺣﺪ وﻟﺴﺎن واﺣﺪ ﻟﺠﻤﻴﻌﻬﻢ، وﻫﺬا اﺑﺘﺪاؤﻫﻢ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ، واﻵن ﻻ ﻳﻤﺘﻨﻊ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻨﻮون أن ﻳﻌﻤﻠﻮه، ﻫﻠﻢ ﻧﻨﺰل وﻧﺒﻠﺒﻞ ﻫﻨﺎك ﻟﺴﺎﻧﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﺴﻤﻊ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻟﺴﺎن ﺑﻌﺾ، ﻓﺒﺪدﻫﻢ اﻟﺮب ﻣﻦ ﻫﻨﺎك ﻋﲆ وﺟﻪ ﻛﻞ اﻷرض، ﻓﻜﻔﻮا ﻋﻦ ﺑﻨﻴﺎن المﺪﻳﻨﺔ؛ ﻟﺬﻟﻚ دﻋﺎ اﺳﻤﻬﺎ ﺑﺎﺑﻞ ﻷن اﻟﺮب ﻫﻨﺎك ﺑﻠﺒﻞ ﻟﺴﺎن ﻛﻞ اﻷرض« )اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، .(١١
وﻳﻌﻘﺐ اﻟﺪﻛﺘﻮر »أﻧﻴﺲ ﻓﺮﻳﺤﺔ« ﻋﲆ أﻗﺼﻮﺻﺔ اﻟﺘﻮراة ﺑﻘﻮﻟﻪ: »وﻟﻢ ﻳﻔﻠﺢ ﻛﺎﺗﺐ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ﰲ ﺗﻌﻠﻴﻞ اﺳﻢ ﺑﺎﺑﻞ، ﻓﻮﺿﻊ ﻗﺼﺔ ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ وﺗﺒﻠﺒﻞ اﻷﻟﺴﻦ، ﺗﻘﻮل اﻟﻘﺼﺔ: إن ﷲ ﺧﺎف ﻣﻦ ﺗﺠﻤﻊ اﻟﻨﺎس أﻣﺔ واﺣﺪة، ﻓﻘﺎل: ﻫﻠﻢ ﻧﻬﺒﻂ ﻓﻨﺒﻠﺒﻞ ﻫﻨﺎك ﻟﻐﺘﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻔﻬﻢ
110 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١١٧
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻟﻐﺔ ﺑﻌﺾ، ﻓﺴﻤﻴﺖ المﺪﻳﻨﺔ ﺑﺎﺑﻞ، واﻟﻮاﻗﻊ أن ﺑﺎﺑﻞ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ ﺑﺎب ﷲ، وﻫﺬه ﺗﺮﺟﻤﺔ اﻻﺳﻢ اﻟﻘﺪﻳﻢ »ﻛﺎد ﻣﺮي«، وﻣﻌﻨﺎﻫﺎ أﻳﻀًﺎ ﺑﻮاﺑﺔ ﷲ، وﻧﺤﻦ ﻧﻌﻠﻢ أن اﻟﺴﺎﻣﻴين اﻟﺬﻳﻦ ﺟﺎءوا ﺑﻌﺪ اﻟﺴﻮﻣﺮﻳين أﺧﺬوا ﻋﻨﻬﻢ اﻟﻜﺜير ﰲ اﻟﺪﻳﻦ واﻟﻌﻤﺮان، وﻏيروا ﻣﻦ أﺳﻤﺎء المﺪن اﻟﺴﻮﻣﺮﻳﺔ إﱃ أﺳﻤﺎء ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﱰﺟﻤﺔ اﻟﺤﺮﻓﻴﺔ111«.
ﻫﺬا ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻌﻘﺐ اﻵﺛﺎري »ﺻﻤﻮﺋﻴﻞ ﻧﻮح ﻛﺮﻳﻤﺮ« — وﻫﻮ واﺣﺪ ﻣﻦ أﺷﻬﺮ اﻟﺒﺎﺣﺜين ﰲ اﻟﺴﻮﻣﺮﻳﺎت — ﻋﲆ ﻗﺼﺔ اﻟﺘﻮراة ﺑﻘﻮﻟﻪ: »ﻟﻘﺪ ﺑﺪأت ﻗﺼﺔ ﺗﺸﻴﻴﺪ ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ ﺑﻼ رﻳﺐ ﰲ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻟﺘﻮﺿﻴﺢ وﺟﻮد اﻟﺰاﻗﻮرات ﰲ ﺑﻼد ﻣﺎ ﺑين اﻟﻨﻬﺮﻳﻦ«. وﻳﻘﺼﺪ »ﻛﺮﻳﻤﺮ« ﻫﻨﺎ أن اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﺘﻮراﺗﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ رأى اﻟﺰاﻗﻮرات المﺒﻨﻴﺔ ﺑﺒﻼد اﻟﺮاﻓﺪﻳﻦ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ أراد وﺿﻊ ﺗﻔﺴير ﻟﻬﺎ، واﻟﺰاﻗﻮرات ﻫﻲ أﺑﻨﻴﺔ ﺻﺎﻋﺪة ﻟﻮﻟﺒﻴﺔ أﻗﻴﻤﺖ ﻟﺘﺼﻞ ﻛﺎﻫﻦ اﻹﻟﻪ ﺑﺎﻟﺴﻤﺎء، وﻋﲆ ﻧﻤﻄﻬﺎ أﻗﻴﻤﺖ المﺂذن اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، وﺗﻜﺎد ﺗﻜﻮن ﻣﺌﺬﻧﺔ ﺟﺎﻣﻊ ﺳﺎﻣﺮاء أوﱃ المﺂذن وأﻗﺮﺑﻬﺎ ﺷﺒﻬًﺎ ﺑﺎﻟﺰاﻗﻮرة اﻟﺴﻮﻣﺮﻳﺔ، وﻧﺴﺘﻜﻤﻞ ﻣﻊ ﻛﺮﻳﻤﺮ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮل: »أﻣﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻌﱪاﻧﻴين ﻓﺈن ﻫﺬه اﻷﺑﻨﻴﺔ اﻟﺸﺎﻫﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ رؤﻳﺘﻬﺎ ﰲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺨﺮاب واﻟﺪﻣﺎر، أﺻﺒﺤﺖ رﻣﺰًا ﻟﺸﻌﻮر اﻹﻧﺴﺎن ﺑﻌﺪم اﻷﻣﺎن، وﻣﺎ ﻳﺘﺼﻞ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻟﻬﻔﺔ ﺷﺪﻳﺪة ﻟﻠﺤﺼﻮل ﻋﲆ اﻟﺴﻠﻄﺔ، ﺗﻠﻚ اﻟﻠﻬﻔﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻌﻮد ﻋﻠﻴﻪ إﻻ ﺑﺎﻟﺬل واﻟﻌﺬاب؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ المﺴﺘﺒﻌﺪ ﺟﺪٍّا اﻟﻌﺜﻮر ﻋﲆ أﻳﺔ ﻣﻄﺎﺑﻘﺔ ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻟﻬﺬه اﻟﻘﺼﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﺴﻮﻣﺮﻳين، اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺰاﻗﻮرة ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻬﻢ ﺗﻤﺜﻞ رﺑﺎﻃًﺎ ﺑين اﻟﺴﻤﺎء واﻷرض، أي ﺑين اﻹﻟﻪ واﻹﻧﺴﺎن112«.
أﻣﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﺘﻨﺎ، ﻓﺈن ﻛﺎﺗﺐ ﻫﺬا اﻟﺠﺰء ﻣﻦ اﻟﺘﻮراة، ﻳﺒﺪو ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب المﺘﺄﺧﺮﻳﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﴚء، اﻟﺬﻳﻦ ﻋﺎﺷﻮا ﰲ ﻛﻨﻒ اﻟﺪوﻟﺔ المﺮﻛﺰﻳﺔ، ورﺑﻤﺎ اﻷﴎ اﻟﺒﺎﺑﲇ ﻋﲆ اﻷرﺟﺢ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﺘﻮق ﻟﺤﻴﺎة اﻟﺒﺪاوة اﻷﺻﻴﻠﺔ ﰲ اﻟﻌﱪاﻧﻴين، اﻟﺘﻲ ﺗﻨﻔﺮ ﻣﻦ المﺮﻛﺰﻳﺔ واﻻﺳﺘﻘﺮار، ورﺑﻤﺎ رأى أن دوﻟﺔ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« ﻟﻢ ﺗﺠﻦِ ﻟﻠﻌﱪاﻧﻴين ﺳﻮى اﻟﺨﺮاب واﻷﴎ واﻧﻌﺪام اﻟﺤﺮﻳﺎت، ﻓﺎلمﺮﻛﺰﻳﺔ ﺗﻌﻨﻲ ﺣﻜﻤًﺎ واﺣﺪًا ﺑﻴﺪ ﻣﻠﻚ واﺣﺪ، ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ إﻧﺠﺎز المﺸﺎرﻳﻊ اﻟﻀﺨﻤﺔ وﻣﻮاﺟﻬﺎت اﻟﻄﻮارئ المﻠﺤﺔ، وﻓﻴﻬﺎ ﻳﺘﻢ ﺗﻘﺴﻴﻢ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ اﻷﻓﻀﻞ ﻟﻺﻧﺠﺎزات اﻟﻜﱪى، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻀﺢ ﰲ ﻛﻼم اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﺘﻮراﺗﻲ »ﻫﻮ ذا ﺷﻌﺐ واﺣﺪ، وﻟﺴﺎن واﺣﺪ ﻟﺠﻤﻴﻌﻬﻢ، وﻫﺬا اﺑﺘﺪاؤﻫﻢ اﻟﻌﻤﻞ«. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻳﺤﺘﻔﻆ ﰲ ذاﻛﺮﺗﻪ ﺑﺎﻷﻳﺎم اﻷوﱃ إﺑﺎن اﻟﺒﺪاوة
111 د. أﻧﻴﺲ ﻓﺮﻳﺤﺔ، دراﺳﺎت ﰲ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٨٤
112 ﺻﻤﻮﺋﻴﻞ ﻧﻮح ﻛﺮﻳﻤﺮ، اﻟﺴﻮﻣﺮﻳﻮن ﺗﺎرﻳﺨﻬﻢ وﺣﻀﺎرﺗﻬﻢ وﺧﺼﺎﺋﺼﻬﻢ، ﺗﺮﺟﻤﺔ د. ﻓﻴﺼﻞ اﻟﻮاﺋﲇ، وﻛﺎﻟﺔ المﻄﺒﻮﻋﺎت، اﻟﻜﻮﻳﺖ، د.ت، ص.٤٢١
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
وﻣﺸﱰﻛﺎﺗﻬﺎ اﻟﺒﺪاﺋﻴﺔ، وﻣﺠﺎﻟﺲ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ ﻓﻴﻬﺎ، اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻊ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺣﺎﻛﻢ ﻷﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻠﺔ، وﻛﻤﺎ ﻛﺎن لمﺠﺎﻟﺲ اﻷرض ﺷﻴﺦ زﻋﻴﻢ، ﻛﺎن لمﺠﺎﻟﺲ اﻟﺴﻤﺎء رب زﻋﻴﻢ، ﻓﻜﺎن ﰲ اﻟﺴﻤﺎء ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﰲ اﻷرض ﻣﺠﻠﺲ، ﻳﻤﺜﻠﻪ اﻋﺘﻘﺎد اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﺤﺎزم وﻫﻮ ﻳﺘﺤﺪث ﺑﻠﺴﺎن اﻟﺮب اﻟﺰﻋﻴﻢ ﻷﻋﻀﺎء ﻣﺸﱰﻛﺔ: »ﻫﻠﻢ ﻧﻨﺰل وﻧﺒﻠﺒﻞ ﻫﻨﺎك ﻟﺴﺎﻧﻬﻢ!«
ﻋﻦ اﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن
ﰲ ﺑﺪء المﻨﺘﻬﻰ ﻟﺪراﺳﺘﻨﺎ اﻟﺘﻲ ﻃﺎل ﴎدﻫﺎ، وإن ﻗﴫت ﻋﻦ ﺑﻠﻮغ ﻛﻞ المﺒﺘﻐﻰ ﻹﻳﻔﺎء المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ ﺣﻘﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﺒﺤﺚ واﻟﺪرس، ﻳﺤﺴﻦ ﺑﻨﺎ أن ﻧﻘﺮر ﻟﻠﻘﺎرئ ﻣﻌﻠﻮﻣﺔ ﻟﻬﺎ أﻫﻤﻴﺘﻬﺎ ﺣﻮل المﻠﻚ اﻟﺬي ﻟﻢ ﻳﺰل ﻗﻴﺪ ﺑﺤﺜﻨﺎ »اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن«، وﻫﻮ أن »ﻧﻤﺮوذ« اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻳﺨﺘﻠﻒ إﱃ ﺣ ﱟﺪ ﺑﻌﻴﺪ ﻋﻨﻪ ﰲ ﺗﺮاﺛﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻓﻠﻢ ﻳﺮد ﺑﺸﺄﻧﻪ ﰲ اﻟﺘﻮراة ﺳﻮى ﻧﺺ ﺻﻐير ﻻ ﻳﻘﺎرن ﺑﻤﺎ ﺟﺎء ﺣﻮﻟﻪ ﻣﻦ زﻳﺎدات وﻣﱰاﻛﻤﺎت ﰲ ﻛﺘﺐ اﻷﺧﺒﺎر اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، واﻟﻨﺺ ﰲ ﻛﻠﻤﺎﺗﻪ المﻌﺪودة ﺑﻼ زﻳﺎدة وﻻ ﻧﻘﺼﺎن ﻳﻘﻮل: »وﻛﻮش »اﺑﻦ ﺣﺎم ﺑﻦ ﻧﻮح« وﻟﺪ ﻧﻤﺮوذ اﻟﺬي اﺑﺘﺪأ ﻳﻜﻮن ﺟﺒﺎرًا ﰲ اﻷرض، اﻟﺬي ﻛﺎن ﺟﺒﺎر ﺻﻴﺪ أﻣﺎم اﻟﺮب؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻳﻘﺎل: ﻛﻨﻤﺮود ﺟﺒﺎر ﺻﻴﺪ أﻣﺎم اﻟﺮب. وﻛﺎن اﺑﺘﺪاء ﻣﻤﻠﻜﺘﻪ ﺑﺎﺑﻞ وأورك وﻛﻠﻨﻪ ﰲ أرض ﺷﻨﻌﺎر« )اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، (١٠، وﻻ ﳾء آﺧﺮ ﻋﻦ »ﻧﻤﺮود« ﺑﻄﻮل اﻟﻜﺘﺎب وﻋﺮﺿﻪ، رﻏﻢ ﻣﻴﻞ اﻟﻜﺘﺎب ﻟﻺﻃﻨﺎب واﻹﺳﻬﺎب واﻟﺘﻜﺮار إﱃ ﺣﺪ اﻹﻣﻼل؛ ﻣﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﺸير إﱃ أﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺛﻤﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎلمﺮة ﺑين ﻫﺬا »اﻟﻨﻤﺮود« وﺑين »ﻧﻤﺮوذﻧﺎ« اﻟﻔﻀﺎﺋﻲ اﻟﺬي ﻣﻠﻚ اﻟﻌﺎﻟﻢ وﻗﺘﻠﺘﻪ ﺑﻌﻮﺿﺔ! ﻟﻜﻦ إﺧﺒﺎرﻳﻴﻨﺎ ﻻ ﻳﱰﻛﻮن ﻟﻨﺎ ﻓﺮﺻﺔ ﻫﺬا اﻻﺣﺘﻤﺎل ﺑﺈﴏارﻫﻢ المﺘﻮاﺗﺮ ﻋﲆ إﻓﻬﺎﻣﻨﺎ أﻧﻪ »اﻟﻨﻤﺮود« اﻟﺘﻮراﺗﻲ ﻧﻔﺴﻪ.
اﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن؟!
وﺿﻤﻦ ذﻟﻚ اﻟﺘﻘﺮﻳﺮ — وﺣﺘﻰ ﻧﺴﺘﻮﻓﻴﻪ — ﻻ ﻣﻨﺪوﺣﺔ ﻣﻦ إﺣﺎﻃﺔ ﻗﺎرﺋﻨﺎ ﻋﻠﻤًﺎ أﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎك ﻋﻼﻗﺔ اﻟﺒﺘﺔ ﺑين »ﻧﻤﺮود« اﻟﺘﻮراة وﺑين ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ، ﻛﻤﺎ أﻧﻪ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻪ اﻟﺒﺘﺔ ﺑﺎﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم«، ﻓﺮواﻳﺔ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﺗﺬﻫﺐ ﺑﺰﻣﻦ ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ إﱃ ﻋﴫ ﻳﺒﻌﺪ أﺟﻴﺎﻻً ﻋﺪﻳﺪة ﻋﻦ ﻋﴫ اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ«، ﻓﺘﺒﻠﺒﻞ اﻷﻟﺴﻦ ﺑﻌﺪ اﻧﻬﻴﺎر ﺑﺮج ﺑﺎب إﻳﻞ أو ﺑﺎب اﻹﻟﻪ، أﻣﺮ ﺣﺪث ﰲ ﻓﺠﺮ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، وﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ أي دور ﻳﺆدﻳﻪ »اﻟﻨﻤﺮود« ﻛﺒﻄﻞ ﻳﻤﺜﻞ دور اﻟﴩﻳﺮ، وﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ دور ﻟﻠﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم« ﻛﺮﻣﺰ ﻟﻠﺨير، وﺣﺴﺐ ﺷﺠﺮة
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
اﻟﻨﺴﺐ واﻟﺴﻠﺴﺎل اﻹﺑﺮاﻫﻴﻤﻴﺔ اﻟﻮاردة ﺑﺴﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، اﻟﺘﻲ واﻓﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﺮواة المﺴﻠﻤﻮن وﻧﺴﺨﻮﻫﺎ ﺑﺤﺮﻓﻴﺘﻬﺎ، ﻧﺠﺪ أﻧﻪ ﺑين ﻋﻬﺪ »ﻧﻤﺮود ﺑﻦ ﻛﻮش« ﺣﺴﺐ اﻟﻨﺴﺐ اﻟﺘﻮراﺗﻲ، وﺑين ﻋﻬﺪ ﺧﻠﻴﻞ ﷲ، ﻋﴩة أﺟﻴﺎل ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻓﺈﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻫﻮ اﺑﻦ ﺗﺎرح ﺑﻦ ﻧﺎﺣﻮر ﺑﻦ ﴎوج ﺑﻦ رﻋﻮ ﺑﻦ ﻓﺎﻟﺞ ﺑﻦ ﻋﺎﺑﺮ ﺑﻦ أرﻓﻜﺸﺎرد ﺑﻦ ﺳﺎم ﺑﻦ ﻧﻮح، وﺳﺎم ﻫﻮ ﻋﻢ ﻛﻨﻌﺎن؛ ﻷﻧﻪ أﺧﻮ أﺑﻴﻪ ﺣﺎم، وﻛﻨﻌﺎن ﰲ اﻹﺳﻼﻣﻴﺎت ﻫﻮ واﻟﺪ اﻟﻨﻤﺮود، ﻓﺄﻳﻦ ﻫﺬا ﻣﻦ ذاك؟ ﺣﺘﻰ إذا اﻓﱰﺿﻨﺎ ﺟﺪﻻً ﺻﺪق ذﻟﻚ اﻟﺘﻨﺴﻴﺐ، وﻫﻮ اﻓﱰاض ﻏير ﻋﻠﻤﻲ، ﺛﻢ اﻓﱰﺿﻨﺎ أن ﻛﻼٍّ ﻣﻦ ﻫﺆﻻء اﻟﻨﻔﺮ ﰲ اﻟﺴﻠﺴﺎل اﻟﻨﺒﻮي ﻗﺪ أﻧﺠﺐ وﻟﺪه وﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﻤﺮ ﻋﴩون ﻋﺎﻣًﺎ، ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻧﺤﺘﺎج إﱃ ﻗﺮﻧين ﻣﻦ اﻟﺰﻣﺎن ﻟﻨﺼﻞ ﻣﻦ »ﻧﻤﺮود« إﱃ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ.«
وﺗﺒﻘﻰ ﺗﺴﺎؤﻻت ﺗﻨﺒﻨﻲ ﻋﲆ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ اﻟﻨﺺ، وأول ﻣﺎ ﻳﺮد ﻣﻨﻬﺎ ﻋﲆ اﻟﺬﻫﻦ ﻫﻮ: لمﺎذا ﻋﻘﺪ اﻟﱰاث اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﺼﻠﺔ ﺑين »اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن« رﻏﻢ أﻧﻪ ﰲ اﻟﺘﻮراة اﺑﻦ ﻛﻮش، وﺑين اﻟﻨﺒﻲ »إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم«، رﻏﻢ أن اﻵﻳﺎت اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻟﻢ ﺗﺬﻛﺮ أﺑﺪًا اﺳﻢ المﻠﻚ اﻟﺬي ﺣﺎج »إﺑﺮاﻫﻴﻢ«؟
اﻟﺴﺆال ﻣﻬﻢ، ﻟﻜﻦ إﺟﺎﺑﺘﻪ ﺧﻄيرة وﻧﺘﺎﺋﺠﻬﺎ أﺧﻄﺮ، ﺧﺎﺻﺔ إذا أﺿﻔﻨﺎ إﻟﻴﻪ اﻟﺘﺴﺎؤل اﻵﺧﺮ وﻫﻮ: لمﺎذا اﻹﺷﺎرة اﻟﺪاﺋﻤﺔ ﻟﻠﻨﻤﺮوذ ﺑﺄﻧﻪ »اﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن« ﺧﺎﺻﺔ وﺑﺎﻟﺬات؟ ذﻟﻚ ﺗﺄﻛﻴﺪ المﻘﺪس اﻟﻌﱪي ﻋﲆ أﻧﻪ »اﺑﻦ ﻛﻮش«، وﻻ ﺷﻚ أن إﺧﺒﺎرﻳﻴﻨﺎ اﻷﻓﺎﺿﻞ ﻗﺪ ﻃﺎﻟﻌﻮه وﻋﺎﻳﻨﻮه ﺗﻤﺎﻣًﺎ، ﺑﺪﻟﻴﻞ ﻣﺎ ﻧﺴﺨﻮه ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻧﺴﺨًﺎ، وﻫﺬا اﻹﴏار ﻋﲆ أن »ﻧﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن« ﻳﻠﺤﻘﻪ ﻓﻮرًا ﺗﺴﺎؤل آﺧﺮ ورﺑﻤﺎ ﻟﻴﺲ أﺧيًرا ﻫﻮ: لمﺎذا اﺣﺘﺴﺐ رواﺗﻨﺎ أن ﺻﺎﺣﺐ ﺑﺮج ﺑﺎﺑﻞ ﻫﻮ »اﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن« ﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ، رﻏﻢ ﻋﺪم اﻟﻨﺺ ﻋﻠﻴﻪ ﻗﺮآﻧﻴٍّﺎ، ورﻏﻢ أن ﻣﺼﺪرﻫﻢ اﻹﴎاﺋﻴﲇ ﺑﺪوره ﻟﻢ ﻳﻘﻞ ذﻟﻚ؟ اﻹﺟﺎﺑﺔ ﺗﻀﻴﻒ ﻟﻠﺮﺻﻴﺪ ﻣﺰﻳﺪًا ﻣﻦ اﻻﻋﺘﻮار، ﻓﻬﻞ ﻛﺎن اﻷﻣﺮ ﻣﺠﺮد ﺧﻠﻂ ﻟﺤﺎﺑﻞ ﺑﻨﺎﺑﻞ ﰲ ﻗﺮاءة اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس؟ أم ﻛﺎن ﻫﻨﺎك ﻗﺼﺪ؟ وإذا ﻛﺎن ﺛﻤﺔ ﻗﺼﺪ ﻓﺈﻻمَ ﻛﺎن؟ ﺳﺒﻖ ﻟﻨﺎ ﰲ اﻟﺪراﺳﺎت المﺘﻘﺪﻣﺔ أن أﴍﻧﺎ ﻟﻺﺟﺎﺑﺔ، وﻻ ﺑﺄس ﻫﻨﺎ ﻣﻦ اﻹﻳﻀﺎح ﻣﺮة أﺧﺮى.
»ﻣﻠﻌﻮن ﻛﻨﻌﺎن، ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺒﻴﺪ ﻳﻜﻮن ﻹﺧﻮﺗﻪ«. وﺻﺎﺣﺐ ﻫﺬا اﻟﺪﻋﺎء اﻟﻠﻌﺎن ﻫﻮ اﻟﻨﺒﻲ »ﻧﻮح ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم« ﺑﺎﻟﺘﻮراة، وإذا أﺧﺬﻧﺎ ﻣﺆﻗﺘًﺎ ﺑﺎﻟﺴﺒﺐ اﻟﻈﺎﻫﺮ وراء ﻫﺬه اﻟﻠﻌﻨﺔ، ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻧﺠﺪه ﻓﻴﻤﺎ ﺣﻜﺎه اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻋﻦ ﻧﻮح وأوﻻده ﺑﻌﺪ ﻫﺒﻮﻃﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﺴﻔﻴﻨﺔ، إذ ﻳﻘﻮل: »واﺑﺘﺪأ ﻧﻮح ﻳﻜﻮن ﻓﻼﺣًﺎ، وﻏﺮس ﻛﺮﻣًﺎ وﴍب ﻣﻦ اﻟﺨﻤﺮ، ﻓﺴﻜﺮ وﺗﻌ ﱠﺮى داﺧﻞ ﺧﺒﺎﺋﻪ، ﻓﺄﺑﴫ ﺣﺎم أﺑﻮ ﻛﻨﻌﺎن ﻋﻮرة أﺑﻴﻪ وأﺧﱪ أﺧﻮﻳﻪ ﺧﺎرﺟًﺎ، ﻓﺄﺧﺬ ﺳﺎم وﻳﺎﻓﺚ اﻟﺮداء ووﺿﻌﺎه ﻋﲆ أﻛﺘﻔﻬﺎ وﻣﺸﻴﺎ إﱃ اﻟﻮراء، وﺳﱰا ﻋﻮرة أﺑﻴﻬﻤﺎ ووﺟﻬﺎﻫﻤﺎ إﱃ اﻟﻮراء، ﻓﻠﻢ ﻳﺒﴫا ﻋﻮرة
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
أﺑﻴﻬﺎ، ﻓﻠﻤﺎ اﺳﺘﻴﻘﻆ ﻧﻮح ﻣﻦ ﺧﻤﺮه ﻋﻠﻢ ﺑﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺑﻪ اﺑﻨﻪ اﻟﺼﻐير، ﻓﻘﺎل: ﻣﻠﻌﻮن ﻛﻨﻌﺎن، ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺒﻴﺪ ﻳﻜﻮن ﻹﺧﻮﺗﻪ، وﻗﺎل ﻣﺒﺎرك اﻟﺮب إﻟﻪ ﺳﺎم، وﻟﻴﻜﻦ ﻛﻨﻌﺎن ﻋﺒﺪًا ﻟﻬﻢ« )اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، .(٩
واﻟﻌﺠﻴﺐ ﰲ أﻣﺮ ﻫﺬا المﻘﺪس اﻟﻌﱪي، أن اﻟﻨﺒﻲ ﻳﺴﻜﺮ وﻳﺘﻌ ﱠﺮى ﺛﻢ ﻳﻠﻘﻲ ﺑﺎﻟﻼﺋﻤﺔ ﻋﲆ ﻣﻦ ﺷﺪﻫﺘﻪ أﺣﻮاﻟﻪ. أﻣﺎ اﻷﻋﺠﺐ ﻓﻬﻮ أن اﻟﺬي أﺑﴫ ﻋﻮرﺗﻪ ﻫﻮ وﻟﺪه »ﺣﺎم«، وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻗﺎم ﻳﺼﺐ اﻟﻠﻌﻨﺔ ﻓﻮق رأس ﺣﻔﻴﺪه اﻟﺼﻐير »ﻛﻨﻌﺎن ﺑﻦ ﺣﺎم«، اﻟﺬي ﻟﻢ ﻳﺤﴬ المﺸﺎﻫﺪة، وﻟﻢ ﻳﻌﺎﻳﻦ اﻷﻣﺮ ﻛﻤﺎ ﻋﺎﻳﻨﻪ أﺑﻮه، ورﺑﻤﺎ ﻛﺎن أواﻧﻬﺎ ﻃﻔﻼً ﻻ ﻳﺪرك ﻣﺎ ﻳﺮى ﺣﺘﻰ ﻟﻮ رأى، وﻳﻨﺘﻬﺰ المﻘﺪس اﻟﻌﱪي اﻟﻔﺮﺻﺔ المﻮاﺗﻴﺔ ﻟﻬﻮل اﻷﻣﺮ وﻋﻈﻤﺘﻪ، ﻓﻴﺼﺐ اﻟﱪﻛﺎت ﺑﻠﺴﺎن اﻟﻨﺒﻲ »ﻧﻮح« ﻋﲆ رأس وﻟﺪه »ﺳﺎم« أﺑﻲ اﻟﻌﱪاﻧﻴين ﻟﻴﻌﺪل ﰲ اﻟﻘﺴﻤﺔ، ﻓﺬاك ﻧﺎل اﻟﻠﻌﻨﺎت، وﻫﺬا ﻧﺎل اﻟﱪﻛﺎت، واﻟﻌﺪل ﺑﻘﺪر وﻣﻘﺪار.
واﻟﺸﻴﺦ »اﻟﺼﺪوق اﻟﻘﻤﻲ« أﺣﺪ ﺣﺠﺞ اﻟﺸﻴﻌﺔ، ﻳﺆﻛﺪ ﻣﻦ ﺟﻬﺘﻪ أﺳﺒﺎﺑًﺎ أﺧﺮى ﻟﻬﺬه اﻟﻠﻌﻨﺔ، إذ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒِ »ﺣﺎم« ﺑﺮؤﻳﺔ اﻟﻌﻮرة إﻧﻤﺎ وﻗﻒ ﻳﻀﺤﻚ وﻳﻌ ﱢﺮﻳﻬﺎ ﻛﻠﻤﺎ ﻏﻄﺎﻫﺎ »ﺳﺎم«، وﻫﻮ ﻣﺎ ﺟﺎء ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »وﻛﺎن ﻳﻮﻣًﺎ ﰲ اﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﻧﺎﺋﻤًﺎ، ﻓﻬﺒﺖ رﻳﺢ ﻓﻜﺸﻔﺖ ﻋﻦ ﻋﻮرﺗﻪ ﻓﻀﺤﻚ ﺣﺎم وﻳﺎﻓﺚ، ﻓﺰﺟﺮﻫﻤﺎ ﺳﺎم ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم وﻧﻬﺎﻫﻤﺎ ﻋﻦ اﻟﻀﺤﻚ. وﻛﺎن ﻛﻠﻤﺎ ﻏ ﱠﻄﻰ ﺷﻴﺌًﺎ ﺗﻜﺸﻔﻪ اﻟﺮﻳﺢ، ﻛﺸﻔﻪ ﺣﺎم وﻳﺎﻓﺚ، ﻓﺎﻧﺘﺒﻪ ﻧﻮح ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ورآﻫﻢ وﻫﻢ ﻳﻀﺤﻜﻮن، ﻓﻘﺎل: ﻣﺎ ﻫﺬا؟ ﻓﺄﺧﱪه ﺳﺎم ﺑﻤﺎ ﻛﺎن؛ ﻓﺮﻓﻊ ﻧﻮح ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم ﻳﺪه إﱃ اﻟﺴﻤﺎء ﻳﺪﻋﻮ وﻳﻘﻮل: اﻟﻠﻬﻢ ﻏ ﱢير ﻣﺎء ﺻﻠﺐ ﺣﺎم ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻮﻟﺪ ﻟﻪ إﻻ اﻟﺴﻮدان، اﻟﻠﻬﻢ ﻏير ﻣﺎء ﺻﻠﺐ ﻳﺎﻓﺚ، ﻓﻐ ﱠير
ﷲ ﻣﺎء ﺻﻠﺒﻬﻤﺎ، ﻓﺠﻤﻴﻊ اﻟﺴﻮدان ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﻦ ﺣﺎم، وﺟﻤﻴﻊ اﻟﱰك واﻟﺼﻘﺎﻟﺒﺔ وﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج واﻟﺼين ﻣﻦ ﻳﺎﻓﺚ ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﻮا، وﺟﻤﻴﻊ اﻟﺒﻴﺾ ﺳﻮاﻫﻢ ﻣﻦ ﺳﺎم، ﻗﺎل ﻧﻮح )ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼم( ﻟﺤﺎم وﻳﺎﻓﺚ: ﺟﻌﻞ ﷲ ذرﻳﺘﻜﻤﺎ ﺧﻮﻻً ﻟﺬرﻳﺔ ﺳﺎم إﱃ ﻳﻮم اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ … وﺳﻤﺔ اﻟﱪ ﰲ ذرﻳﺔ ﺳﺎم ﻇﺎﻫﺮة ﻣﺎ ﺑﻘﻴﺖ اﻟﺪﻧﻴﺎ113«. وﻳﴩح »اﻟﺠﺰاﺋﺮي« »وﺟﻌﻠﺖ ذرﻳﺘﻜﻤﺎ ﺧﻮﻻً أي ﺧﺪﻣًﺎ ﻟﺬرﻳﺔ ﺳﺎم إﱃ ﻳﻮم اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ114«.
ﻫﺬا ﻣﺎ ﻗﺪر ﷲ ﻗﻮﻟﻪ ﻟﻠﺤﺠﺔ اﻟﺸﻴﻌﻲ، ﻓﻤﺎذا ﻋﻦ اﻟﺤﺠﺔ اﻟﺴﻨﻲ؟
ﰲ ﴍﺣﻪ ﻟﻶﻳﺔ ﴿وَﺟَﻌَﻠْﻨَﺎ ذُ ﱢرﻳﱠﺘَﻪُ ﻫُﻢُ اﻟْﺒَﺎﻗِيَن﴾ )اﻟﺼﺎﻓﺎت: .(٧٧ ﻳﻘﻮل »اﺑﻦ ﻛﺜير:« »ﻓﻜﻞ ﻣﻦ ﻋﲆ وﺟﻪ اﻷرض اﻟﻴﻮم ﻣﻦ ﺳﺎﺋﺮ أﺟﻨﺎس ﺑﻨﻲ آدم، ﻳﻨﺴﺒﻮن إﱃ أوﻻد ﻧﻮح اﻟﺜﻼﺛﺔ وﻫﻢ ﺳﺎم وﺣﺎم وﻳﺎﻓﺚ … ووﻟﺪ ﻛﻞ واﺣﺪ ﻣﻦ ﻫﺆﻻء اﻟﺜﻼﺛﺔ، ﻓﻮﻟﺪ ﺳﺎم اﻟﻌﺮب وﻓﺎرس
113 اﻟﺼﺪوق اﻟﻘﻤﻲ، ﻋﻠﻞ اﻟﴩاﺋﻊ، دار إﺣﻴﺎء اﻟﱰاث اﻟﻌﺮﺑﻲ، اﻟﻨﺠﻒ، ١٩٦٦م، ج١، ص.٣٢ 114 اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر المﺒين، ﺳﺒﻖ
اﻟﺠﺰاﺋﺮي، اﻟﻨﻮر المﺒين، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.٨١
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
واﻟﺮوم، ووﻟﺪ ﻳﺎﻓﺚ اﻟﱰك واﻟﺼﻘﺎﻟﺒﺔ وﻳﺄﺟﻮج وﻣﺄﺟﻮج، ووﻟﺪ ﺣﺎم اﻟﻘﺒﻂ واﻟﺴﻮدان واﻟﱪﺑﺮ … وﻗﺪ ذﻛﺮ أن ﺣﺎﻣًﺎ واﻗﻊ اﻣﺮأﺗﻪ ﰲ اﻟﺴﻔﻴﻨﺔ، ﻓﺪﻋﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﻧﻮح أن ﺗﺸﻮه ﺧﻠﻘﺔ ﻧﻄﻔﺘﻪ، ﻓﻮﻟﺪ ﻟﻪ وﻟﺪ أﺳﻮد ﻫﻮ ﻛﻨﻌﺎن ﺑﻦ ﺣﺎم ﺟﺪ اﻟﺴﻮدان، وﻗﻴﻞ: ﺑﻞ رأى أﺑﺎه ﻧﺎﺋﻤًﺎ وﻗﺪ ﺑﺪت ﻋﻮرﺗﻪ ﻓﻠﻢ ﻳﺴﱰﻫﺎ وﺳﱰﻫﺎ أﺧﻮاه؛ ﻓﻠﻬﺬا دﻋﺎ ﻋﻠﻴﻪ أن ﺗﻐير ﻧﻄﻔﺘﻪ، وأن ﻳﻜﻮن أوﻻده ﻋﺒﻴﺪًا ﻹﺧﻮﺗﻪ115«.
واﻻﺗﻔﺎق اﻟﺴﻨﻲ اﻟﺸﻴﻌﻲ ﻻ ﺷﻚ ﻣﻄﻠﻮب، ﻟﻜﻦ لمﺎذا اﻻﺗﻔﺎق ﻋﲆ ﻟﻌﻦ »ﻛﻨﻌﺎن«؟ وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻮاﻓﻖ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻧﺼٍّﺎ وروﺣًﺎ، وﻳﻮاﻓﻖ اﻟﻬﻮى اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﺗﻤﺎم المﻮاﻓﻘﺔ؛ ﻷن »ﻛﻨﻌﺎن« ﰲ اﻟﺘﻮراة واﻹﺳﻼﻣﻴﺎت ﻫﻮ أﺑﻮ اﻟﻜﻨﻌﺎﻧﻴين، ﺳﻜﺎن ﻓﻠﺴﻄين اﻷﻗﺪﻣين، ﻗﺒﻞ أن ﻳﺴﺘﻮﻃﻨﻬﺎ اﻟﻌﱪاﻧﻴﻮن، وﻗﺒﻞ أن ﺗﺴﺘﻌﻤﺮ اﺳﺘﻴﻄﺎﻧﻴٍّﺎ ﺑﺎﺳﻢ اﻟﱰاث اﻟﻘﺪﻳﻢ اﻟﻴﻮم. أﻣﺎ »ﺳﺎم« ﻓﻬﻮ أﺑﻮ ﻛﻞ اﻟﻌﺮﺑﺎن وأﺑﻮ اﻟﻌﱪاﻧﻴين، أو ﻛﻤﺎ أﺷﺎر اﺑﻦ ﻛﺜير أﻧﻪ أﺑﻮ »اﻟﻌﺮب«، ﻗﺎﺻﺪًا ﻛﻞ ﻣﻦ ﻛﺎن ﻣﻦ أﺻﻞ ﺑﺪوي، وﻻ ﻧﻐﻔﻞ ﻋﻦ ﻛﻮن اﻟﻜﻠﻤﺔ ﻋﺮﺑﻲ ﻫﻲ ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ »المﻴﺘﺎﺗﻴﺰ« ﻋﱪي. أﻣﺎ اﻟﻘﺒﻂ ﺑﻘﻴﺔ أﺑﻨﺎء المﻐﻀﻮب ﻋﻠﻴﻪ »ﺣﺎم« ﻓﺎﺻﻄﻼح ﻣﻌﻠﻮل ﻳﺪل ﻋﲆ المﴫﻳين، وأرﺿﻬﻢ أﻳﻀًﺎ ﻣﻄﻠﻮﺑﺔ ﺿﻤﻦ اﻟﻮﻋﺪ اﻹﻟﻬﻲ ﻟﻠﻨﺒﻲ إﺑﺮاﻫﻴﻢ: »ﻟﻨﺴﻠﻚ أﻋﻄﻲ ﻫﺬه اﻷرض ﻣﻦ ﻧﻬﺮ ﻣﴫ إﱃ اﻟﻨﻬﺮ اﻟﻜﺒير ﻧﻬﺮ اﻟﻔﺮات« )اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، :٥ .(١٨
وﻋﻠﻴﻪ ﻧﻔﻬﻢ لمﺎذا أﴏ اﻟﱰاث وأﻫﻠﻪ ﻋﲆ اﺣﺘﺴﺎب اﻟﻨﻤﺮوذ اﺑﻨًﺎ ﻟﻜﻨﻌﺎن رﻏﻢ المﻔﺎرﻗﺔ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ اﻟﻮاﺿﺤﺔ، ﻳﻘﺼﺪ اﻟﺰﻳﺎدة ﰲ اﻟﺘﻨﻔير ﻣﻦ »ﻛﻨﻌﺎن« وﻧﺴﺒﺔ ﻛﻞ اﻟﺮذاﺋﻞ إﻟﻴﻪ، ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻜﻮن وﺣﺪه ﻣﻠﻌﻮﻧًﺎ، إﻧﻤﺎ ذرﻳﺘﻪ اﻟﺘﻲ ﻣﺜﱠﻠﻬﺎ ﻛﺄﺳﻮأ ﻣﺎ ﺗﻜﻮن ﺷﺨﺺ »اﻟﻨﻤﺮوذ« أو
اﻟﻜﺎﻓﺮ اﻷول، والمﻘﺎرﻧﺔ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﻘﺼﺪﻫﺎ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻌﻠﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، إﻧﻤﺎ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﺎ أ ﱠرﺧﻪ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس واﻟﱰاث اﻹﺳﻼﻣﻲ، وﺗﻀﺎرب أوﻟﻪ ﻣﻊ آﺧﺮه ﰲ ﺗﻠﻚ المﺴﺄﻟﺔ، وﰲ ﻏيرﻫﺎ ﻛﺜير؛ ﻷﻧﻨﺎ ﻗﻤﻨﺎ ﺑﻤﺴﺢ ﺷﺎﻣﻞ لمﺎ ﺑين أﻳﺪﻳﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﺼﺎدر ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﻌﺮاق اﻟﻘﺪﻳﻢ، ﻓﻠﻢ ﻧﺠﺪ ﻣﻠﻜًﺎ ﺣﻜﻢ اﻟﺪﻧﻴﺎ، وﻻ ﺣﻜﻢ ﺣﺘﻰ ﰲ ﺑﺎﺑﻞ، وﻻ ﺣﺘﻰ ﰲ أﻳﺔ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﻋﺮاﻗﻴﺔ ﻳﺤﻤﻞ اﺳﻢ »ﻧﻤﺮوذ«، ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﺗﺪوﻧﻪ ﺟﺪاول المﻠﻮك اﻟﻮاردة ﺑﺜﺒﺘﻬﻢ ﰲ المﺪوﻧﺎت المﺴﻤﺎرﻳﺔ، وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈن اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻛﻌﻠﻢ ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﺷﻴﺌًﺎ ﻋﻦ ﺷﺨﺺ ﺑﺎﺳﻢ اﻟﻨﻤﺮوذ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﺷﻴﺌًﺎ ﻋﻦ ﺷﺨﺺ ﺑﺎﺳﻢ »ﺳﻠﻴﻤﺎن« أو ﺑﺎﺳﻢ »ذي اﻟﻘﺮﻧين«، ﻓﻘﻂ وﺟﺪﻧﺎ ﻣﻮﻗﻌًﺎ ﺟﺮت ﻓﻴﻪ ﺣﻔﺎﺋﺮ آﺛﺎرﻳﺔ ﺑﺎﺳﻢ »ﻧﻤﺮود«، وﻳﺒﺪو أﻧﻪ ﻣﻦ وﺿﻊ ﻣﺴﻠﻤين ﻣﺘﺄﺧﺮﻳﻦ ﺷﺎﻫﺪوا ﰲ ﺑﺎﺑﻞ ﻣﻮﻗﻌًﺎ أﺛﺮﻳٍّﺎ ﺑﻪ ﺗﻤﺎﺛﻴﻞ اﺣﺘﺴﺒﻮﻫﺎ أﺻﻨﺎﻣًﺎ، وﻟﻢ ﻳﺠﺪوا ﻣﻦ ﻳﻨﺴﺒﻮﻧﻬﺎ إﻟﻴﻪ ﺗﺮاﺛﻴٍّﺎ، وﰲ ﺗﻠﻚ المﻨﻄﻘﺔ، ﺳﻮى »اﻟﻨﻤﺮوذ ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن« المﻮاﻃﻦ اﻟﺒﺎﺑﲇ اﻟﺬي ﺣﻜﻢ ﻣﺎ ﺑين المﴩق والمﻐﺮب، وﻗﺘﻠﺘﻪ ﺑﻌﻮﺿﺔ.
115 اﺑﻦ ﻛﺜير، ﺳﺒﻖ ذﻛﺮه، ص.١٠٨
المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ
اﻟﻜﺎﻓﺮ اﻟﺜﺎﻧﻲ
ﻟﻢ ﻳﺘﻔﻖ اﺛﻨﺎن ﻋﲆ ﻛﺮاﻫﺔ »ﺑﺨﺖ ﻧﴫ« ﻗﺪر اﺗﻔﺎق اﻟﻌﺮﺑﻲ واﻟﻌﱪي )وﻋﺮﺑﻲ ﺑﺎلمﻴﺘﺎﺗﻴﺰ ﻋﱪي(، وﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﻜﺎد ﺳﻔﺮ ﰲ اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس ﻳﺨﻠﻮ ﻣﻦ ﻗﺬف ﻓﺮﻋﻮن ﻣﴫ، ﻓﺈن »ﺑﺨﺖ ﻧﴫ« ﺑﺪوره ﻧﺎل ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﴩف اﻟﻜﺜير، وﻋﲆ ﻓﺮﻋﻮن اﺗﻔﻖ أﻳﻀًﺎ اﻟﻌﺮﺑﻲ واﻟﻌﱪي، ﻟﻜﻦ المﻮﻗﻒ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻏير المﻔﻬﻮم ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻄﺎﻟﻌﻨﺎ ﺑﻪ ﺧﱪ ﺗﻮاﺗﺮ ﻧﺨﺘﺎر ﻣﻨﻪ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻋﻨﺪ »اﺑﻦ ﻛﺜير« ﰲ ﻗﻮﻟﻪ: »إن ﷲ ﺗﻌﺎﱃ أوﺣﻰ ﰲ ذﻟﻚ اﻟﺰﻣﺎن إﱃ أرﻣﻴﺎ ﺑﻦ ﺣﻠﻘﻴﺎ أن اذﻫﺐ إﱃ ﺑﺨﺖ ﻧﴫ، ﻓﺄﻋﻠﻤﻪ أﻧﻲ ﻗﺪ ﺳﻠﻄﺘﻪ ﻋﲆ اﻟﻌﺮب، وأﻣﺮ ﷲ أرﻣﻴﺎ أن ﻳﺤﻤﻞ ﻣﻌﻪ ﻣﻌﺪ ﺑﻦ ﻋﺪﻧﺎن ﻋﲆ اﻟﱪاق؛ ﻛﻲ ﻻ ﺗﺼﻴﺒﻪ اﻟﻨﻘﻤﺔ ﻓﻴﻬﻢ، ﻓﺈﻧﻲ ﻣﺴﺘﺨﺮج ﻣﻦ ﺻﻠﺒﻪ ﻧﺒﻴٍّﺎ ﻛﺮﻳﻤًﺎ أﺧﺘﻢ ﺑﻪ اﻟﺮﺳﻞ116«.
وﺗﺮﺳﻴﺨًﺎ ﻟﻠﻜﺮاﻫﻴﺔ وأدﻟﺠﺘﻬﺎ دﻳﻨﻴٍّﺎ، ﻳﺬﻫﺐ »اﻟﻨﻮﻳﺮي« إﱃ أن واﻟﺪ »ﺑﺨﺖ ﻧﴫ« ﻛﺎن ﻣﴫﻳٍّﺎ ﺑﺎﺳﻢ »ﺑﺨﺖ ﺑﻴﺪﻳﺲ« ﻣﻦ ﻛﻮرة أرﻣﻨﺖ؛117 ﻟﻴﺠﻤﻊ ﻣﻦ اﻟﺤﺴﻨﻴين ﺳﻮأﺗين، ﺳﻮأﺗﻪ وﺳﻮأة ﻓﺮاﻋﻨﺔ ﻣﴫ. أﻣﺎ »اﺑﻦ ﺧﻠﺪون« ﻓﻴﺼﻨﻒ »ﺑﺨﺖ ﻧﴫ« ﺿﻤﻦ ﻧﺴﻞ اﻟﻨﻤﺮوذ، ﺑﺘﺄﺛير اﻟﱰاث واﻻﻋﺘﻘﺎد، رﻏﻢ ﻣﺎ ﻟﻬﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻦ ﻗﻴﻤﺔ ﻋﻠﻤﻴﺔ، ﻓﻴﻘﻮل: »إن ﺑﺨﺖ ﻧﴫ ﻣﻦ ﻋﻘﺐ اﻟﻨﻤﺮود ﺑﻦ ﻛﻨﻌﺎن، وﻫﻮ اﺑﻦ ﺑﺮزاد ﺑﻦ ﺳﻨﺠﺎرﻳﻒ ﺑﻦ اﻟﻨﻤﺮوذ118.« أﻣﺎ »اﻷﺻﻤﻌﻲ« ﻓﻘﺪ ﻗﺎل إن أﺻﻞ اﺳﻤﻪ »ﺑﻮﺧﺖ« ﺑﻤﻌﻨﻰ اﺑﻦ، و»ﻧﴫ« اﺳﻢ ﺻﻨﻢ، وﻛﺎن وﺟﺪ ﻋﻨﺪ اﻟﺼﻨﻢ وﻟﻢ ﻳﻌﺮف ﻟﻪ أب، ﻓﻘﻴﻞ »ﺑﺨﺖ ﻧﴫ« أي اﺑﻦ اﻟﺼﻨﻢ،119 وﻣﺮة أﺧﺮى ﻳﺠﻤﻊ »ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ« ﰲ ﺗﺮاﺛﻨﺎ ﺳﻮأﺗين: ﺳﻮءة اﻷﺻﻨﺎم وﺳﻮءة ﻛﻮﻧﻪ زﻧﻴﻤًﺎ وﻧﻐﻼً.
أﻣﺎ »ﺑﺨﺖ ﻧﴫ« ﰲ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻛﻌﻠﻢ، ﻓﻬﻮ »ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ اﻟﺜﺎﻧﻲ« المﻠﻚ اﻟﻜﻠﺪاﻧﻲ المﻈﻔﺮ، اﻟﺬي دﺧﻠﺖ ﺷﺨﺼﻴﺘﻪ اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻣﻦ اﻟﺒﺎب اﻟﺨﻠﻔﻲ وﻣﻦ أﺳﻮأ المﺪاﺧﻞ، ﻋﱪ أﺳﻔﺎر اﻟﻜﺘﺎب المﻘﺪس، ﺑﻌﺪ ﺣﻤﻠﺘين ﺟﺮدﻫﻤﺎ ﻋﲆ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻳﻬﻮذا، وﺣﻤﻠﻬﻢ ﰲ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ أﴎى إﱃ ﺑﺎﺑﻞ ﻋﺎم ٥٨٦ق.م. وﻇﻠﻮا ﻫﻨﺎك ﻋﻤﺎﻟﺔ رﺧﻴﺼﺔ إﱃ أن ﻓﺘﺤﻮا ﻟﻘﻮرش أﺑﻮاب ﺑﺎﺑﻞ، ﻓﺄﻋﺎدﻫﻢ إﱃ ﻓﻠﺴﻄين ﻣﻊ ﻗﻴﺎم اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺔ اﻟﻔﺎرﺳﻴﺔ. واﻟﻮاﺿﺢ ﺗﻤﺎﻣًﺎ أن ﻛﻞ اﻟﺮواﻳﺎت اﻟﻘﺪﺳﻴﺔ
116 ﻧﻔﺴﻪ، ج٣، ص.١٨٠
117 ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻗﺎﺳﻢ اﻟﻨﻮﻳﺮي، اﻹلمﺎم ﺑﺎﻹﻋﻼم ﻓﻴﻤﺎ ﺟﺮت ﺑﻪ اﻷﺣﻜﺎم، ﺗﺤﻘﻴﻖ د. ﻋﺰت ﺳﻮرﻳﺎل، ﺣﻴﺪر آﺑﺎد، ١٩٧٠م، ج٣، ص٣١٦، .٣١٧
118 اﺑﻦ ﺧﻠﺪون، اﻟﻌﱪ ودﻳﻮان المﺒﺘﺪأ واﻟﺨﱪ، ج٢، ص.١٣٦
119 ﰲ ﺗﺎج اﻟﻌﺮوس ﻟﻠﺰﺑﻴﺪي، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ١٣٠٦ﻫ، ﻣﺎدة ﻧﴫ.
اﻷﺳﻄﻮرة واﻟﱰاث
ﺣﻮل »ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ« إﻧﻤﺎ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﲆ اﻷﺻﻮل اﻟﺘﻮراﺗﻴﺔ اﻟﺘﻲ دﺷﻨﻬﺎ ﻛﺮه أﺣﺒﺎر ﻳﻬﻮد، ﻣﻊ ﺳﻘﻮط اﻹﻣﱪاﻃﻮرﻳﺔ اﻟﻜﻠﺪاﻧﻴﺔ ﻋﺎم ٥٩٣ق.م. وأﻣﺮ »ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﴫ« ﻟﻴﺲ ﺑﺤﺎﺟﺔ لمﺰﻳﺪ ﻣﻦ اﻹﻓﺎﺿﺔ، ﻓﺎﻟﺘﺄرﻳﺦ اﻟﺘﻮراﺗﻲ ﻟﻪ أﺳﺒﺎﺑﻪ ودواﻓﻌﻪ، والمﺴيرة اﻟﱰاﺛﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺗﻌﻤﻞ ﺑﺤﺪﻳﺚ المﺼﻄﻔﻰ ﷺ: »ﺣﺪﺛﻮا ﻋﻦ ﺑﻨﻲ إﴎاﺋﻴﻞ وﻻ ﺣﺮج«. ﺧﺎﺻﺔ إذا ﻛﺎن ﰲ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﱪ.
ﻫﺬا ﻣﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ ﺷﺄن المﻠﻮك اﻷرﺑﻌﺔ، وﻣﺎ ﺧﺮﺟﻨﺎ ﺑﻪ ﻣﻦ درس وﺑﺤﺚ ﺷﺄﻧﻬﻢ ﺑﻐﺮض إزاﻟﺔ اﻟﻨﻜﺎرات، واﻟﻠﻬﻢ إﻧﺎ ﻗﺪ ﺣﺎوﻟﻨﺎ، اﻟﻠﻬﻢ ﻓﺎﺷﻬﺪ.
ﻟﻮﺣﺔ رﻗﻢ :٢٩ ﺗﺼﻮر ﻓﻨﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﻟﱪج ﺑﺎﺑﻞ )اﻟﺰﻗﻮرة( ﺣﺴﺐ المﻮاﺻﻔﺎت اﻟﺘﻮراﺗﻴﺔ.

ﻟﻮﺣﺔ رﻗﻢ :٣٠ ﻣﺌﺬﻧﺔ ﻣﺴﺠﺪ ﺳﺎﻣﺮاء، ﻗﺎرن ﻣﻊ اﻟﺰﻗﻮرة اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، ﺣﺴﺐ المﻮاﺻﻔﺎت اﻟﺮاﻓﺪﻳﺔ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق