التعليق على كتاب الفتوحات العربية في روايات المغلوبين
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
·
فالحقيقة التاريخية لا تولد من انتصار رواية على أخرى، بل من قدرتنا على النظر إلى الروايتين دون أن نفقد عقولنا بينهما.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليق كلي على الكتاب وما استفدت.
هذا الكتاب لم يجعلني أنظر إلى الفتوحات باعتبارها مجرد انتصارات وهزائم، بل باعتبارها تاريخًا تتنازعه روايات المنتصر والمغلوب. علّمني أن السيف قد يغيّر الأرض في لحظة، لكن الإنسان والذاكرة والفكرة تحتاج إلى أجيال كي تتغير. وأهم ما خرجت به أن التاريخ لا يُقرأ بعين واحدة؛ فالمنتصر لا يملك الحقيقة كاملة، والمغلوب لا يملكها كاملة أيضًا. وبين الروايتين تبقى الحقيقة, وبين الروايتين تبقى الحقيقة بحاجة إلى عقلٍ يسأل، ويمحّص، ولا يكتفي بما ورثه. وفي النهاية، لا يبقى من الفتوحات ضجيج السيوف، بل ما تركته في الإنسان، وما حفظته الذاكرة، وما استطاعت الأجيال أن تفهمه من بعدها.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الحادي عشر: أعادها الله إلى ديار الإسلام.
أكثر ما شدّني في هذا الفصل أن الأرض قد تعود، لكن التاريخ لا يعود معها. فعودة البلاد إلى الحكم الإسلامي لم تكن مجرد استرجاعٍ لحدودٍ ضاعت، بل بداية لواقع جديد يحمل آثار ما سبقه. وهنا أدركت أن الفتوحات لا تُفهم فقط من خلال سؤال: من انتصر؟ بل من خلال سؤال أعمق: ماذا بقي بعد الانتصار؟ فالأرض تتبدل سلطتها في يوم، أما آثار الفتح في الناس والثقافة والذاكرة فقد تمتد قرونًا. لذلك وجدت أن عنوان الفصل يحمل معنى أعمق من ظاهره؛ فالعودة ليست رجوعًا إلى الماضي، بل انتقالًا إلى تاريخ جديد يُكتب فوق تاريخ قديم.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل العاشر: علاقات المغلوبين.
هذا الفصل جعلني أتوقف عند فكرة تبدو بسيطة لكنها تغيّر كثيرًا من نظرتنا إلى التاريخ: المغلوب ليس دائمًا عدوًا للمنتصر، والمنتصر ليس دائمًا قادرًا على فرض إرادته وحده. بعد انتهاء المعركة تبدأ شبكة أخرى من العلاقات؛ مصالح، وتحالفات، وتعاون، ومقاومة، وتكيّف، وكل طرف يحاول أن يجد لنفسه مكانًا في الواقع الجديد. وهنا تصبح صورة «المغلوب» أكثر تعقيدًا من مجرد شخص خسر الحرب. فقد يكون الإنسان مغلوبًا عسكريًا، لكنه يملك معرفة أو ثقافة أو نفوذًا يحتاج إليه المنتصر. وقد يتعامل مع السلطة الجديدة لا حبًا بها، وإنما حفاظًا على مصالحه أو مجتمعه. وفي المقابل، قد يحتاج المنتصر إلى هؤلاء المغلوبين أكثر مما يبدو، لأن السيطرة على الأرض أسهل من إدارة مجتمع كامل. وهذا يجعلني أرى أن الفتوحات لم تكن لحظة تنتهي عند انتصار جيش على جيش، بل بداية مرحلة طويلة من التفاوض غير المعلن بين المنتصر والمغلوب. ومع مرور الزمن يصبح من الصعب الفصل بينهما بصورة حادة؛ فالمنتصر يتأثر بالمغلوب كما يتأثر المغلوب بالمنتصر، وتتشكل من هذه العلاقة مجتمعات وثقافات جديدة. والأهم أن هذا الفصل ينسجم مع فكرة الكتاب الأساسية: إذا أردنا فهم التاريخ فعلينا ألا نكتفي برواية المنتصر، ولا نفترض أن المغلوب كان دائمًا رافضًا لكل ما جاء به المنتصر. التاريخ أكثر تعقيدًا من ثنائية غالب ومغلوب؛ فبعد السيف تبدأ حياة كاملة من العلاقات، ومنها يتشكل التاريخ الحقيقي.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل التاسع بعد السيف... الكتاب.
هذا الفصل يضعنا أمام مرحلة لا تقل أهمية عن مرحلة الفتوحات نفسها بل أهم: ماذا يحدث بعد أن ينتهي السيف؟ فالفتح لا ينتهي بانتهاء المعركة، بل تبدأ بعده معركة أخرى على الذاكرة والرواية والتفسير. ومن هنا يأتي الكتاب؛ إذ لم يعد السؤال فقط: من انتصر؟ بل: من سيكتب ما حدث؟ وكيف سيُروى للأجيال القادمة؟ وهنا أرى أن الكتاب كان امتدادًا للسيف، ولكن بصورة مختلفة. فبعد أن تغيّرت الخريطة بالقوة، جاءت الكتابة لتفسر ذلك التغيير وتمنحه معنى، وتحدد كيف ستتذكر الأجيال الفتح وأبطاله وخصومه. ولذلك فإن قراءة الروايات التي وصلتنا ليست مسألة بسيطة؛ لأن من يملك القلم يستطيع أن يترك للأجيال صورته الخاصة عن الحدث، بينما قد تضيع أصوات الذين لم يملكوا القدرة على الكتابة أو حفظ روايتهم. وهذا بالذات يجعل الفصل مهمًا في سياق الكتاب كله؛ فالكاتب منذ البداية يدفعنا إلى النظر في روايات المغلوبين، وهنا نفهم لماذا يصبح الكتاب ساحة صراع لا تقل أهمية عن ساحة المعركة. فالمغلوب قد يخسر أرضه، لكنه يستطيع أن يحتفظ بذاكرته، والمنتصر قد يملك القوة، لكنه لا يملك وحده حق تحديد معنى التاريخ. ومن هنا أجد أن انتقال المعركة من السيف إلى الكتاب يحمل معنى قريبًا جدًا مما نؤمن به نحن أتباع المسيح الموعود عليه السلام. فالإمام المهدي الحبيب في هذا العصر لم يُبعث ليحسم الصراع بحدّ السيف، بل بالقلم والحجة والبرهان والكلمة كما قال عليه الصلاة والسلام: " السيف أنفاسي ورمحي كلمتي" لأن معركة هذا الزمان ليست معركة أرضٍ تُفتح، بل عقولٍ تُفتح وقلوبٍ تستنير. لقد ترك لنا المسيح الموعود عليه الصلاة السلام كتبًا كثيرة، لم تكن مجرد صفحات تُقرأ، بل كانت كشفًا للمستور، وإزاحةً للغطاء عن نورٍ كان حاضرًا وغائبًا عن الأبصار. وكانت كلمته حيّة، ثرية، طيبة، ممتلئة بالوحي والحكمة والنور؛ ولذلك لم تنتهِ بانتهاء زمنه، بل بقيت تمتد من جيل إلى جيل. ولو افترضنا جدلًا أن المهدي جاء بالسيف كما يقولون، فما الذي كان سيبقى من أثر ذلك السيف بعد عقدين او ثلاث؟ السيف يحسم لحظة، وقد يخضع له قوم، لكن أثره يبرد بانتهاء المعركة. أما الكلمات فليست كذلك؛ تمر عليها العقود ولا تخبو، بل تجد طريقها إلى قلب جديد فتوقظ فيه معنى جديدًا. وهذا ما نراه في كلمات المسيح الموعود عليه السلام؛ فقد مضى على دعوته قرن ونصف تقريبًا، وما زالت كلماته حاضرة، نافذة في هذا العصر، نهتدي بها وتهتدي بسببها قلوب كثيرة إلى ما رأت فيه نورًا وحقًا. بل إن امتداد هذه الدعوة لم يتوقف عنده، وإنما ظهر فيمن ورث دعوته وبُعث على قدمه وهو النبي يوسف بن المسيح عليه الصلاة والسلام. وهذا يجعلنا نقرأ هذا الفصل لا باعتباره حديثًا عن الماضي فقط، بل كأنه يضع أمامنا قاعدة تتكرر في التاريخ: السيف قد يفرض واقعًا، لكن الكتاب هو الذي يصنع الذاكرة، والكلمة هي التي تبقى بعد زوال أصحاب القوة. ولذلك أرى أن أخطر ما في التاريخ ليس فقط من انتصر بالسيف، بل من بقي قادرًا على الكتابة بعد أن هدأ صوت السيوف. فهناك تبدأ الحرب الأطول: حرب الروايات والأفكار والذاكرة. والسيف مهما طال عمره يفنى، أما الكلمة فقد تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، حتى تصبح أقوى من اللحظة التي وُلدت فيها، حتى أنها تصبح تاريخ فتكون اقوى من ضرب السيوف. ولهذا كان عنوان الفصل «بعد السيف... الكتاب» عميقًا جدًا في نظري؛ لأنه لا يعني أن الحرب انتهت، بل يعني أن شكل الحرب تغيّر. ومن هنا يصبح القلم سلاحًا حقيقيًا، لا لأنه يهزم الإنسان، بل لأنه يخاطب عقله، ويعبر الزمان ويبقى أثره حين لا يبقى من السيف إلا ما كتبه التاريخ عنه.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الثامن هل الفتوحات مؤامرة يهودية؟
هذا الفصل جعلني أقلّ استعدادًا لرفض فكرة المؤامرة بشكل قاطع. فالتاريخ ليس دائمًا ساحة أحداث عفوية، والقوى المتصارعة لا تتحرك بالسيوف وحدها، بل بالمعلومات والتحالفات واستغلال الانقسامات والبحث عن نقاط الضعف. لذلك أجد أن احتمال وجود أطراف حاولت الاستفادة من الفتوحات أو توجيه بعض نتائجها ليس أمرًا يمكن إسقاطه لمجرد أن كلمة «مؤامرة» تبدو مبالغًا فيها. لكن ما يثيرني أكثر هو أن وجود مصالح أو اتصالات أو تحالفات سرية، إن ثبتت في حالة معينة، لا يعني تلقائيًا أن الفتوحات كلها كانت مشروعًا مخططًا له من جهة واحدة. الفرق كبير بين أن تستغل جماعة حدثًا تاريخيًا لمصلحتها، وبين أن تكون هي التي صنعت الحدث من أساسه. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل كانت القوى الخفية تصنع الأحداث، أم كانت تنتظر حدوثها ثم تركب موجتها؟ أما ربط ذلك باليهود تحديدًا، فأنا أراه بحاجة إلى أدلة دقيقة، لأن تحميل جماعة بأكملها مسؤولية تحولات تاريخية واسعة قد يكون هو نفسه جزءًا من الرواية التي ينبغي أن نفحصها. ومع ذلك، لا أعتقد أن من الحكمة إغلاق باب البحث في المصالح الخفية والتحالفات غير المعلنة؛ فالتاريخ كثيرًا ما يُكتب بما ظهر للناس، بينما تبقى بعض دوافعه في المنطقة التي لا تصل إليها الروايات بسهولة. ولهذا خرجت من الفصل بسؤال أكثر إزعاجًا من عنوانه: كمٌّ من التاريخ الذي نعرفه كان فعلًا نتيجة ما نراه، وكمٌّ منه كان نتيجة أشياء حدثت خلف المشهد ولم تصلنا كاملة؟ وربما هنا تكمن قوة الفصل؛ فهو لا يجعلني أؤمن بالمؤامرة، لكنه يجعلني أكثر حذرًا من إنكارها لمجرد أن إثباتها صعب.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل السابع: إلى الصين ومنها.
حلو أنو هالفصل يوسّع نظرتنا إلى الفتوحات خارج حدود المنطقة العربية والفارسية، ويضعها أمام عالم بعيد مثل الصين. اللافت أن الأحداث لم تكن تُرى بالطريقة نفسها عند الجميع؛ فما كان توسعًا وانتصارًا من جهة، كان وصول قوة جديدة ومصدر قلق من جهة أخرى. والأهم أن الفصل يذكّرنا بأن التاريخ لم يكن يتحرك في اتجاه واحد، فالأخبار والأفكار والديانات كانت تنتقل بين الحضارات، وكل مجتمع كان يعيد تفسير ما يصل إليه وفق ثقافته ومصالحه. بالنسبة إليّ، قيمة الفصل أنه يجعلنا نتجاوز فكرة أن الفتوحات كانت مجرد توسع عسكري، ويظهرها كجزء من تواصل أوسع بين حضارات مختلفة. وهنا تصبح روايات الشعوب البعيدة مهمة، لأنها تمنحنا فرصة لرؤية الحدث من خارج الدائرة التي اعتدنا القراءة من داخلها.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل السادس: إيران عصر الغصن الحديد.
أكثر ما لفتني في هذا الفصل أن سقوط الدولة الساسانية لا يمكن اختصاره بانتصار العرب وهزيمة الفرس. فالإمبراطورية، رغم قوتها، كانت تمر بظروف داخلية جعلتها أكثر عرضة للانهيار، بينما جاء الفتح ليحوّل هذه الأزمات إلى واقع سياسي جديد. وأجد أن روايات المغلوبين هنا مهمة، لكن ليس لأنها صحيحة تلقائيًا، بل لأنها تكشف كيف رأى الطرف الآخر سقوط دولته. وفي المقابل، لا ينبغي أن نأخذ رواية المنتصر كحقيقة كاملة أيضًا. الحقيقة الأقرب تحتاج إلى مقارنة الروايات وفهم الظروف التي كُتبت فيها. والأهم أن سقوط الدولة لم يكن سقوطًا للمجتمع الإيراني. تغيّرت السلطة، لكن الثقافة والذاكرة استمرتا، وهذا يوضح أن الإمبراطوريات قد تنهار في لحظة، بينما تحتاج المجتمعات قرونًا لتتغير.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الخامس: الشيطان يستعبد مصر.
أكثر ما شدّني في هذا الفصل أن سقوط مصر لا يظهر كحدث يمكن اختصاره بجملة مثل: «دخل العرب فانهارت البلاد». الصورة التي يقدمها الفصل أكثر تعقيدًا؛ فمصر كانت أصلًا تعيش حالة من التوتر الديني والسياسي، والعلاقة بين السلطة البيزنطية وجزء من السكان لم تكن مستقرة. لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف دخل العرب إلى مصر؟ بل أيضًا: كيف أصبحت مصر مهيأة أصلًا لسقوط الحكم البيزنطي؟. وهنا أجد أن قيمة الفصل ليست في تقديم رواية بديلة جاهزة، بل في إزعاج الرواية السهلة. فكلما ظهرت رواية تقول إن المصريين رحّبوا بالعرب، نجد رواية أخرى تصف العنف والدمار والمجازر، وكلما ظهرت صورة تجعل الفتح نتيجة طبيعية لانهيار الحكم البيزنطي، تظهر مصادر تحمل الفاتحين مسؤولية ما حدث بعد ذلك. وهذا التناقض بحد ذاته مهم، لأنه يذكرنا بأن التاريخ لا يصلنا كما وقع، بل يصلنا من خلال أشخاص كتبوه من مواقع مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، وبأهداف مختلفة. لكن بالنسبة إليّ، لا أرى أن وجود تناقض بين المصادر يعني أن كل الروايات متساوية في صدقها. هذه نقطة يجب الانتباه إليها أثناء قراءة الكتاب. فكون المصريين كانوا يعانون من صراعات واضطهاد ديني لا يعني تلقائيًا أنهم كانوا يريدون الحكم العربي، كما أن وجود روايات عن القتل والنهب لا يكفي وحده لبناء صورة كاملة عن كل الفتح. بين الأمرين مساحة واسعة تحتاج إلى مقارنة المصادر بدل اختيار الرواية التي توافق موقفنا مسبقًا. وهذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن مصر مختلفًا. فالمجتمع المصري لم يكن كتلة واحدة لها موقف واحد. كان هناك اختلاف ديني وسياسي واجتماعي، وكانت علاقة السكان بالسلطة البيزنطية متفاوتة. لذلك فإن عبارة «المصريون» نفسها تحتاج إلى الحذر؛ من هم المصريون الذين نتحدث عنهم؟ رجال الدين؟ عامة السكان؟ أصحاب النفوذ؟ الأقباط؟ الخلقدونيون؟ المدن أم الريف؟ عندما نطرح هذه الأسئلة، تصبح الصورة أكثر واقعية وأقل قابلية للتبسيط. وأعتقد أن أقوى ما يفعله الفصل هو أنه يجعلنا ننتبه إلى مشكلة خطيرة في كتابة التاريخ: أننا أحيانًا نحول الشعوب إلى شخصية واحدة. نقول «المصريون فعلوا»، «العرب فعلوا»، «البيزنطيون فعلوا»، وكأن الملايين الذين عاشوا في تلك الفترة كانوا يملكون رأيًا واحدًا. بينما الواقع الإنساني أكثر فوضى من ذلك بكثير. أما عنوان الفصل الشيطان يستعبد مصر، فأراه بحد ذاته مدخلًا مهمًا لفهم طريقة تصوير الحدث في بعض الروايات. المغلوب لا يصف سقوط دولته بالطريقة نفسها التي يصفها بها المنتصر. بالنسبة إليه، قد يكون الحدث فقدانًا للأمان والدين والنظام الذي اعتاد عليه، ولذلك تظهر لغة قاسية ومشحونة بالخوف والحزن. وهذا لا يجعل الرواية كاذبة، لكنه يجعلنا نقرأها بوصفها أيضًا شهادة على شعور أصحابها تجاه ما حدث. والأهم بالنسبة لي أن الفصل يضعنا أمام مفارقة تاريخية: قد يكون الشعب ناقمًا على السلطة التي تحكمه، لكنه لا يعني بالضرورة أنه يريد القوة التي ستحتل بلاده بدلًا منها. وهذه نقطة أجدها شديدة الأهمية، لأننا كثيرًا ما نخلط بين كراهية الحاكم وقبول الغازي. قد يكره الإنسان السلطة التي يعيش تحتها، لكنه في الوقت نفسه يخاف من القادم الجديد. لهذا أرى أن سقوط مصر، كما يظهر من هذا الفصل، لم يكن نتيجة عامل واحد. هناك ضعف بيزنطي، وصراع ديني، ومشكلات سياسية، وظروف عسكرية، ثم قوة الفاتحين نفسها، وكل عامل من هذه العوامل يفسر جزءًا من الصورة، لا الصورة كلها. وفي النهاية، خرجت من الفصل بفكرة أهم من مجرد معرفة كيف سقطت مصر: التاريخ لا يصبح أكثر صدقًا عندما نستبدل رواية المنتصر برواية المغلوب، بل عندما نضع الروايتين أمام بعضهما ونبدأ بالسؤال. وهذا بالنسبة لي هو الاختبار الحقيقي لهذا الكتاب: ليس أن يجعلني أصدق المغلوب لمجرد أنه مغلوب، ولا أن أرفض رواية المنتصر لمجرد أنه منتصر، بل أن يجعلني أشك في سهولة الروايات التي ورثتها، وأبحث عن المساحات التي سكتت عنها تلك الروايات. ففي النهاية، التاريخ ليس محكمة نبحث فيها عن طرف نعلّق عليه التهمة، بل محاولة لفهم كيف عاش الناس الحدث، وكيف فسّروه، ولماذا اختلفت ذاكرتهم عنه. ومصر في هذا الفصل تبدو مثالًا واضحًا على أن سقوط دولة لا يعني أن شعبًا كاملًا اتخذ موقفًا واحدًا، وأن الانتصار العسكري لا يخبرنا وحده بما كان يجري داخل المجتمع الذي انهزم.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الرابع وداعا سوريا.
سقوط سوريا ما كان لحظة واحدة ولا قرار معركة واحدة، بل نتيجة مرحلة كاملة كانت فيها الدولة من الداخل عم تخسر تماسكها قبل ما تخسر أرضها. وهون برأيي بيصير السؤال الأهم مو: كيف انتصر العرب؟ بل: كيف وصلت سوريا أصلاً إلى مرحلة صار فيها هذا الانتصار ممكناً؟ مع ذلك، كنت أتمنى لو الكاتب وقف أكثر عند هذه النقطة، لأن التركيز على أزمات البيزنطيين ممكن يجعل نجاح العرب يبدو كأنه نتيجة فراغ تركه الآخرون، بينما الفتح نفسه كان يحتاج إلى قوة وتنظيم وقدرة على استثمار تلك اللحظة. هذا الفصل من أكثر الفصول التي تجعلني أشعر بأن الفتح لم يكن مجرد انتقال سلطة من يد إلى أخرى، بل كان لحظة وداع لعالم كامل وبداية عالم جديد. فسوريا التي دخلتها الجيوش لم تكن أرضًا بلا تاريخ، بل مجتمعًا له ذاكرة وهوية وتوازنات، ولذلك فإن سقوطها لا يمكن اختزاله في مشهد عسكري. ما أراه مهمًا في الفصل هو أن النهاية العسكرية لا تعني أن المجتمع نفسه اختفى أو بدأ من الصفر. السلطة تستطيع أن تتغير بسرعة، أما الناس وعاداتهم وذاكرتهم فتستمر وتتفاعل مع الواقع الجديد. ولهذا فإن كلمة «وداعًا» في العنوان تبدو لي أعمق من مجرد وداعٍ لبلادٍ خرجت من حكم ودخلت في حكم آخر؛ إنها وداع لمرحلة تاريخية كاملة. واللافت أن الفصل يجعلني أتساءل: هل كان المنتصر يدخل سوريا، أم أن سوريا نفسها كانت تدخل مرحلة جديدة من تاريخها؟ وربما هنا تكمن أهمية الفصل؛ فالفتوحات لا تُقاس فقط بما أخذته الجيوش، بل بما صنعه التغيير بعد أن هدأت أصوات المعارك.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الثالث: سيوف من شهب.
أكتر شي لفتني فيه إنّه بيورجي كيف الإنسان أحياناً بيفسّر الأحداث الكبيرة من خلال معتقداته ومخاوفه، مو بس من خلال الوقائع نفسها. وهون بشوف نقطة قوة ونقطة ضعف بنفس الوقت: قوة لأن الروايات الدينية بتكشف لنا كيف فهم الطرف الآخر ظهور العرب، وضعف إذا اعتبرنا هالتفسيرات نفسها دليلاً على سبب الفتوحات. برأيي، الرواية بتكون مهمة حتى لو ما كانت دقيقة بكل تفاصيلها، لأنها بتكشف لنا كيف كان المغلوب عم يشوف الحدث ويفسّره. لم يكتفي الكاتب بتصوير الفتوحات كقوة عسكرية ظهرت فجأة، بل يحاول أن يضع أمامنا حجم الصدمة التي أحدثها ظهور العرب في تلك المرحلة. فالسيف هنا ليس مجرد أداة حرب، بل رمز لقوة جديدة دخلت على عالم كانت تسيطر عليه إمبراطوريات اعتقدت أن نفوذها مستقر. لكنني أرى أن قوة الصورة لا ينبغي أن تدفعنا إلى تبسيط الحدث؛ فالسيف وحده لا يصنع تحولًا تاريخيًا بهذا الحجم. وراء سرعة التوسع ظروف سياسية وعسكرية واجتماعية جعلت اللحظة قابلة لهذا التغيير. والفصل ده يجعلنا ننظر إلى الفتوحات لا كمعجزة عسكرية منفصلة عن سياقها، بل كحدث التقت فيه قوة صاعدة مع عالم كان يعاني أصلًا من نقاط ضعف.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الثاني: عملاقان بأقدام فخارية.
كان مقنعاً بفكرته لأنه بيبيّن إن الفتوحات ما صارت بفراغ، وإن وضع الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية كان إلها دور كبير بالنتيجة. حسّيت إن التركيز على ضعف الخصم ممكن يخلّي دور العرب يطلع أقل من حجمه. فضعف الإمبراطوريات بيفسّر جزء من الفرصة أو القدر، لكنه ما بيفسّر لحاله كيف قدر العرب يستفيدوا منها ويحققوا هالنتائج. أكثر ما لفتني في هذا الفصل أن الكاتب يهدم الصورة التي قد تبدو للوهلة الأولى عن قوتين عظيمتين تقفان في وجه الفتوحات، وكأن سقوطهما كان أمرًا مستحيلًا. فـ«العملاق» قد يبدو مخيفًا من الخارج، لكن قوته لا تعني بالضرورة أن بنيته الداخلية متماسكة. وهنا أجد أن قوة الفصل في كشف المفارقة بين هيبة الإمبراطوريات وحقيقة ضعفها الداخلي. فالدولة قد تمتلك الجيوش والأرض والسلطة، لكنها تصبح هشة عندما تتراكم داخلها الأزمات والصراعات والانقسامات. لذلك لم يعد السؤال بالنسبة إليّ: كيف استطاع العرب مواجهة عملاقين؟ بل: كيف وصل هذان العملاقان أصلًا إلى مرحلة أصبحت فيها أقدامهما من فخار؟. وهذا يجعل عنوان الفصل دقيقًا جدًا؛ فالعملاق لا يسقط دائمًا لأن خصمه أقوى منه، بل قد يسقط لأن ما يحمله من قوة ظاهرة يخفي وراءه بناءً بدأ يتشقق من الداخل. وبرأيي، هذه هي الفكرة الأهم في الفصل: أن عظمة الدول لا تُقاس بحجمها، بل بمدى قدرتها على الصمود من الداخل عندما تأتيها لحظة الاختبار.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
تعليقا على الفصل الأول: العرب السراسنة الطائيون الهاجريون.
هذا الفصل كان مدخلاً موفقاً للكتاب، لأنه بيخلي القارئ يعيد التفكير بالصورة الجاهزة عن العرب اللي بتوصلنا من الروايات التاريخية. و تعدد الأسماء والتسميات ما لازم يقودنا مباشرةً لاستنتاجات كبيرة عن أصل العرب وهويتهم. فالمهم مو بس شو كان الاسم، بل مين استخدمه، وبأي زمن، ولأي جماعة كان يقصده. بالنسبة إلي، قيمة الفصل مش بأنه أعطاني جواب نهائي، بل بأنه خلاني أشكك بالرواية الواحدة وأتعامل مع المصادر التاريخية بحذر أكبر. وأكثر ما أثارني في هذا الفصل أن الكاتب لا يتعامل مع اسم «العرب» كأنه حقيقة بسيطة وواضحة منذ البداية، بل يحاول أن يفكك الأسماء التي أطلقتها المصادر القديمة على العرب، وكيف تغيّر معناها باختلاف الزمان والجهة التي كتبتها. وهذا يجعلني أرى أن الاسم الذي نعرفه اليوم قد يخفي وراءه تاريخًا طويلًا من التحولات والالتباسات. واللافت أن تتبع هذه التسميات لا يبدو مجرد بحث لغوي، بل محاولة لفهم كيف كانت الشعوب ترى بعضها بعضًا، وكيف يمكن لاسم واحد أن يحمل وراءه تصورًا سياسيًا أو دينيًا أو جغرافيًا. لذلك أعجبني الفصل لأنه يعلّمنا ألا نأخذ المصطلحات التاريخية كما لو كانت ثابتة، بل نسأل دائمًا عن هذا الاسم وكل اسم وماذا كان يعني في ذلك الزمن؟ واللي بيزيد الفصل قوة أنه يبدأ من الاسم ليقودنا إلى سؤال أكبر: هل نحن نقرأ التاريخ كما حدث، أم كما سمّته المصادر التي وصلت إلينا؟ وهنا يصبح تفكيك الاسماء ودراستها ودراسة اصولها مفتاحًا لفهم الرواية التاريخية قبل أن ندخل في أحداثها.
رد
مشاركة
Hazem Ahmadi
·
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله ، قد طلب منا نبي الله و معلمنا يوسف بن المسيح أن نقرأ كتاب "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" للمؤلف حسام عيتاني ، قراءة نقدية محايدة و نضع على ضوء هذه القراءة تعليقاتنا .
* تمهيد لبداية تعليقاتي على الكتاب بشكل عام .
إن أراد شعب ما كتابة تاريخه فإنه يكتبه كما يراه و كما تلقاه عن الماضي من سلفه و كما أراد أو تمنى أن يكون ليُناسب حاله في زمانه و مكانه و إن بدا في ذلك كاذب مُحرف للحقيقة ، و المفروغ منه بالطبع أن يد السلطان المادي أو الديني أو كلاهما معاً له ضلع كبير في سير كتابة هذا التاريخ سواء بالتأثير المباشر أو غير المباشر ، بالدس المباشر أو بالدس الخفي اللطيف في عقول الناس السذج و مداعبة قلوبهم المرهفة سريعة التصديق و التحمس لما هو تقليد موروث مُقدس ، هل يجد هذا الشعب أو بالأحرى كاتب تاريخ شعبه ، هل يجد عنده مسوغ أن يُرعي إنتباهه أو إنتباه غيره لحال الشعوب الأخرى كيف ترى شعبه هو أو علاقاتها به خارج منظور يخدم و يُعلي قدر شعبه ! إن النزعة الوطنية و القومية و العرقية و الدينية أو المذهبية نراها بوضوح في كتب التأريخ هذه ، و منذ متى تجد دولة منتصرة على دولة أخرى تهتم بذكر حال المغلوبة في سياق هذا النصر سوى التهميش و التحقير أو إظهارها فرحة تُرحب بالفاتحين كمحررين ، و حتى الدولة المغلوبة هذه عندما تكتب تاريخ هذه الخسارة ستجدها تكتبه من جانبها لصالحها أمام الوحش الضاري الذي هزمها ، لذلك عند وضع الروايات من الطرفين بجانب بعضهما مع القراءة النقدية المحايدة دون أي تحيز ستجد بعض النقاط المشتركة و ستجد غير ذلك ، و من المؤكد أن معرفة الحقيقة كاملة أمر لا يمكن حدوثه ، إنما نحاول الوصول إلى ما هو أقرب نقطة للحقيقة ، و أول خطوة هو تكسير الإطار المعتاد و التقليدي الذي يوضع أمام أعين الناس و البحث عن تلك النقطة ، و في كتاب "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" مثال على تكسير هذا الإطار المتوارث عبر الأجيال التي إتخذت هذا الموروث بأنه صحيح و لا يُعلى عليه ، هذا الكتاب قد كشف عن خبايا ما كان لعامة المسلمين أن يتوقعوها من أنها صادرة عن شخصيات إسلامية عُرفت بالتقوى و الصلاح ، و كما كشف لمحات عن فضائح الأمويين و العباسيين ، و كيف كان الدين أداة بيد السلاطين بمختلف البلدان ، و النقطة المهمة جداً أن الفتوحات العربية ما كانت لتنجح و تنتشر :
١- لولا أن الممالك العظمى(بيزنطة و فارس) من حول العرب كانت في طور إضمحلالها الطبيعي في دائرة النمو و التدهور الحتمي في حياة كل دولة ، و إنتشار الظلم في ربوع أراضيها خاصة في تقييد الحرية الدينية و إضطهاد مخالفي العقيدة أو الديانة الرسمية .
٢- و كذلك ما كان للإسلام أن ينتشر خارج المدينة المنورة لولا حروب الردة في عهد أبي بكر .
٣- و لولا إستغلال الأسرة الأموية للدين الإسلامي كأداة للوصول للسلطان و ما هم من الدين نفسه بقريبين .
٤- و حتى الصراعات التي حدثت بين الطوائف المسيحية فأدى ذلك إلى ضعف الوازع الديني عند المسيحيين مثلما في الأندلس حيث انتشرت الأريوسية و التي هي قريبة من التوحيد ، هذا جعل الإسلام ينتشر بينهم أكثر .
و كلما صعد نجم أسرة جديدة في الحكم تجد أن الدين كالعجينة بين يديها يُشكل كما يتلائم مع مصالحها و هنا نجد في مختلف الأديان و ليس الإسلام فقط قد ظهرت التحريفات و التأليفات لتتناسب مع واقع ذاك السلطان و من ذلك وضع نبوءات على أنها قديمة تُبشر أو تُنذر من الحال الراهن في وقت إنتشارها لجذب إنتباه الناس و ولاءهم لقضية الحكام و رجال دينهم ، و تجد أن النبوءة نفسها مع الزمن يتغير تفسيرها مع كل خطر يُحدق بالأمة التي تتبنى هذه النبوءة فتتغير أسماء الشخصيات تبعاً لذلك .
* الفصل الأول : (العرب السراسنة الطائيون الهاجريون)
- أهم النقاط هنا :
- علاقة العرب مع الدول المجاورة لهم بدأت قبل الفتوحات العربية ، و تواجد العرب كتُجار و قبائل و غزاة : من جنوب العراق إلى سواحل شبه جزيرة سيناء .
- الأسماء التي عُرِف بها العرب : لا يوجد إتفاق عليها ، و أكثرها رواجاً :
١- الإسماعيليون نسبة إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل .
٢- السراسنة : هو الإسم الأوسع إنتشاراً من قِبل المؤرخين اليونان و الرومان ثم المسيحيين ، و من الآراء حول أصل هذه التسمية :
▪️ إشارة إلى قبيلة معينة في صحراء سيناء و هي دمج لكلمتين باليونانية (سرك) و (إينوس) .
▪️ البعض يرى أنها تحوير لكلمة (شرق) أو فعل (سرق) أو إسم قبيلة (السواركة) أو (وادي السواريك) و هو إسم قديم لمكان شمال يثرب .
▪️ أو أنها خطأ في قراءة الكلمة الآرامية (شربت) أي قبيلة و تحويرها إلى (شركت) .
▪️ قد تكون مشتقة من جبل (السراة) في الحجاز .
▪️ البعض يرى أنها من لفظ صحراء sahara كأصل لكلمة السراسنة .
▪️ البعض يرى أنها من تسمية (سكان الخيم) باليونانية .
▪️ أو أنها نسبة إلى سارة زوجة إبراهيم -عليه السلام- .
٣ - الهاجريون : و هي صفة تحقيرية للعرب أنهم من نسل الخادمة هاجر زوجة إبراهيم ، و كان العرب متمسكين بأن يُنسبوا إلى سارة لا هاجر .
* الأوروبيين في مناطق عدة بالقارة امتنعوا عن تسمية المسلمين بلفظ "المسلمين" و فضلوا إطلاق صفات أخرى للتقليل من أهمية الإسلام فأسموهم : السراسنة ، المور ، الأتراك ، التتار ، و بالمثل فعل المسلمون ذلك مع الشعوب الأخرى .
٤ - الطائيون : المسيحيين السوريين استخدموا كلمة (طيايي/طائي) في تسمية العرب بأنهم من قبيلة (طي) ، و من لفظ الطائيين تفرعت أسماء أخرى منها (تازيغ ، تازي ، طاجيك) ، الآشوريين أطلقوا بلغتهم على قبيلة طي إسم (طيايا ، طيايو) ، و الفرس هم من عمموا إسم الطائيين على العرب بعد ولاء العرب اللخميين مع الفرس ، و الشعوب التركية البدوية أطلقت على العرب إسم تحول من الطائيين إلى (تازيغ) و في الصين تحول إلى (تا-شي) و في التبت تحول إلى (تا-زيغ) ، و في روسيا يُعتقد أن أصل كلمة (تازيغ) المنتشرة بين التتار المسلمين هو من كلمة تاجر .
٥- المهاجرين : نسبة إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ، و أطلق المسؤولين المسلمين ذاك على أنفسهم في المناطق المفتوحة ، و ترجمها البيزنطيين إلى (ماغاريتس) باليونانية و منها إشتقوا أسماء تبخيسية .
* الغساسنة العرب تحالفوا مع بيزنطة ، و اللخميين العرب تحالفوا مع الفرس .
- ذكر المؤلف : أنه ربما المسيحية هي من عرَّفت العرب على بعض أسفار التوارة (خاصة أسفار موسى الخمسة) فعرَّفتهم على علاقة إسماعيل بالعرب و بذلك منحت العرب هوية جديدة و نظروا لأنفسهم أنهم من الشعوب التوراتية .
- و يقول : ربما إعتناقهم للمسيحية محاولة للتخلص مما وسمتهم التوراة بالتحدر من الخادمة هاجر فأدخلتهم المسيحية ضمن شعب الله بالمعنى المسيحي ! .
* و أُعلق على سرد المؤلف لأحوال الممالك المحيطة بالعرب قبل الفتوحات العربية :
من البديهي لفهم أحداث هذه الفتوحات أن يتطرق المرء إلى الأحوال التي سبقتها و الأوضاع التي كانت عليها بلاد العرب و الممالك العظمى أنذاك حتى نفهم كيف نالت هذه الفتوحات النجاح رغم أنها خرجت من قعر البدوية لتُناضل على أرضية حضارية عريقة الأساس ، و يجب و نحن نقرأ قراءة نقدية محايدة أن نستبعد المفهوم الدارج عند عامة المسلمين المتوارث أنه لكون الإسلام هو الدين الحق هذا ما جعل فتوحات العرب تنال النصر و ينتشر الإسلام ، علينا أن نُدرك جيداً أن أوضاع الأمم أنذاك من المهم تدبره و دراسته فلولا ضعفها و دخولها طور إضمحلالها و الإنشقاق في كيانها الداخلي (السياسي و الديني) ما كان للعرب المسلمين أن ينتصروا في فتوحاتهم ، مع الإعتبار من خلال قراءة التاريخ أجد أنه بالفعل أن الله الواحد يكون مع الأمة العادلة مهما كانت ديانتها ، فإن كانت الأمة العادلة كافرة فهي تنتصر على الأمة الظالمة المؤمنة ، و بذلك نجد أن أعظم ممالك في منطقة الشرق أنذاك و هي بيزنطة و فارس الساسانية كانتا في حالة ظلم ساخط على شعوبهما في إطار قمع الحرية الدينية ، و هذا الإعتقاد أن الإله الواحد يقف مع العادل على الظالم مهما كان دينهما ، نجده على ألسنة مختلفة عبر العصور و الأمكنة ، و هذا سبب من أسباب أخرى للإضمحلال و الهزيمة .
و أعجبني هذا الكتاب لأنه يرى موضوع الفتوحات العربية من خارج الصندوق الموروث أي يرى هذا الكتاب من كافة النواحي (السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية) و ليس فقط الدينية التي أرى أنها أي الدين عبارة عن أداة لا أكثر في كل الصراعات التي حدثت منذ القِدم حتى حديثاً .
و هذا الكتاب من اللطمات التي يُريد بها يوسف بن المسيح إفاقة عامة المسلمين من النعاس الذي أثقله الموروث التقليدي على أعينهم فجعلهم يُساقون و هم نيام إلى ما أراده أصحاب السلطة و المشايخ المطبلين لهم ، و هنا لطمة قوية يُكيلها يوسف بن المسيح مرة أخرى على قدسية السلف " الصالح " و تهميشها ، فالمسلمين في حاجة للشجاعة التي تأتي مع اليقين لكسر هذه القدسية المزيفة ، و ما اليقين يأتي إلا بعد الشك و البدء من الصفر و البحث الصادق عن الحقيقة دون أي تحيز
* الفصل الثاني : (عملاقان بأقدام فخارية) أي الإمبراطورية البيزنطية و الإمبراطورية الفارسية-الساسانية .
- أهم النقاط هنا :
- سنة ٦٣٤ ميلادي هو التاريخ المتفق عليه كبداية الفتوحات العربية أي بعد وفاة النبي ﷺ بعامين و بعد نجاح أبو بكر الصديق في قمع حركات الردة .
- كانت بيزنطة و فارس قد أنهيتا السلسلة الثالثة من حروبها ضد بعضهما و عقدا الصلح عام ٦٢٨ ميلادي دون نتائج حاسمة ، لكنهما وصلتا إلى حالة ضعف داخلي فاحتاجتا لبعض الوقت ليصلا إلى التوازن مرة أخرى بأحوالهما ، و هنا يظهر خطر الفتوحات العربية التي ما كانت تلك المملكتين أن تتوقعاه من قلب الصحراء ، و المؤلف هنا يسرد ذلك بالتفصيل ليعرض الأرضية التي أتت عليها الفتوحات العربية .
* حال فارس : صراعات داخل بيت الأسرة المالكة ، و حال بيزنطة : تصدع الأساس الديني-الأيدولوجي فيها بسبب الإنشقاقات الكنسية و خلافاتها ، و لكن لم تكن بيزنطة و فارس على حالة واحدة من الضعف إذ كانت بيزنطة أفضل حالاً من فارس لذلك بقيت صامدة في بعض بقاع مُلكها بعد هذه الفتوحات على عكس فارس .
- و النقطة المهمة هنا : أن المسيحيين في بيزنطة ساد بينهم رباط بين الثقافة الهلينية و الإيمان المسيحي و كان أوثق مما كان عند دين الفرس الإيرانيين ، فاعتقدت بيزنطة بالنظرية الهيلينية أن الحاكم هو صورة الله و نائبه على الأرض يحكم مملكة هي مُصغرة ملكوت السماء ، و دمجوا ذلك مع المسيحية فأصبح الإمبراطور البيزنطي بعدما تنصر هو نائب الله على الأرض ، و نجد أن الفكر السياسي البيزنطي قد أستخدم مقولات يونانية و رومانية لتأكيد الأوامر و النواهي المسيحية = و بذلك وقعت بيزنطة بما فعله قبلها الإمبراطورية الرومانية من إضطهاد المخالفين و إقرار دين واحد للإمبراطوية ، و بالطبع هذا الإضطهاد كان من أسباب ترحيب المضطهدين هنا بالفتح العربي كنصير لهم على الظالم كما تقول الرواية العربية .
* الإمبراطورية الفارسية-الساسانية :
- حكم البارثيين الإمبراطورية من ٢٤٧ قبل الميلاد إلى ٢٢٤ ميلادي و إنهار حكمهم و تولى الحكم الأسرة الساسانية و هؤلاء تخلصوا من آثار الحضارة الهلينية التي وصلت إلى الحكم البارثي من بقايا فتوحات الإسكندر الأكبر المقدوني و حكم ورثته بعده من السلوقيين .
- الديانة الزرادشتية في حكم الساسان : نالت النفوذ و المكانة في القصر الإمبراطوري لأن البارثيين لم يهتموا بالدين .
- بيزنطة و فارس إتخذتا نظام الإدارة المركزية الصارمة و الحكم المطلق لمنع نوازع الإستقلال في مناطقهم ، و أستخدم الدين و وسائله في تبرير إمساك الحاكم بالسلطة و ممارستها من خلال تحويل الرغبات الدينية للجماهير و تطويعها لصالح الحاكم .
- في بلاد ما بين النهرين :
الأشوريين تبنوا المسيحية على المذهب أو الطائفة النسطورية التي هي مختلفة عن الزرادشتية و المسيحية الأرثوذكسية ، و بذلك يضمن الأشوريين إستقلال في الهوية و الثقافة ، يعني اعتنقوا هذا المذهب لغرض مصالح لهم .
- و يذكر المؤلف أن العرب أخذوا الكثير من ممارسات بيزنطة و فارس حيال الشعوب الخاضعة للإحتلال مثل نظام الجزية التي كانت بيزنطة و فارس تفرضانه على أبناء الأقليات ، و كذلك أخذ العرب عنهما أساليب ممارسة السلطة = و هذا أمر طبيعي بأن يتطبع العرب(بعد خروجهم من عزلتهم البدوية) بدول متقدمة عنهم في ذلك و كان ذلك من البذور التي غُرست في تربة الحكم العربي .
- لكن الإمبراطورية البيزنطية استطاعت إعادة تنظيم نفسها و جيوشها بإنتعاش متدرج ببطء ، بالمقابل كانت أوضاع فارس الساسانية تُنذر بالخطر بأنها ستقع و سيحل مكان سيادة الفرس سيادة شعب آخر و هذا ما حدث .
* الفصل الثالث : (سيوف من شُهُب)
- الإعتقاد القائل أن أي كارثة سواء طبيعية مثل (بركان ،فيضان ، زلزال و غيرها) أو كارثة من صنع البشر كما حال الغارات و الحروب ، إذا حَلَّت بأمة معينة يحسبونها عقاباً من الله عليهم جراء ذنوبهم أو تقصيرهم في طاعته = فهذا الإعتقاد متواجد في كل الشعوب على مر العصور و مختلف الأماكن و ليس مقتصراً على أهل الديانات الإبراهيمية ، و أصل هذا الإعتقاد نجده عند الإنسان البدائي لأنه لا يفهم ماهية التقلبات المناخية حوله وكوارثها فإنه ينسبها إلى غضب أرواح شريرة أو لعنة منها فيتقي منها بتقديم قرابين مثلاً أو تمائم و تعاويذ(بدايات تكوين الدين البدائي) .
- أهم النقاط هنا :
- يذكر المؤلف عن نبوءات في كتب قديمة تحدثت عن الفتوحات العربية تصفها "سيوف من شهب" و ظهور هذه العلامات قبل أعوام أو أشهر من هذه الفتوحات في سوريا و بلاد ما بين النهرين و كما تنبأت تكهنات أن العهد العربي لن يزيد على ١٠٠ عام و ثم يختفي .
= و أُعلق هنا : مثل هذه النبوءات التي هي في الأغلب تم وضعها في وقت حدوث الكارثة على أساس أنها قديمة و ذلك لأهداف معنية يرجى منها ، فرجال الدين حتى يحثوا الناس على إتباع الأوامر الدينية و طاعتهم(وفقاً لمصالحهم طبعاً) فإنهم يُرهبونهم بأن هذه الكارثة حلت عليهم من الرب عقاباً لذنوبهم و تقصيرهم نحو دينه ، و كذلك قد تكون حيلة من رجال طائفة أو مذهب معين بأن هذه الكارثة حلت بسبب بدعة أو تحريف طائفة أخرى و ذلك لإضعاف مكانتها و نفوذها ، و كذلك قد تؤدي هذه النبوءات خدمات من رجال الدين للسلاطين بتثبيت شريعتهم بالحكم مثلاً أو كتبرير لسياسة أقرها السلطان ، و مثل هذه النبوءات قد وجدت في شعوب مختلفة عبر العصور ، و قد تكون صادقة في أساسها و تم إدخال التحريفات و الإضافات عليها مع الزمان حسب الغرض المطلوب الحصول عليه منها أو أنها من الأساس أكذوبة ، و هذا حال تفسير سبب الفتوحات العربية ما أوقعته من هزائم و خسائر على شعوب بيزنطة و فارس و غيرها ، فمثلاً ذكر المؤلف هنا أنه بسبب إساءة إمبراطور بيزنطة لبابا روما و تعذيبه و نفيه لخالف على عقيدة الطبيعة الواحدة أو الطبيعتين ، فعزى المسيحيون اليونان أن بسبب إساءة هذا الإمبراطور قد عاقب الله بيزنطة بالعرب ، و كذلك ذكر المؤلف مثال عن الأندلس حيث مملكة القوط التي اتبع الناس فيها المسيحية على المذهب الأريوسي(وحدة الله و أن المسيح عيسى هو نبي لا إله) و ثم أُجبروا على ترك هذه البدعة بالقوة و إتباع مذهب الكاثوليكية ، و لما سقطت مملكة القوط أمام العرب دخل أعداد كبيرة منهم للإسلام ، فاعتبر المسيحيين أن سقوط القوط هو عقاب من الله عليهم لإساءتهم إلى الله لإتباعهم الأريوسية ، أما حال الشمال الأسباني فكان الإيمان المسيحي فيه شديد التماسك لذلك كان مركز لشن حروب الإسترداد بعد ذلك ضد المسلمين .
- عند ذِكر المذاهب المسيحية المتنازعة فيما بينها و التي كل واحدة منها تُلقي سبب غضب الرب على الأخرى فبعث الرب هؤلاء العرب لعقابهم ، و ذكروا العرب الغالبين بأنهم أحط بني البشر أو وصفهم بأنهم الوحش الرابع الذي ذكر في سفر دانيال و غيرها من الأوصاف التحقيرية ، و هذا مبرر منهم لتحسين موقفهم أمام التاريخ .
- و يذكر المؤلف نقطة مهمة بأن شعورهم بالذنب وصل إلى أن قام المؤرخون المسيحيون بوضع الإتهامات بإرتكاب المسيحيون الخطايا على ألسنة القادة المسلمين بأنهم انتصروا لخطايا المسيحيين هؤلاء .
- أما أن روايات المغلوبين تذكر أعمال الوحشية و المجازر و الفحش التي إرتكبها العرب المسلمين الفاتحين فإن صحت فهذا أمر مُخزي يُخالف ما أمر به الإسلام .
- و حتى الزرداشتيين(من فارس/إيران) فعلوا كما المسيحيين بإعتبار فتوحات العرب هي عقاب من الله على ذنوبهم و بذخهم و إبتعادهم عن وصايا (زرداشت) من بساطة الحياة .
* التفسيرات من المستشرقين الحديثين و ذلك بعد دراستهم للمصادر العربية المتاحة لأسباب الفتوحات العربية :
١- منهم يرى سببها الإكتظاظ السكاني في الجزيرة العربية فكان الحل هو القيام بهذه الفتوحات و التوسع ، لكن يوجد إعتراض على هذا الرأي بأن أعداد العرب لم تكن بهذه الكثافة .
٢- المشكلة الإقتصادية بعد حدوث القحط ببلاد العرب أدى إلى دفعهم للهجرة و الإصطدام بأراضي بيزنطة و فارس .
٣- يوجد رأي أن طبيعة العرب تميل للقتال و الغزو و أن عندهم قدرة تنظيمية عسكرية تفوق أعداءهم بسبب الخضوع التام للأوامر عند الجند و هذا أساسه من الطاعة القبلية .
٤- لرغبة العرب في الحصول على الغنائم و السيطرة على الأراضي الخصبة الغنية مثل سوريا ، و ليس غاية هؤلاء الإسلام بعينه = أي أن العامل الديني لم يكن السبب الأول لهذه الفتوحات و نرى ذلك واضحاً تماماً في أطماع الأسرة الأموية .
- و نوضح أنه لولا ضعف بيزنطة و فارس ما كانت للفتوحات العربية أن تنجح ، فيُعلق (غيبون) : لو وُلِد النبي محمد في أيام القيصرين تراجان أو قسطنطين أو الملك شارلمان لتصدى هؤلاء لهذه الفتوحات و لضاعت الحماسة الدينية الإسلامية في رمال الصحراء = و هذا الرأي صائب فمثلاً القسطنطينية ما كانت لتسقط بيد السلطان العثماني محمد الثاني سنة ١٤٥٣ و ذلك بعد محاولات عديدة سابقة لولا أن بيزنطة كانت في حالة ضعف مضمحل و ليس لأن السلطان العثماني صاحب تقوى و صلاح .
** و أُعلق : طبعاً نعلم أن أحداث التاريخ من نهوض الدول و سقوطها لها أسباب عديدة على مر زمانها ، و أن يد الله تُجند أسباب معينة لغايات يراها بحكمته ، فظهرت دعوة النبي محمد عند ضعف أمم كانت عظيمة ليس من باب التقليل بهذه الدعوة أو أنها قامت من مجرد ذبول طبيعي للدول أو لإستغلال النبي لهذه الأوضاع لصالحه ، الأمر يحتاج لدراسة عميقة من كافة النواحي ، لأننا نرى في قيام دول و سقوط أخرى نظام يتكرر في دائرة تبدأ بالعدل الباني و تنتهي بالظلم المدمر ، و حلقة الدين فيها ليست هامشية بل لها أثر و دور في محرك هذا النظام و هذا يستوجب التأكيد و التدليل على وجود خالق عاقل مُنظم ، كما نرى ذلك في بعثة المسيح الموعود غلام أحمد القادياني ﷺ في الهند تحت حكم بريطانيا القوية التي حمت التسامح الديني فنال حقه في التعبير و لو أنه ظهر في دولة عربية أو اسلامية تتبع التسلط و التشدد المنحرف الضال في الإسلام ما كانت لدعوته أن تنال الحرية ذاتها .
* ملاحظة مهمة : أطماع زعماء قريش(الذين أسلموا بعد فتح مكة ، و إن كان ظاهرياً) نحو سوريا الغنية المزدهرة و إعتماداً على هذه الأطماع غلفوها بقدسية دينية بأن أرض الشام تحوي القدس (أولى القبلتين و مكان إسراء النبي و معراجه = و نعلم التفسير الصحيح بأن إسراء النبي و معراجه كان في الرؤيا لا بالواقع) و أن أرض الشام شهدت نزول الرسالات السابقة قبل الإسلام = و هذه الأطماع بالطبع تبلورت في عهد الأمويين و العباسيين و ما أصابوا من خلال ذلك دين الإسلام من تحريفات و تزييف .
* و يرى عدد من المستشرقين بالإضافة للأسباب الإقتصادية و الدينية للفتوحات العربية توجد دوافع سياسية-استراتيجية جعلت سوريا في أولوية العرب من خلال توحيد القبائل العربية في كيان سياسي مركزي ، و ضرورة القيام بذلك قبل أن تسترد بيزنطة قبضتها على المنطقة شمال شبه الجزيرة العربية بعد إستيلاء فارس عليها و ثم هزيمتها على يد بيزنطة ، و لهذا السبب كان هدف السرايا التي بعثها النبي في عام ٨ + ٩ الهجريين .
- و القبائل العربية في الجنوب السوري ما كانت لتقبل بأن تخضع للفتوحات العربية لولا الفوائد الإقتصادية الناتج عن ذلك = لذلك كانت الحملات الأولى للفتوحات العربية عبارة عن غارات للسلب و هي لجس الوضع الراهن للدول حتى تشن حملات منظمة لاحقة ، أما الحملات اللاحقة فكانت عند تبين ضعف العدو .
- و يذكر المؤلف أن الشخصيات العربية الإسلامية مثل خالد بن الوليد و عمرو بن العاص التي قامت بالأدوار الخطرة في الفتوحات ، كانت صلتهم بالإيمان صلة أداتية = أداة لتنفيذ مصالح معينة .
** كان طابع هذه الفتوحات مصالح الأرستقراطية الدينية- العسكرية .
- ظاهرة الفتوحات العربية ليست جديدة في المنطقة التي اعتادت سابقاً الهجرات السامية إليها لأسباب إقتصادية و بيئية ، و هنا نجد تفسير غزوات (بني سُلَيم و بني هلال) لصعيد مصر وشمال إفريقيا لأطماع إقتصادية = و يرى (ابن خلدون) أن هذه الغزوات مسؤولة عن دمار حضارة ازدهرت في السودان و البحر الأبيض المتوسط .
***رؤية مؤرخي و مستشرقي(القرنين ١٩ و ٢٠ ميلادي) للفتوحات العربية تختلف عن التصورات لها في القرنين ٧+٩ ميلادي : فعلى عكس الأقدمين هؤلاء يرى الحديثين أسباب الفتوحات العربية و مواقعها بعيداً عن الدين و عقاب الله .!
* الفصل الرابع : (وداعاً سوريا)
- النقاط المهمة هنا :
- علاقة العرب ببيزنطة و فارس قبل الفتوحات العربية : منذ القرن ٣ الميلادي شغل العرب مواقع في هيكل دفاع حدود بيزنطة ، وانتشرت المسيحية بين عدد من العرب و تأثروا بالثقافة و الفنون الرومانية و البيزنطية .
- تحالف العرب من الغساسنة الذين اعتنقوا المسيحية مع بيزنطة ، و تحالف العرب من اللخميين مع فارس ، و شاركوا في حروب هذه الدول ضد بعضها .
- ما كسر جناح التحالف ما بين الغساسنة و بيزنطة : هو رفض الملك الغساني طلب إمبراطور بيزنطة بأن يوحد القبائل العربية و يعتنقوا عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية الرسمية ، و أدى هذا إلى إضطراب القبائل العربية في سوريا و تفككت وحدتها و قاتلت بعضها .
* من الأسباب التي تدخل في إنهيار الحكم البيزنطي السريع في سوريا و فلسطين و مصر :
١- السياسة التي إتخذتها بيزنطة ضد ملوك الغساسنة و ثم قضاءها على هذه المملكة .
٢- حروبها مع فارس حول سوريا .
٣- الإنشقاقات الدينية و الفوضى الناتجة عنها في الإمبراطورية .
٤- إستخفاف القادة البيزنطيين بقوات الفتوحات العربية و إستخفافهم بالعرب المسيحيين = لعدم إهتمام بيزنطة بالعرب إلا المتحالفين من الغساسنة معها لذلك تفاجأت بالخطر العربي الذي لم تتوقعه .
٥- عدم مبالاة سكان المناطق التي اجتاحتها الفتوحات العربية و ذلك بعد عقود من المشاحنات بين الكنائس المحلية و كنيسة القسطنطينية الأم .
* ما جعل العرب المسيحيين الموالين لبيزنطة يحولون ولاءهم عنها إلى بني جلدتهم من العرب الفاتحين :
١- الأزمة المالية في بيزنطة بعد الغزو الفارسي ، فأدى ذلك إلى عدم دفع رواتب الجند العرب من قِبل بيزنطة .
٢- التعالي البيزنطي على العرب في التعامل السياسي و الإجتماعي و الإقلال من إمكانياتهم العسكرية .
٣- لوجود روابط نسب و قرابة بينهم و بين المشاركين في الفتوحات العربية .
- اختلاف تعامل إمبراطور بيزنطة في حربه مع فارس و ثم مع التقدم العربي :
١- مع فارس : لما غزا الفرس مدينة القدس و استولوا على الصليب المقدس(يعتقد أنه الذي صُلِبَ عليه المسيح) فاستخدم الإمبراطور هذا الأمر كتحفيز لجنوده في معاركه ضد فارس .
٢- مع العرب : بعد سقوط القدس و فيها الصليب بيد العرب ، لم يستخدم الإمبراطور هذا الأمر لتحفيز جنوده ، و هذا يدل على ضعف الإمبراطور (هيراكليوس=هرقل) البيزنطي و عجزه أمام التقدم العربي بسبب ما حَلَّ بإمبراطوريته من ضعف و خلل سياسي و ديني و اقتصادي .
* الجدير بالملاحظة هو حدث فتح العرب للقدس في عهد عمر بن الخطاب : نجد المصادر اليونانية المعاصرة لهذا الحدث ، نجدها لا تحدد تاريخه بدقة و لا يظهر إسم عمر فيها ، و بعد ١٠٠ عام يظهر إسمه كفاتح للمدينة المقدسة ، و عند المؤلفين العرب ظهر في القرن القرن ٩ م ويقول المؤلف : أن مُخبروا هؤلاء المؤلفين العرب ليسوا مجمعين على المسألة .!
- و الكتب السريانية المعاصرة لهذا الحدث عبرت عن سقوط أورشليم في أيدي زعيم قبيلة غير معروف كثيراً .
- المؤرخين السريان تأثروا بالروايات العربية خاصةً الشفهية منها و عُرفت بالرواية الشامية للتاريخ العربي ، و هذه الروايات تعرضت لحملة منظمة لاجتثاثها من الأذهان قبل التدوين الكبير للتاريخ العربي في العصر العباسي = يعني ذلك دخول الكثير من التزييف و الإضافات خاصة في عهد الدولة الأموية و لا ريب أن لهذا تأثير على مجرى الأحداث لصالح السلطة الحاكمة كما نرى .
- اللقاء بين عمر بن الخطاب و سوفريوس بطريرك القدس : حولها الشكوك لغياب البرهان المادي على ذلك ، و الروايات عنها عند الطرفين (العرب و المغلوبين) تأثرت برؤية خاصة عند كلا الطرفين ، فمثلاً الرواية العربية تصف عمر لما دخل القدس بلباس رثة مغبرة كدليل على زهده ، أما الرواية البيزنطية فتصفه في حيز التوحش الذي يُخشى أن يُسيء إلى المقام المقدس .
- القول أن بطريرك القدس كان يعرف صفات عمر من خلال الإنجيل(حسب رواية الواقدي) أو من خلال سفر دانيال(حسب ثيوفانس) = و هنا نرى مثال لتفسير نبوءة حسب الحاجة في ذلك الوقت لتبرير الموقف .
- إن قصة حصار العرب لغزة وثم استسلام أهلها و إعطاء العرب لهم الأمان ، و ثم قيام القائد العربي المسلم بأن طلب من الجنود المسيحيين الذين تم أسرهم فيها بأن يتعتنقوا الإسلام و ثم رفضهم و إصرارهم على الرفض أدى إلى إعدامهم و ثم اشترى الأهالي المسيحيين جثثهم ليدفنونها ، إن صحت الرواية(البيزنطية) فهذا إجرام كبير و مخالفة شائنة لتعاليم القرآن الكريم ، أما الرواية العربية فتقول بإعدام هؤلاء الجند لمحاولتهم الغدر بالقائد عمرو أثناء المفاوضات بالقرب من غزة .
*- (الهجرة) :
-مع تقدم الفتوحات العربية في سوريا و فلسطين و مصر هجر أعداد من سكان هذه المناطق إلى داخل الإمبراطورية البيزنطية .
- نسبت للعرب أثناء فتوحاتهم أعمال هدم و قتل لا يمكن إثباتها مثل تدمير تمثال العملاق في رودوس الذي كان قد أنهار قبل ذلك بمئات السنين .
*- (حصارا القسطنطينية) :
- لم ينالا إهتمام كبير عند المؤرخين المسلمين و المسيحيين .
** الإخباريون العرب الذين كتبوا أكثر أعمالهم في العصر العباسي أهملوا ذكر الحصارين و ذلك للتعتيم على الرواية الأموية للفتوحات التي تمنح البيت الأموي فصلاً في نشر الإسلام و لوضع الأمويين لبنات الدولة العربية .
- الحصار الأول : في عهد الإمبراطور (قسطنطين الرابع) ، و قاد الحصار (يزيد بن معاوية) و لكن الحصار كان على فترات متقطعة من ٦٧٤ إلى ٦٧٨ ، و أثناء هذا الحصار اخترع معماري من بعلبك و هو (كالينيكوس) النار الإغريقية التي أحرقت سفن المسلمين .
- الحصار الثاني : في عهد الإمبراطور (ليو الثالث) و الملك الأموي(سليمان بن عبد الملك) ، و أثناء الحصار ذلك يتولى حكم الدولة الأموية (عمر بن عبد العزيز) و أمر برفع الحصار و عودة قواته .
*- (المردة) :
- الأرجح المردة هم من جنود القائد البيزنطي المتمرد (سايوريوس) الذي سعى للحصول على دعم الملك الأموي (معاوية الأول) ، و ثم هؤلاء الجنود عادوا من بيزنطة مع المسلمين بعد الحصار الثاني لخوفهم من بطش الإمبراطور ، و ربما أسكنهم معاوية في مناطق قريبة من أنطاكية .
- إسم المردة من الأصل السرياني الذي يعني متمرد لأنهم خرجوا على سلطة الإمبراطور و ليس لتمردهم على الحكم العربي .
- ثم عاد المردة إلى بيزنطة وفقاً لمعاهدة بين الملك الأموي(عبد الملك بن مروان) و الإمبراطور (قسطنطين) سنة ٦٨٨ م الذي عاقبهم بالعمل القاسي في الأسطول البيزنطي و كحرس للحدود .
* الفصل الخامس : (الشيطان يستعبد مصر)
- أهم النقاط هنا :
- بيزنطة لما فقدت سوريا و فلسطين أمام الفتح العربي فإنها بذلك فقدت الطريق البري من آسيا الصغرى إلى مصر ، و كانت بيزنطة عاجزة عن الإحتفاظ بمصر التي تعتبر أغنى ولاياتها .
- كان يحكم مصر قبل الفتح العربي لها : (سيروس) أو (قيرس) أو المقوقس حسب التسمية العربية له ، و حسب الرواية العربية كان يريد أن يستقل بمصر بعد إنسحاب الفرس منها فإتصل بالعرب و استقبلهم و رفض أن يدخل في الإسلام .
- في المصدر البيزنطي : عينه الإمبراطور(هيراكليوس=هرقل) عام ٦٣١ ميلادي حاكماً على مصر و بطريرك الإسكندرية المالكي-الخلقيدوني ، و قاد (سيروس) حملة إضطهاد للأقباط الرافضين لقرارات مجمع خلقدونية ، فاضطر في هذه الأوضاع بطريرك الأقباط الأنبا (بنيامين) بالإختفاء في مصر العليا لمدة ١٠ سنوات و لم يخرج إلا لمقابلة (عمرو بن العاص) بعد فتحه للإسكندرية .
- الرواية السريانية و الرواية العربية متشابهة على وجود شخصية محلية رئيسية قامت بدور مهم في تسليم مصر للعرب ، و تتعارض هنا مع التاريخ شبه الرسمي للكنيسة القبطية بأن الفتح العربي لمصر كان حدث مستقل عن إرادة المصريين أي لم يبعثوا للعرب بذلك ، مع وجود تأكيد على تحالف بين عدد من المصريين مع الجيش المسلم .
* حوليات (يوحنا) من (نيقوس) و هو أسقف قبطي ، حولياته تصف ما أوقعه العرب بعد فتح مصر بالأقباط من إضطهاد و مجازر و مضاعفة الضرائب على الفلاحين المصريين و إرتكاب (عمرو بن العاص) الكثير من أعمال العنف ، فدفعت هذه الأوضاع إلى هروب السكان إلى الإسكندرية المتحصنة .
- و هنا أيضاً يذكر (يوحنا) فظائع الرومان البيزنطيين الذين حكموا مصر و هي أشد مما أوقعه العرب بالمصريين ، و وصف ذلك في عبارة "إستعباد الشيطان لمصر" .
* الإختلاف الدائر حول تاريخ الفتوحات العربية على مسألة : هل فُتحت مصر صلحاً أم حرياً ، و هذا الأمر له أثر على مسألة الضريبة المفروضة على الأرض : فيوجد فرق ما بين الأرض التي فتحت صلحاً و الأرض التي فُتحت حرباً ، فينخفض الخراج عن الأولى و يزيد على الثانية ، و هذا الأمر كان مشكلة كبيرة في الإسلام بداية عهد الدولة العربية الإسلامية لإعتماد وارداتها على ذلك ، و بالإضافة إلى إيمان أصحاب الأرض : مالك الأرض الذمِّي يدفع أكثر من صاحب الأرض المسلم = و أحدث ذلك للسلطات مشكلات(مالية و سياسية و طائفية) في البلاد المفتوحة .
- السلطات الأموية كانت تُميز أيضاً في دفع الرواتب للجنود من أصول عربية أو من الموالي ( المسلمين من غير العرب الذين كانوا يحتاجون لكفيل عربي في نظام عنصري يخالف القران ) .
** و أُعلق : طبعاً مسألة الجزية و الخراج قد أفسد فيها تفسير الفقهاء و مخالفتهم لتعاليم القرآن ، و ذلك لمواكبة أهواء السلطة الحاكمة أنذاك فأوقعوا الظلم الكبير على الناس و تسببوا بصد الكثيرين عن دين الله و كما دخول الكثير من الناس للإسلام دون قناعة لتجنب الجزية .
- أهمية حوليات (يوحنا) ليست دقة الأحداث التاريخية بل التعبير عن ردة فعل الأقباط أمام العرب الفاتحين و هي لا تتفق مع الصورة التي في الرواية العربية عن ترحيب المصريين بالفتح العربي .
*- (مكتبة الإسكندرية) :
- هذه الحادثة يتخذها باحثين غربيين كدليل على همجية الفتوحات العربية .
- إن صحت الرواية أن (عمر بن الخطاب) أمر بإحراق كتب هذه المكتبة في حمامات الإسكندرية بحجة أنها إذا احتوت على ما يوافق القرآن فلا حاجة للمسلمين بها و إن احتوت على ما يُخالف القرآن فيجب إتلافها ، فإن صحت هذه الرواية فهذا فعل شائن مجرم بحق المعرفة و مخالفة لما يأمر به القرآن من تقصي أخبار الأمم السابقة و الحث على التفكر و التدبر و التعقل ، كما توجد رواية عن النبي أنه عاتب عمر بن الخطاب لأنه يقرأ سفر دانيال ( أمتهوكون و أنا فيكم يا عمر ) و لكن توجد رواية أخرى يسمح بها النبي للمسلمين بالحديث عن بني إسرائيل ( حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج ) ، يعني أن النبي عَدَّلَ من موقفه ، إن صحت هذه الرواية فكيف يُحرق عمر مكتبة الإسكندرية !!!! هذا بحق أمر يُلام عليه .
- يورد (بتلر) ٧ إستنتاجات تنفي الرواية أن عمر بن الخطاب قام بذلك . (صفحة ١٢٧) .
- توجد مشابهة لإحراق هذه المكتبة : مثل إحراق مكتبة الأزهر بعد إستيلاء (صلاح الدين الأيوبي) على مصر ، و إحراق العرب لمكتبة العاصمة الساسانية (كنيسيفون=المدائن) بأمر من عمر بن الخطاب بإلقاء الكتب في الماء بنفس الحجة التي قالها في مكتبة الإسكندرية .
- مع ظلم الحكم العربي في مصر في مسألة الضرائب ، زادوا الأمر سوءاً بتدخلهم في الخلافات المحلية بين رؤساء الكنيستين المتنافستين في مصر : القبطية و الملكية .
* يتضح العامل القَبَلي الذي يسبق و يعلو العامل الديني في تشكيل الدولة العربية و ذلك لما تولى أفراد من الأسرة الأموية المناصب المهمة في سوريا و مصر أثناء خلاقة (عثمان بن عفان) الأموي و استمر هذا العامل في الدولة الأموية و العباسية و بعدها .
*- (الولاة العرب) :
- الولاة الأمويين على مصر انتهكوا و تجاوزوا سياسات العهود الإسلامية .
** الدولة العربية الإسلامية في عهد الخلافة الراشدة كان الدين يحتل موقع الموجه و المُرشد في العلاقات مع الشعوب المغلوبة ، لكن السلطة تحولت في عهد الدولة الأموية إلى سلطة ملكية وراثية تسعى لتحقيق مصالحها الدنيوية على حساب الدين ، بل الدين أداة لهم في ذلك .
- الولاة الأمويين على مصر جمعوا الضرائب أو الجزية و الخراج بشكل تعسفي فكان تحديد الجزية على المصريين مسألة تخضع لحاجات الفاتحين أكثر من خضوعها لمعايير محددة ، و هذا أمر أثار سخط دافعي الجزية و قاموا بطلب العون من بيزنطة أو القيام بإنتفاضات على الحكم العربي .
- مثال على الإجرام الأموي : الوالي على مصر (أسامة بن يزيد) أدخل لمصر تقليد كان يُتبع في عدد من الإمبراطوريات القديمة و هو وضع حلقات حديد في أيدي السكان لضمان دفعهم للضرائب و وسع في ذلك ليشمل حتى رهبان الأقباط .
* من علامات السياسة الأموية : الضرائب الباهظة و التمييز ضد المصريين فأدى ذلك لتأييد السكان لثورة الخرساني على الحكم الأموي .
- (أبو مسلم الخرساني) قائد الثورة العباسية ، رأى أهل مصر فيه ملاك الرب المنقذ لهم من ظلم الأمويين ، لكن خيبة أهل مصر الكبيرة لخيالهم و آمالهم الوهمية بهذا الملاك : في إستئناف الدولة العباسية سياسة الضرائب الباهظة في حكم مصر ، مما دفع المصريين(المسلمين و المسيحيين) إلى ثورات كبيرة في حكم الخليفة العباسي(المأمون) .
* الفصل السادس : (إيران : عصر الغصن الحديد)
- أهم النقاط هنا :
- لفظتي (الفرس) و (المجوس) تطلقان على الشعوب التي تسكن الهضبة الإيرانية و المناطق المحيطة بها شرقاً و غرياً .
- فارس : هو إقليم في جنوب غربي إيران و هيمنوا على باقي الأقاليم الإيرانية (إلا مناطق السُغد ، ما وراء النهر) لكن الفرس ليسوا جميع الإيرانيين .
- المجوس : هم المؤمنين بالديانة الزرادشتية و تعني طائفة معينة من الكهنة ، و ليس صحيحاً إطلاق لفظ المجوس على الإيرانين .
*المستشرق الألماني (ثيودور نولدكه) يرى أن قريش تُفضل كمصدر للمتعة اقاصيص (نضر بن الحارث) الذي تعلم الأساطير الفارسية أثناء رحلاته إلى بلاد ما بين النهرين ، فضلوها على آيات النبي محمد التي تروي قصص و مواعظ الأنبياء ، و يقول : بسبب هذه المنافسة أمر النبي محمد بقتل نضر بعد وقوعه في أيدي المسلمين أثناء معركة بدر ! !!!!!!!!.
*- (النبوءات مكان التاريخ) :
- الإيرانيون لجأوا لتطوير نبوءات قديمة كانت معروفة حتى في خارج إيران منذ القرن ٤ ميلادي ، و أضافوا التعديل عليها لتتوافق مع أحداث القرون التالية و ما أصابهم بعد الغزو العربي .
- من هذه النبوءات : نص مقدس في كتاب (الأفيستا) يُفسر فيه الإله (أهورا مزدا) حلماً لزرادشت الذي رأى فيه شجرة لها سبعة أغصان ، و منها غصن الحديد الذي يرمز لعصر العداء و هم صنوف من الشياطين ذوي الشعر الأشعث من عِرق الغضب(أي العرب) و من الأتراك و الرومان ، و أنهم سيأتون لبلاد إيران من ناحية الشرق فيُعاني الشعب و الدين فيها .
- تتكرر مثل هذه النبوءات في كتب مقدسة أخرى (دينكارد ، بونداهيشف) .
- فغزاهم الأتراك من الشرق بينما العرب غزوا بلاد إيران من الغرب .
- الإمبراطورية الساسانية كانت تعاني من هزائمها أمام بيزنطة و كما عانت من صراعات داخل البيت الحاكم فيها ، و في حالة ضعفها هذه نال العرب الإنتصارات في تقدمهم على الفرس .
- مصادر المغلوبين الفرس في تبرير أسباب هزيمتهم منحوا العرب المنتصرين صفات القوة الخارقة و البأس الشديد ، و فعل على غرار هذا العرب أثناء الغزو المغولي .
*- (ما قاله الصينيون) :
- سجلات سُلالة (تانغ) التي حكمت الصين بين القرنين ٧ و ٩ ميلادي ، تروي كما الروايات العربية و المسيحية نهاية (يزدجر الثالث) آخر ملوك الساسانيين .
- الرواية الصينية تروي أحداث إيران من زاوية مختلفة عن السرديات الأخرى و تروي إنهيار الإمبراطورية الساسانية في مسار الحروب التي كانت تخوضها شرقاً ضد الأتراك الذين كانوا عدواً مشتركاً للصين و لإيران و ذلك قبل الفتوحات العربية ، و كانت العلاقات الصينية-الإيرانية راسخة أثناء هذه الفتوحات .
- سقطت العاصمة الساسانية عام ٦٣٦ ميلادي و قُتل آخر ملوكها عام ٦٥١ ميلادي : خلال ذلك كانت الإمبراطورية في حالة ضعف داخلي و عدم مقدرة على الدفاع المنظم .
- أمام الخطر العربي توحد جميع الإيرانيين و كان أثر ذلك في ظهور (لغة و أدب و ثقافة و فن) موحدة ، و في ظل الإسلام الذي مَكَّنَ هذه الثقافة من الإنتشار بعيداً خارج الحدود الإيرانية .
- قابل السكان الإيرانيين الهجرات العربية إلى الأراضي المفتوحة بمواقف مختلفة من العداء و الصدام و الإحتجاج ، و بالمقابل قامت هجرات إيرانية إلى الصين و الهند .
* أحد جوانب الصراع العربي-الإيراني و الإسلامي-الزرادشتي تَرَكَّزَ حول موضوع الطهارة و النجاسة و كان لهما أهمية كبيرة عند الزرادشتيين بأن إتباع وسائل الطهارة يمنع الوقوع تحت سلطان الشرير .
- توجد روايات عن تأثم الفرس من الإحتكاك بالعرب ، مثل : قصة القائد العربي (الربيع بن زياد) بعد حصاره لمدينة في إقليم (سجستان) فإنه جلس على جثة أحد القتلى الأعداء و إتكأ على آخر و أجلس أصحابه على أجساد قتلى ، و لما أتاه حاكم الإقليم الفارسي ليسأله المصالحة رفض أن يتقدم من (الربيع) لأن مجلسه ملوث غير طاهر(و هذا ما تهدف إليه الرواية الإيرانية للتعبير عنه) = إن صحت هذه الرواية فهذا أمر مريع أن يقوم به المسلمين بأجساد الموتى حتى و إن كانوا من الأعداء ، و ليست بالحُجة أنه فعل ذلك بإيقاع الرعب في قلوب الفرس(كما تروي الرواية العربية) ، فهذا تصرف همجي وحشي لا يُعبر عن الإسلام الذي يدعو للطهارة الباطنية و الظاهرية معاً .
- الإمبراطورية الساسانية كانت جذورها عميقة عريقة ذات ثقافة و هوية وطنية و دين راسخ : فهذه عوامل جعلت من الصعب على الإيرانيين أن يقبلوا بأن يكونوا مجرد تابعين لحكم أجنبي .
= أما حال سوريا فإن أهلها وجدوا بالإنتماء للدولة العربية حلاً لمسألة غياب السلطة السياسية البيزنطية مع وجود الهوية الوطنية في الكنائس اليعقوبية .
= و حال مصر : كانت الكنيسة القبطية ذات هيمنة راسخة (ثقافية و روحية) و سلطة سياسية أصبحت موازية للقسطنطينية ، لذلك وقع صدام بين الهيمنة القبطية و البيزنطية عند محاولة تغيير التوازن في محاولات الهيمنة ، و لما أتى الحكم العربي لمصر بدأت صعوبات التعايش العربي-القبطي فأحدث ذلك وضع غير مستقر .
- إيران كانت مختلفة عن باقي البلاد المفتوحة لأنها تحتوي على دين قومي تتشابك مؤسساته مع مؤسسات الدولة و قد يقوم الكهنة الزرادشتيين بالإشراف على جباية الضرائب و مهمات مستشاري الملك .
- مع الفتح العربي بدأت طبقة رجال الدين الزرادشتيين مرحلة طويلة من إنحسار النفوذ و تفككه لصالح القيادات السياسية و الدينية المسلمة الصاعدة ، التي بدأت من الأقلية العربية و ثم انتقلت إلى الأكثرية الإيرانية المُسلمة و حدث هذا بعد صراع طويل بين الطرفين لقرون بعد الفتوحات العربية ، فلم يُقضى على الدين الزرادشتي بسرعة الذي خسر نفوذه السياسي لكن بقي له الأثر في الحياة الإجتماعية و الإقتصادية .
- و بعد الإنحسار العداء بين المسلمين و الزرادشتيين و بالتعايش اليومي و التجاور فيما بينهم فقد نُقِلَ الإرث الثقافي من الزرادشتيين إلى المسلمين و البحث عن عناصر ثقافية مشتركة و مصالح جامعة ، مثال :
١- تشابه قصتي أم النبي محمد وأم النبي الفارسي زرادشت اللتين شَع النور من بطنيهما أثناء حملهما بهما ، و ذلك للقول أن النبي العربي وَرِثَ مكانة النبي الفارسي بين الإيرانيين = و هذا الفعل هو من حاجة المسلمين في المراحل الأولى من وجودهم في إيران للبحث عن نقاط مشتركة مع الثقافة السائدة .
٢ - الشيعة الإيرانيين قالوا أن (زين العابدين) و هو الناجي الوحيد من مجزرة كربلاء ، و هو إبن (الحسين بن علي) من (سلافة) بنت (يزدجرد) آخر الملوك الساسانيين ، و بذلك جمع الشيعة بين نُبل السلالة العربية لقريش(قبيلة محمد و علي) و بين نُبل السُلالة الإيرانية لآخر ملوكها ، و الشيعة قالوا أن ولدي أبو بكر و عمر بن الخطاب حصلا أيضاً على نصيبهم من بنات الملك الفارسي الأسيرات لكن الشيعة لم يعطوا في روايتهم أبناء عثمان من هذا النصيب و ذلك لإسقاط حق الخلافة عن الأمويين ورثة (عثمان بن عفان) الأموي ، مع أنه يُقال أن (يزيد الثاني) الأموي هو ابن أميرة ساسانية لكن هذا النسب لم يجعل الأمويين يُعاملون الموالي الفرس خيراً !
- و نرى في هذه الرواية الشيعية أنها أهملت ذكر (الحسن بن علي) و أبناءه أمام أخوه الصغير (الحسين) ، لمصالح الشيعة السياسية و الإجتماعية .
٣ - كما توجد رواية أنه حتى الحسن تزوج أميرة ساسانية أسيرة كمحاولة لإحداث توازن بين الأخوين عند الموالي الإيرانيين خاصةً بعد إنتهاء التنافس بقضاء الدولة العباسية على الثورات من سلالة الحسين لنيل زعامة معارضة آل البيت للحكم العباسي و لقيادة المذهب الشيعي لاحقاً . = واضح من الرواية الشيعية مدى إستغلالهم لنسب آل بيت النبي لمصالحهم دون مصلحة الدين نفسه .
٤ - المجتمع الإيراني عريق الجذور تعرض لصدمة انهيار دولته لمن هم أقل شأناً منهم و ليُعالجوا نتائج هذه الهزيمة و إنتاج صيغة خاصة لتاريخهم فإنهم استخدموا بعض الشخصيات الدينية عند العرب المسلمين و إعطائها أدوار كبيرة في بناء الهوية الإيرانية السياسية و الدينية الجديدة أو بإقتراح أشكال جديدة من الممارسة الدينية و السياسية ، و من ضمن هذه الشخصيات مثلاً : الصحابي (سليمان الفارسي) خاصة عند الجند الفرس الذين أسلموا و انضموا للجيش الإسلامي و أُطلق عليهم (الحمراء) ، هؤلاء ألبسوا (سلمان) صفات (يزدان) إله الخير عند المانوية .
** الملاحظة المهمة هنا : أن القبول الإيراني بالإسلام اتخذ شكل تقدم موقع الفرس على العرب في الإيمان : ١- من خلال تبني أحاديث نبوية تؤكد عمق إيمان الإيرانيين بالإسلام ، ٢- و من خلال ظاهرة الشعوبية .
- الموالي الفرس في الجيوش الأموية ازداد شعورهم بالسخط من التمييز في المكافأت و المراتب لصالح العربي عليهم فأدى هذا إلى المساهمة الفارسية في الثورة العباسية (كما حدث في مصر) و نالوا أيضاً الخيبات بعد إعدام الخليفة العباسي للقائد (أبي مسلم الخرساني) الذي ساهم في الثورة العباسية على الحكم الأموي ، فكان ذلك إشارة للإيرانيين بأن الحكم العربي غير عادل فأضفوا على إعدام هذا القائد الفارسي صفات الشهادة و التقديس و قال بعضهم أنه سيظهر ليملأ الدنيا عدلاً في آخر الأيام = و هنا نرى فكرة المُخَلِص ، المُنقذ ، التي تكررت كثيراً عبر الأزمان و الشعوب .
*- (الثورة البابكية) :
- ثورة (بابك الخرمي) أكثر المعلومات عنها من المصادر العربية و الإسلامية التي تؤيد السلطة القائمة أنذاك = يعني الرواية تطبيل على مزاج السلاطين .
- هذه الثورة صورة عن محاولة تحرر الإيرانيين من السيطرة العربية لذلك اتسمت هذه الثورة بالسمة الوطنية القومية(الإيرانية) ، فأرسل الخلفاء العباسيين الجيوش لمحاربة (بابك) الثائر ، لكن من هزم هذا الثائر كان الإيرانيين أنفسهم سنة ٨٣٧ ميلادي ، لذلك يوجد رأي أنها لم تكن ثورة إيرانية ضد العرب بل صراع بين إيرانيين أصحاب نزعة محلية ضد إيرانيين تكيفوا مع الإسلام ، أي حرب بين إيران الإسلامية و بين إيران المنتمية إلى العالم القديم(أي المحتفظة بهويتها القديمة قبل الإسلام) .
- الحكام المحليين هنا اتجهوا إلى حل وسط بين النزوع الإستقلالي و بين الحفاظ على علاقتهم مع العالم الإسلامي لذلك هؤلاء عارضوا الحركات المحلية المعادية لحكم العربي الإسلامي مثل ثورة (بابك) .
* الفصل السابع : (إلى الصين و منها)
- أهم النقاط هنا :
- هنا أورد المؤلف ما يروى عن (بيروز) أو (فيروز) ابن آخر الملوك الساسانيين (يزدجرد الثالث) ، (بيروز) لم يُقتل مثل والده و تمسك بحلم إستعادة العرش فلجأ إلى الصين و حارب العرب في عدة مواقع و خسر محاولة إحياء مُلك الساسان الذي تحطم .
- (بيروز) وقع في أسر الأتراك و ثم فر إلى الصين التي هزمت الأتراك و أعادت تنظيم مقاطعاتها و أعطى الإمبراطور الصيني (بيروز) لقب حاكم على إحدى المقاطعات و أعطاه لقب قائد حرس الميمنة العسكري .
- نهاية (بيروز) بعد خسارته أمام العرب أنه مات مريضاً و انتهى حكمه ٦٧٩ ميلادي .
- المصادر الصينية تختلف في رواياتها عن أحداث هذا الأمير الساساني و كذلك تذكر ابنه (نرسيه) الذي كان رهينة في البلاط الصيني و حاول هو أيضاً إستعادة العرش الفارسي ، و كان مصيره مثل والده .
- يوجد أمراء من الأسرة الساسانية الذين فروا من الغزو العربي و لجأوا إلى المناطق المتاخمة لمملكتهم السابقة و تحالفوا مع الأمراء المحليين من الأتراك و من الإيرانيين الذين كان وجودهم في وسط آسيا قبل الفتوحات العربية بقرون .
* و هنا يتضح أن المناطق في وسط آسيا هي أصعب المناطق التي أخضعتها الفتوحات العربية من ناحية الفتح و أسرعها في الإفلات من الحكم العربي و ذلك لأنها أكثر تمدناً من بين المناطق التي أخضعها العرب .
* المصادر العربية تقول أن الحروب العربية في الإمارات الإيرانية كانت من أجل الإيمان و أن تمرد الأهالي على هذا الخضوع يُعبر عن الكفر = و هذه مبالغة في المصادر العربية لأن الدين آنذاك كان تعبير عن العلاقات السياسية ، ففي تلك المناطق التي تلتقي فيها ديانات و ثقافات آسيا لم ترى ظهور دين جديد كالإسلام بالأمر الكبير .
* ما وقف أمام العرب في إخضاعهم لوسط آسيا لحكمهم بعد قرن من الصراع :
١- عدم اكتراث الولاة العرب أهمية دعم السكان المحليين لهم .
٢- الروح القومية الفخورة عند الإيرانيين التي نجحت في النهاية في كسر التفوق العربي و في تأسيس أول سُلالة فارسية حاكمة في الإسلام و هي السلالة السامانية((مؤسسها (سامان خودا) نبيل زرادشتي اعتنق الإسلام و والَ الدول العربية و في أواخر القرن ٩ الميلادي نجحت هذه السلالة في تحقيق ما عجزت عنه الحركة البابكية بإنشاء أول دولة إيرانية بعد الفتح العربي)) .
٣- فوائد العلاقات التجارية التي عليها ينبني إزدهار هذه المناطق ، و كانت هذه العلاقات عندهم أهمها و أفضلها تكون مع الشرق (الأتراك و الصين) لا مع الغرب (الدولة العربية) .
* مناطق وسط آسيا فيها ممالك و دول مستقلة تتبع الإمبراطورية الساسانية ، و كان لها دور في صياغة العلاقة بين الفاتحين العرب و السكان المحليين ، و لأن هذه المناطق مزدهرة ذات حضارة راسخة فلم تجد الفرق بين النير العربي أو التركي أو الصيني و لذلك كانت أشد المناطق مقاومة للفتوحات العربية ، و من هذه المناطق :
- بخارى : التي دفعت للعرب الجزية حتى لا تقع تحت حكمهم ، و يظهر أن أهل بخارى كانوا لا يميلون للإسلام، و هنا نجد روايات تتكلم عن إجرام (قتيبة بن مسلم الباهلي) الذي بعد أن استولى على بخارى أجبر أهلها على إعتناق الإسلام ٤ مرات بعد إرتدادهم في كل مرة و شدد عليهم بكافة الطرق للتمسك بالإسلام = فأظهروا الإسلام و عبدوا الأصنام بالخفاء ، و كما أنه أجبرهم على إعطاء نصف بيوتهم للعرب ليُقيموا معهم ليطلعوا على أحوالهم ليظلوا مسلمين ..! و طبعاً هذا ليس من صحيح الإسلام و تعاليم القرآن بعدم إجبار الناس على الإيمان .
* الفصل الثامن : (هل الفتوحات العربية مؤامرة يهودية؟)
- أهم النقاط هنا :
- القسم الأكبر من (الإخباريين و المؤرخين و السياسيين و رجال الدين) في المناطق التي فتحها العرب فسرت الفتوحات العربية : أن العرب الرعاة ما كان لهم أن يتحدوا بيزنطة و فارس عسكرياً و دينياً و غزو أراضيهما إلا من تحريض جهة زودتهم بالسند الديني-الإيديولوجي لذلك ، و يرون أن هذا المُحرض هم جماعة لها سوابق في التمرد ، و المرشح الأول المُتهم بالتحريض هم اليهود أعداء المسيحية ، و المرشح الثاني الأقل شُبهة هم النساطرة الذين واجهوا الكنيسة البيزنطية و فروا إلى إيران و احتموا بالحكم الساساني و خضعوا له ، لكن التهمة تُبعد عنهم لأن المضمون القومي للنسطورية كان تعبير عن هوية و ثقافة شعب وقع تحت الحكم الإيراني و كما كانوا أضعف من أن يُحرضوا العرب على غزو أراضي بيزنطة و لم يكن لهم في شبه الجزيرة العربية من هيمنة على القبائل .
* ما يُعزز الإتهام ضد اليهود :
١- الإضطرابات التي شهدتها مدن مثل أنطاكية و الإسكندرية من مذابح متبادلة بين المسيحيين و اليهود .
٢- تأييد اليهود للغزو الفارسي ٦١٤ ميلادي و فرحهم لإقتحامهم القدس و مساعدتهم في محو لآثار الحكم البيزنطي من تدمير للكنائس و قتل المسيحيين (كان هذا بمثابة تمرد علني من اليهود لبيزنطة ، فلما استردت بيزنطة الأقاليم من فارس بدأت بإضطهاد اليهود و إجبارهم على التنصر) .
٣- بدايات القرن ٧ ميلادي : الجدال بين المسيحيين و اليهود حول حقيقة المسيح ، و ما نتج عن ذلك من عداء متصاعد بين الطرفين ، و حدوث موجات متعاقبة من الطاعون و كان كل من الطرفين يتهم الآخر بأنه السبب في حدوثه .
*-(الكؤوس الدمشقية) :
- آخر الردود الدفاعية المسيحية ضد اليهودية قبل أن يتحول رجال الدين المسيحيين للرد على الدين الإسلامي .
- هذا الكتاب عبارة عن محاورات وهمية بين راهب مسيحي و عدد من اليهود الذين يفشلون أمامه في دحض المقولات المسيحية .
- فيها تشخيص لحقيقة الأجواء الدينية و الإجتماعية في المشرق قبل الفتوحات العربية .
** و المهم الإنتباه له هنا : أن هذه الأدبيات الدفاعية عبر العصور المختلفة تكون مبتكرة وهمية تخلق خصوم يسهل هزيمتهم أمام فكر و معتقد و رأي واضع هذه الحوارات .
* تعاليم يعقوب :
- من الأدبيات الدفاعية للرد على اليهود ، و تحتوي على الإشارة الأولى للإسلام من جهة غير عربية أو مسلمة .
* الأدبيات الخلاصية-القيامية انتشرت في الشرق المتوسط و فيها النصوص اليهودية التي تنبأت بمنقذ الشعب اليهودي ، منها :
- المنسوب إلى الحاخام (شمعون بن يوحاي) في القرن ٢ الميلادي ، الذي تنبأ بظهور الإسلام و بسقوط الدولة الأموية و تولي العباسية الحكم = و هذا ما جعل بعض المؤرخين يرون أن هذه النصوص وضعت في القرن ٨ الميلادي ، أي تم وضعها في وقت أراد منه اليهود تحقيق هدف معين في زمانهم بتحوير نبوءة قديمة أو تفسير نبوءة أو كلام في التوراة لصالح هذا الهدف و ثم ينسبونه لزمن أقدم .
- يتحدث نص (شمعون) بنبأ قدوم مملكة إسماعيل ليُخلص اليهود من المملكة الشريرة أي بيزنطة ، فأراد مؤلف النص أن يقوم العرب بدور مهم في خلاص اليهود فحصل على تبريرات توراتية لترحيب اليهود بالفاتحين العرب الذين سيقضون على بيزنطة و يعيدون الأرض الموعودة لمجدها السابق .
- يقول (شمعون) : أن الملك الثاني من أبناء إسماعيل يكون مُحباً لإسرائيل و أنه يسد الشقاق بين اليهود و الشقوق في الهيكل و يبني مسجداً على صخرة الهيكل = و هنا يُشير المؤلف إلى (عمر بن الخطاب) و ما قام به من البناء في القدس بعد فتحها .
* ما يدل على أن هذا النص تعرض لعمليات إعادة كتابته عدة مرات : بأنها تختلط أعمال عمر بقصة حياة (معاوية الأول) .
- نظرة يهود القرن ٧ الميلادي لشخصية عمر بأنه المنقذ و اهتمام عمر ببناء مسجد الأقصى دليل على سعيه لإعمار الهيكل .
* لقب الفاروق :
كلمة الفاروق من أصل آرامي(الآرامية كان يتكلم بها يهود سوريا و فلسطين آنذاك) ، و هي (بوروق) أو (بورقو) في التوراة المكتوبة بالسريانية و تعني المُنقذ أو المُحرر أو المُخلص الفادي .
*-(من هو الفاروق؟؟) :
- من المصادر العربية ، من أطلق هذا اللقب على (عمر بن الخطاب) :
١- رجل من يهود دمشق يُدعى (كعب الأحبار) الذي شهد صلح عمر مع أهل القدس ، الذي قال لعمر بوجود نبوءة عن ما فعله عمر على لسان نبي منذ ٥٠٠ سنة تصفه بلقب الفاروق الذي سيُخلص القدس مما أصابها .
- هذه النبوءة واضح أنها وضعت لتُلائم أهواء اليهود المعادين لبيزنطة فسعوا للإنتقام منها بفتوحات العرب .
٢- أول من أطلق لقب الفاروق على عمر هم أهل الكتاب فاستعمله المسلمين .
٣- البعض يقول أن الرسول ﷺ هو من أطلقه على عمر بالإستناد إلى رواية عن عائشة -رضي الله عنها- .
= التفسير العربي للقب الفاروق أصبح الذي يُفرِّق بين الخير و الشر بدلاً من معناها التوراتي .
*-(العلاقة اليهودية-العربية) :
-إن تجاور العرب و اليهود في بعض أنحاء الجزيرة العربية لا يكفي ليحول العرب لمنفذي إرادة اليهود كما تقول المصادر المسيحية .
- أصل الحلف اليهودي-العربي السياسي نجده في المصدر المسيحي في تاريخ (هيراكليوس) للمطران الأرمني (سيبيوس) ، و الخلاصة من كلامه : أن ممثلين عن أسباط اليهود في مدينة الرها الشامية بعد أن سقطت بيد الإمبراطور البيزنطي توجهوا إلى العرب في شبه الجزيرة العربية و أخذوا يُذكرون العرب بالقرابة بين اليهود و العرب بحسب التوراة ، و ثم يذكر (سيبيوس) ظهور النبي محمد بين العرب و الذي قال لأتباعه أن وعد الله بتلك البلد لإبراهيم و ابنه إسماعيل من بعده حتى قيام الساعة ، و تحقق وعده في الزمن الذي أحب الله فيه بني إسرائيل ، و الآن سينال أبناء إسماعيل هذا الوعد و حثهم لإسترداد هذا البلد المقدس ، و ثم دارت معارك بين العرب و بيزنطة .
- و يُتابع (سيبيوس) بأن هذه الخطة اليهودية الملعونة الذين نالوا دعم العرب لبناء الهيكل مرة أخرى لكن أثناء ذلك شعر المسلمون بالحسد من اليهود فأخذوا موضع هذا البناء و جعلوه لهم فبنى اليهود الهيكل في مكان آخر ، و ثم يسعى اليهود لخطة قتل المسيحيين في القدس بتدبير تهمة لهم بتدنيس مسجد المسلمين بدماء خنزير و ثم تتكشف هذه الجريمة أمام الحاكم العربي الذي كاد أن يقتل المسيحيين و ثم أنزل العقاب باليهود الذين قاموا بهذا التدنيس .
- هنا ليس المهم في هذه الرواية الصحة التاريخية بل هو تأكيد نادر على اهتمام الفاتحين العرب المُبكر بفلسطين بأنها إرث إبراهيمي للعرب أبناء إسماعيل و هو من غرس اليهود بحسب قول (سبيوس) .
- اليهود كانوا ينتظرون أي فرصة للإيقاع بين المسلمين و المسيحيين كزعمهم بأن سقوط بناء مسجد المسلمين في القدس كلما ارتفع سببه هو الصلبان المرفوعة على جبل الزيتون فحثوا المسلمين على إنزالها ليكتمل بناءهم ففعلوا ذلك و نجح الأمر = و نُعلق هنا : أنه من المعلوم أن هذه المنطقة تتعرض للزلازل الكثيرة فربما هذا هو سبب إنهيار البناء ، كما حدث مع اليهود في الفترات السابقة كلما أرادوا حفر أساس بناء الهيكل تنبعث نار كبيرة فعزى المسيحيين هذه الظاهرة بغضب الرب عليهم لكن حديثاً التفسير لهذه الظاهرة هو خروج الغاز الطبيعي المتوافر هناك فيُحدث تلك النار .
- تدهور العلاقة العربية-اليهودية من خلال مصادر غير عربية : لعدم تقبلهم النبي محمد لأنه يأكل لحم الجمل المُحرم في التوراة فعلموا أنه ليس من ينتظرون فلما خافوا ترك دينه قاموا بتعليمه أمور محظورة موجهة ضد المسيحيين ، و في المصادر العربية كالسيرة النبوية تقول أن اليهود لم يتبعوا النبي محمد لأنه أنكر قولهم على جبريل بأنه ملاك يأتي بالشدة و بسفك الدماء .
- المسيحيون ظلوا يعتبرون اليهود هم الأعداء الأصليين حتى بعد سقوط القدس بيد العرب .
- الأرثوذكس البيزنطيين كانوا يختارون اليهود دائماً كوكلاء للشيطان ، مثل قصة تنبؤ رجلين من اليهود (ليزيد الثاني) الاموي بأنه سيحكم ٤٠ عام لو أنه حطم الصلبان و الأيقونات المسيحية ، و باشر بفعل ذلك و لكنه مات خلال عام .
- و القصة تُكمل مسيرة هذين الرجلين إلى قلب آسيا الصغرى و يلتقيان بشخص يدعى (كونون) بائع متجول و قالا له نبوءة أنه سيصبح إمبراطور بيزنطة و طلبا منه أن يضع حد للوثنية التي تلوث المسيحية في الشرق أي أن يُحطم الأيقونات و فعلاً تولى العرش بإسم (ليو الإيزوري) لكنه بالإضافة لمحاربة تبجيل الأيقونات أخذ يضطهد اليهود و يجبرهم على التنصر ، و العداء للأيقونات تسبب في أزمة للإمبراطورية البيزنطية لأكثر من ١٠٠ عام . = طبعاً واضح التلفيق في الرواية لتحقيق رغبة مسيحية في إظهار اليهود أساس البلاء و العداء ، كل طرف بيألف على كيفه حسب مزاجه و مصالحه و الدين كله عندهم مش مهم ، هو عبارة عن أداة لا أكثر .
* القدس :
- الحولية اليهودية-العربية : تذكر أن (عمر بن الخطاب) وافق على أن تسكن ٧٠ أسرة القدس بعد الفتح العربي .
- المصادر العربية تذكر أن العهدة العمرية تعهد فيها عمر لأهل القدس بألا يسكن مع المسيحيين أحد من اليهود ، و يوافق على نفس القول المصدر السرياني ، مع سماح العرب بأن يسكن اليهود المدن الشامية .
- و نُعلق هنا على ما فعله (عمر بن الخطاب) بمنع اليهود من السكن في القدس ، بأنه خالف ما فعله النبي في وثيقة المدينة ، فكان على عمر أن يُسكن الجميع القدس تحت تعهدات متبادلة مشتركة طالما أن اليهود أو المسيحيين أو غيرهم لم يتسببوا بقلاقل تؤذي المجتمع المقدسي فلا يحق لعمر أن يمنع أحد من العيش في القدس التي هي عريقة الأصل في التراث اليهودي كما المسيحي من قبل المسلمين .
- نرى فعل اليهود يتكرر بوصف من يرونه يدعم قضيتهم و مصالحهم بأنه من الله لهم و عندما يتحول عن إرادتهم و مبتغاهم يصفونه بالوحش و هذا ما فعلوه مع العرب .
- في الفترات الحديثة نالت العلاقات اليهودية-العربية إيجابية أكثر عند بعض المؤرخين مثل (إسرائيل ولفنسون) الذي قال أن يهود العراق رحبوا بالفتح العربي إذ فضلوا قوم يؤمنون بإله موسى و إبراهيم ، و يقول أيضاً أن الفائدة التي أكتسبها اليهود بظهور الإسلام و تحت الحكم الإسلامي أكبر من الخسارة التي لحق بها يهود الحجاز ، فقد حمى المسلمين يهود أقاليم بيزنطة من العذاب الذي كانوا فيه ، و كما أن إتصال اليهود بالمسلمين كان سبب في نهضة فكرية عند اليهود .
= و نُعلق هنا : أن اليهود في كافة مراحل تاريخهم كانوا في أفضل أحوالهم تحت الحكم الإسلامي ، فقد عانوا أشد المعاناة تحت ظل الحكم الروماني و المسيحي ، و التاريخ الأوروبي يحتفظ بهذه المعاناة و لم ينالوا الحرية و الكف عن إضطهادهم بشكل كامل إلا بعد الثورة الفرنسية و مع إجتياح (نابليون) أوروبا و من بين أعماله أنه قام بتحرير اليهود من القيود و القوانين الظالمة ضدهم .
* اليهود في الأندلس كما في الشرق عانوا من الإضطهاد تحت الحكم المسيحي المتشدد : فيُقال أنهم لما رأوا العرب الذين فتحوا إفريقيا من أيدي بيزنطة فدعوهم ليسقطوا مملكة القوط الغربيين الضعيفة في أسبانيا .
- بالمختصر : مصالح اليهود هي ما جعلتهم يمدون عونهم ضد العدو المشترك بينهم و ذلك لتحقيق أهداف و مصالح خاصة بهم و ليس من أجل قرابة في المعتقد أو العِرق ، و نرى هذا في صفحات التاريخ العتيقة .
_____
* الفصل التاسع : (بعد السيف .. الكتاب)
= هذا الفصل هو نقطة تحول في الكتاب من مرحلة الغزو العسكري إلى مرحلة الصدام الفكري ، فبعد توقف الفتوحات العربية و استقرار العرب في المدن المفتوحة بدأ تعامل حقيقي بين العرب و الشعوب المغلوبة(السكان الأصليين) فبدأ السؤال يصبح من هو دينه الصحيح؟! و ليس من الذي انتصر عسكرياً ، و على ذلك بدأت المناظرات و المناقشات الدينية بين المسلمين و المسيحيين و الزرادشتيين .
- أهم النقاط هنا :
- النزاعات المذهبية داخل الكنيسة كانت نتيجة لصراعات فكرية و اجتماعية بين المسيحيين و بين أتباع الدين الروماني-اليوناني و انتهى هذا الصراع عندما ألغى الإمبراطور البيزنطي المدرسة الأفلاطونية الفلسفية فكان هذا بمثابة إعلان لإنتصار الرؤية المسيحية التوحيدية على أفكار الديانة الهيلينية .
- انتقلت تعليقات أتباع المدرسة الأفلاطونية على فلسفة أفلاطون و أرسطو إلى المسيحية عن طريق القديس (أغسطين) و القديس (جيروم) وغيرهما في القرن ٥ الميلادي فضمت المسيحية جوانب من الفلسفة الهيلينية خاصة في فكرة الإله الواحد المُجسد للخير و يعكس صورته على الأرض الإمبراطور الذي يعمل على إحياء الإيمان و الدفاع عنه .
- بعد انتهاء الجدال المسيحي-الهيليني و أنصار المذهب العقلاني الهيليني ، بدأت الانقسامات العقيدية تنتقل إلى عمق المسيحية نفسها فظهرت الهرطقات (الأريوسية ، اليعقوبية ، النسطورية) و نشأ عن ذلك الخلافات و الإضطهادات و القلاقل بينهم .
* رد فعل رجال الدين المسيحيين أمام إنتشار الإسلام : هؤلاء أجمعوا على أن الفتوحات العربية هي عقاب من الله على ذنوب المسيحيين و لكن لا يعني ذلك أن الله يرتضي الإسلام ديناً للبشر ، فجاهدوا ليمنعوا رعاياهم المسيحيين لاعتناق الدين الجديد فأشاروا بأن الامتيازات الدنيوية التي ينالها المسيحي المعتنق للإسلام(يتخلص من دفع الجزية ، و اندماجه في مجتمع الإسلامي الصاعد سياسياً و ثقافياً) بأن هذه الإمتيازات الدنيوية تجعل من الإسلام أقل شأناً من المسيحية من الناحية الروحية .
- بعض المسيحيين رأوا أن الإسلام عبارة عن هرطقة و انحراف عن الدين القويم و ليس ديناً جديداً ، و كما أن الإسلام يهتم قبل كل شي بمتع الحياة الفانية ، أما المسيحية فهي دين يهتم بالعالم الآخر ، فوجد رجال الدين المسيحيين العلاج الوحيد بوضع نبوءات و نسبتها إلى شخصيات قديمة تتحدث عن إنهيار الحكم العربي و عودة مملكة المسيح الظافرة ، و بذلك نرى أن كل شعب مسيحي بثقافته المختلفة يبتدع طريقة في فهم الإسلام و إدخال حقائقه على الإسلام كما يرونها هم .
*- (الإسلام و ظهور "الآخر") :
- فرض الإسلام نفسه بأنه "الآخر" أي البديل عن منظومة الحقائق في المسيحية و الزرادشتية و اليهودية ، أي الحَكم عليها ، و كما أن هذه الديانات فعلت ذلك أيضاً ، كل ديانة تسعى لإظهار آخرويتها أمام غيرها .
- مسألة "الآخر" أقدم من زمن الفتوحات العربية حيث تعود إلى فكر كلاسكيات اليونانية و الرومانية .
*البيزنطيين في المرحلة المبكرة من علاقتهم بالإسلام واجهوا مشكلة دينية-سياسية مختلفة تماماً : فقدوم المهاجرين من المناطق التي فتحها العرب أو مع تقدم قوات بيزنطة إلى الأراضي التي فتحها العرب و ثم تخلوا عنها ، فظهرت المشكلة : أن بعض المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام أرادوا العودة للمسيحية ، و لعلاج ذلك وضعت الكنيسة بعض الطقوس لقبول عودة هؤلاء للمسيحية في إعلان إنكارهم لأسس الإيمان الإسلامي .
*-(القسمة المُطَمئنة) :
- عند المسيحيين رؤية للعالم تتمحور حول قسمة مطمئنة للعالم تتألف من المؤمنين و من غير المؤمنين ، و قسموا غير المؤمنين إلى فئات فرعية من اليهود و الوثنيين و الهراطقة ، و مع احتكاكهم بالمسلمين اعتبروهم هراطقة أو وثنيين أو عبدة الشيطان حاملين العقاب الإلهي للمؤمنين .
** المهم هنا الكُتاب المسيحيين لم يفهموا الإسلام و دوافع الفاتحين العرب من خلال الرجوع للمصادر الدينية الإسلامية نفسها بل بالنظر إلى مصادرهم التي تحدثت عن الغزاة العرب الجدد .
- المهم هنا هو ذكر (إيزيدور الاشبيلي) و كتابه "إيتيمولوجيا" أي تاريخ الألفاظ ، و اعتمد على هذا الكتاب كُتاب القرون الوسطى المسيحيين ، و قام (إيزيدور) في كتابه بأن قسم العالم و صنفه لفئات و مراتب .
- و رأى (إيزيدور) كما يرى اليهود و المسيحيين و المسلمين أن التاريخ هو المسار الذي تمضي فيه إرادة الله في خلقه .
- (إيزيدور) استند على القول بأن العالم خُلق في ٦ أيام و بذلك قَسَّمَ العالم إلى ٦ حِقب تاريخية ، و أن يسبق نهاية العالم في الحقبة الأخيرة(استناداً للكتاب المقدس) ظهور عدو المسيح أو المسيح الدجال ، و مع تغير العهود فإن عدو المسيح يتغير بدوره ، و كان للإسلام نصيب باعتباره أيضاً عدواً للمسيح و باعتبار أن النبي محمد مزيف كاذب و أن الفتوحات العربية هي الكوارث التي تنبأت بها التوراة .
- و على تقسيم (إيزيدور) الذي ورثه المسيحيين أخذ الكُتاب المسيحيين في الشرق و الغرب يحاولون إيجاد مكان للإسلام و أتباعه .
*-(الدخيل على التاريخ) :
- نُظِر للإسلام على أنه دخيل غير مقبول على النظم السياسية و الإجتماعية أنذاك .
- المسيحيين الشرقيين هم من تصدَّر المحاولات الأولى لفهم الإسلام و الرد عليه تفنيداً و دحضاً ، لأنهم أول من أصابتهم الفتوحات العربية .
** نظرة المسيحيين الأولى للفتوحات العربية بأنها همجية بربرية تسعى للسلب و ثم بعد قرون تحولت نظرتهم إلى قراءات ناجمة عن معايشة قريبة للعرب و المسلمين .
- الرد الأول لمسيحيي الشرق للجانب الديني عند العرب المسلمين و ذلك بعد أن هدأت الأوضاع العسكرية و الحربية :
- كان أول رد من (يوحنا الدمشقي) أو (يوحنا بن منصور بن سرجون) كما تسميه المصادر العربية ، كان قبل الفتوحات العربية يرد على أصحاب البدع و الهرطقات المسيحية و ثم على المسلمين في كتابه "ينبوع المعرفة" ، حيث أدرج الإسلام كهرطقة و ليس ديناً جديداً .
- المهم هنا : أن آراءه تدل على ضآلة اطلاعه على الإسلام ، لكنها تحظى بالأهمية لقربها الزمني من ظهور الإسلام ، و قد منح الإسلام رقم ١٠١ في قائمة الهرطقات .
- مع الملاحظة أنه يوجد رأي بإدخال الإضافات على كتاباته بعد ذلك .
- المسيحيين الشرقيين دافعوا عن هويتهم و عن مواقعهم الاجتماعية و السياسية أمام الفتوحات العربية و التمييز ضدهم من الحكام العرب .
- المؤلفين و المجادلين المسيحيين الذين أتوا بعد (يوحنا) بقرون كانوا أفضل منه إطلاعاً على الإسلام و على عادات و أفكار العرب .
- المطور الأول لنهج (يوحنا الدمشقي) كان (ثيودور أبو قرة) الذي أعاد بث فكرة أن الإسلام انتشر على يد أتباعه بحد السيف و باستغلال الأطماع السياسية ، أما المسيحية فقد انتشرت بمحبة الله و رغبة في الثواب في العالم الآخر رغم كل محاولات الرومان لطمسها ، و إيمان الناس بالمسيحية جاء بقوة الله لا بقوة البشر كما الإسلام .
*-(التصدير إلى الغرب) :
- من القرن ٨ إلى ١٢ ميلادي حدث استيراد آراء مجادلي الإسلام من المسيحيين الشرقيين إلى أسبانيا بترجمتها و الإضافة إليها و ثم نقلها إلى شمال أوروبا .
- النظر إلى المسلمين كان يسير بشكل متدرج و مرحلي ، أولاً كغزاة متوحشين ، و ثم كهراطقة .
- و لا غريب أن الأوربيين ليؤكدوا صورتهم للغازي العربي المتوحش بأن يخترعوا دين وثني خرافي يقوم على تثليث نقيض يؤمن به العرب مقابل التثليث المسيحي : و التثليث العربي هذا يتكون من (محمد ، أبولين أو أبولو ، تيرفاغان) الثاني مستعار من التراث اليوناني ، و الثالث هو نتاج الخوف من المجهول .
- هذه الحيلة بإقامة ديانة معادية كريهة متخيلة لإبقاء الخصم المسلم في حيز قابل للرفض و الإدانة عن المسيحيين يعني تشويه صورة الإسلام لمنع المسيحيين من إعتناقه ، و هذا أمر معتادين على رؤيته في التاريخ عبر العصور و إلى الآن .
*- (المسلم اللاعقلاني) :
- صفة اللاعقلانية ألصقتها الأدبيات المسيحية بالمسلمين كدليل على الهمجية و التوحش و التمسك بالشهوات و التشبث بالأفكار الخاطئة ، و لاعقلانية المسلم لأنه رفض الاعتراف بحقيقة المسيحية= طبعاً من المسلمين من يفعلون بالمثل مع المسيحيين و غيرهم ، فمثلاً المشايخ الملاعين من الوهابيين يرون العقلانية أمر غير مهم الإلتفات إليها ! .
** الملاحظة المهمة : أن العقلانية ليست ما تُبشر به المسيحية ، فعندها العقل هو أداة للإيمان ، فالعقل يُكمل الإيمان كما يؤكد القديس (توماس الأكويني) = و هنا أورد تعليق تاريخي سريع : طبعاً نرى بوضوح تام هذا الرأي و المبدأ الذي اعتمدت عليه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية خلال مراحلها في السيطرة على عقول الناس و منع أي محاولة لإنارة عقولهم بالمنطق و التفكر و التأمل الذي يؤدي إلى نقد لما تقوله الكنيسة و الكتاب المقدس ، فالكنيسة هي كالعقل لهم و تمسكت بأن لها الحق فقط في تفسير أي شيء كما يتناسب مع مصالحها ، إلى أن أتى الإصلاح الديني البروتستنتي(حيث نادى (مارتن لوثر) بأن كل فرد له الحق في تفسير الكتاب المقدس بنفسه) و كسر هذا الحاجز و ثم أكملت حركة النهضة الأوروبية بفرعيها(الأدبي-الفني ، و العلمي) العمل بتحطيم سيطرة الكنيسة و ثم قامت حركة التنوير و الإستنارة بمحاولة تشذيب للعقول التي تحررت و استفاقت .
- و المسيحيون اعتبروا الفلاسفة و المفكرين المسلمين و ما انجزوه بأنهم غير مؤمنين بالإسلام حقيقةً ، لأنهم يرون أن الإيمان بالمسيحية أعطت العقلانية لمفكريها أما الإسلام فلا يفعل ذلك . و هذا تفكير هراء تماماً ! .
*-(الشعوبية) :
- ظاهرة الشعوبية شغلت بال العرب و الموالي على ساحة إيران فأحدثت حالة توتر بين الماضي الإمبراطوري-الزرادشتي و الحاضر التابع المسلم ، فاحتاج ذلك لقدر من العقلانية لصوغ المستقبل الإيراني .
- و على ذلك أثناء إعادة كتابة التاريخ الإيراني في العصر العباسي تمت التضحية بالأحداث الواقعية و التاريخية بالمقابل رفع من قيمتها الرمزية و مضمنوها التربوي التعليمي ، لأن التاريخ الرمزي ينتقل إلى الأجيال و يُشكل الهوية و الثقافة الوطنيتين .
- التجاور بين المسلمين و الزرادشتيين أدى من خلال تبادل التأثيرات الثقافية إلى تشكيل مكونات معرفية و ثقافية مشتركة جديدة .
- موقع الإيرانيين المسلمين في المجتمع و الثقافة و الدولة العربية الإسلامية الجديدة : في الحكم العباسي تم إلغاء التمييز الأموي الذي كان ضدهم ، لكن مع ذلك لم يعترف العرب المسلمين بأن هؤلاء مساويين لهم ، لكن هذا التمييز لم يمنع العرب (قبل الإسلام و بعده) من الشعور بتفوق الحضاري للفرس و البيزنطيين عليهم فأظهروا التقدير للعلم عند الشعوب المغلوبة و استعاروا من أساليب الإدارة الأجنبية .
- لكن مركب التمييز ضد المغلوبين أدى بعد الفتوحات العربية للعداء بين العرب و المغلوبين ، فمفاهيم(المواطنة ، العدالة ، الشعب) التي ظهرت حديثاً ، لم تكن موجودة قديماً عند ظهور ظاهرة الشعوبية بين القرنين ٢ و ٣ الهجريين .
- أتباع الشعوبية أطلقوا في البداية على أنفسهم "أصحاب التسوية" من كلمة مساواة أي يطالبون بالمساواة بينهم و بين العرب ، أما كلمة الشعوبية فأُخذت من كلمة (الشعوب) في الآية القرآنية (و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعرفوا....) ، و من تفسيرات للآية بأنها قسمة بين العرب و العجم : الشعوب أي بطون العجم ، و القبائل أي بطون العرب ، كما في تفسير (ابن كثير) = طبعاً نرى العنصرية و التعالي العربي ضد غيرهم من العرب من خلال هذه التفسيرات ، و هذا مخالف لتعاليم و قواعد القرآن .
- لا يوجد دليل بأن الشعوبية كان لها اتصال سياسي متمرد ضد الدولة العربية ، فالشعوبية لم تطمح لنقض أركان الدولة العباسية بل عملت على تغييرها من الداخل ، لذلك نجد الكُتاب الفرس يهجون العادات العربية لكنهم يُظهرون الولاء للأمراء العرب .
- ما أدى إلى انهيار ظاهرة الشعوبية :
١- نجاح الأدب العربي في دمج التقليد العربي الجاهلي بالدين الإسلامي .
٢- ظهور المعتزلة .
٣- إنشاء بيت الحكمة حيث ساهمت الترجمات لأعمال الفلاسفة و المناطقة اليونان مساهمة كبيرة في التصدي للنزعات الثنائية أو الثنوية التي كان يحملها عدد من الشعوبيين .
- من الشعوبيين سعوا للحفاظ على هويتهم و ثقافتهم أمام الثقافة و الهوية العربية مع وجود مشروع سياسي غير واضح ، و بعض الشعوبيين سعوا لحفظ حقوق الحضارة البائدة و مساهماتها في الحضارة الإنسانية أي إحياء ذكراها دون محاولة لإحياء تلك الأمة التي انتهت .
*-(الشعوبية الاندلسية) :
-ظهرت في الأندلس بعد ٢٠٠ سنة من اختفاء الشعوبية في المشرق ، لأسباب مختلفة مع تشارك في ظهورها أثناء تفكك الحكم الأموي و تطور أوضاع البربر و الصقالبة في الأندلس ، فاحتاج أهل الأندلس للتعبير عن التمييز و الإختلاف الثقافيين و السياسيين عن الحكم العربي ، و كما فعل الشعوبيين في المشرق قاموا بهجو العرب و أصلهم و عاداتهم و أساليب عيشه على الرعي .
- في اسبانيا ازداد الداخلين للإسلام و الناطقين بالعربية ، فحتى المسيحيين فيها تعلموا و تكلموا بالعربية و كتبوا الشعر العربي و ذلك لإعجابهم بالعربية ، بالمقابل انزوت الثقافة اللاتينية في اسبانيا .
*-(الصحوة اليهودية) :
- بعد أن أدرك اليهود أن العرب انشغلوا عن تحقيق الهدف اليهودي في إعادة بناء الهيكل فإن اليهود اكتفوا عن الإهتمام بالفتوحات العربية .
- في ظل الحكم العربي تم رفع الحظر الروماني و البيزنطي عن اليهود من دخول القدس ، فأصبح لليهود فيها مدارسهم الخاصة و سمح العرب لهم بإستئناف نوع من الحكم الذاتي بزعامة رأس جالوت أو رأس الطائفة اليهودية .
- التغييرات في أوضاع اليهود و تحسينها أدى إلى بعث في الثقافة اليهودية ، و لم يعد الحاخامات يهتمون بتدوين التاريخ الذي يرونه يتكرر و انشغلوا في وضع الكتب التي تدعم فكرة تحدر يهود بابل من احفاد النبي داود . = من خلال قرائتي في التاريخ رأيتُ أن اليهود عندما ينالون الأمن و السلام على حياتهم و شعائرهم فإنهم يكفون عن إزعاج أنفسهم بآمال خيالية تخليصية و ينشغلون عن غيرهم و يبدأون بالعمل و التأثير المختلف في مناحي الإقتصاد و الأدب و العلم ، و هنا تراهم يختلطون بالمجتمع كأفراد نافعين .
- حدث تأثر بالفقه الإسلامي عند اليهود كما في مذهب العنانية الذي أسسه (عنان بن داود) و الذي استقى طريقة القياس من الفقه الإسلامي(على نهج أبي حنيفة) أثناء عودته للنص المقدس المكتوب أي العهد القديم ، و ثم تطور هذا المذهب بعد تعديله إلى مذهب القرائين .
- استياء المسلمين المعاصرين من القول أن الإسلام تأثر باليهودية في النصوص المؤسسة و بما يعرف بالإسرائليات التي تملأ التراث الإسلامي و هي المرويات عن شخصيات العهد القديم التي أشار إليها القرآن . = و نتسائل هنا : و لِمَ الإستياء؟؟ فقد حدث بالفعل التأثر إلى حد الإساءة إلى النبي محمد ﷺ نفسه بروايات يحسبونها أحاديث صحيحة .! ألم يتنبأ النبي بهذا الحال أنه سيكثر الكذب عليه و أن من المسلمين من سيُشابهون اليهود في تفسير كلام الله حرفياً و حظر المجاز و التأويل ؟!! و قد صدق رسول الله .
*-(الأيقونات) :
- بعض المؤرخين و الإخباريين البيزنطيين يرون ظاهرة العداء للأيقونات لم تكن ناتجة من داخل المنظومة المسيحية البيزنطية بل من تأثيرات خارجية يهودية أو عربية بالإستناد لتحريم اليهودية و الإسلام للرسوم و التصوير .
- كان البيزنطيين دائماً يتبعون منهج إلقاء المسؤوليات على الآخرين لتبرير سوء أوضاعهم الداخلية و الخارجية و ما يصيبهم من مصائب و خسائر ، فقالوا في تفسير أزمة الأيقونات :
- أن ساحر يهودي أقنع الملك الأموي (يزيد ٢) بتحطيم الأيقونات و الصلبان في مملكته و إن فعل ذلك فإنه سيبقى على العرش لمدة ٤٠ سنة ، لكن (يزيد) مات في نفس العام الذي بدأ أخوه (مسلمة) الذي قاد الحصار الثاني للقسطنطينة في تنفيذ أمر تحطيم الأيقونات ، و من خلاله نقلت الأفكار إلى داخل بيزنطة من قِبل مسيحي سابق أسره العرب فأسلم و عاد إلى بيزنطية(القسطنطينة) و عاد للمسيحية و ترقى في الجيش و تقرب من الإمبراطور (ليو ٣) إلى حد تأثر الإمبراطور بالعقائد العربية و (ليو) من بدأ العداء ضد الأيقونات .
- أزمة الأيقونات كانت في مرحلتين :
١- استمرت بين عامين ٧٢٦ و ٧٨٠ .
٢- من ٨١٣ إلى ٨٤٣ ، و انتهت هذه الأزمة لانتصار لمُبجلي الأيقونات .
- بعض الآراء حول أسباب هذه الأزمة :
١- من مؤرخي العصر الحديث يقولون أنها محاولة إصلاحية من (ليو ٣) ترمي لإنتزاع التعليم من أيدي الكهنة و للإستجابة لضرورات المجتمع الذي احتاج للإصلاح السياسي و الديني .
٢- أن تحطيم الأيقونات و منع الذخائر المقدسة لأن تقدسيها و العناية بها بشدة قد سيطر على الحياة الروحية لمواطني بيزنطية فكان تحريم الأيقونات للحيلولة دون انبعاث الوثنية و لإعادة المسيحية إلى طُهرها الأول .
٣- رآي آخر يرى أن الدافع وراء ذلك من المدافعين عن إقطاعيات الأديرة التي تتسع رقعتها فأرادوا تحويل الصراع على ملكية الأرض مع الإمبراطور إلى صراع ديني ينشغل به الإمبراطور .
٤- رأي آخر يقول أن الأباطرة المعادين للأيقونات ينتمون للمقاطعات الشرقية من الإمبراطورية البيزنطية ، أما الأباطرة الذين أعادوا الإعتبار للأيقونات فإنهم من أصل يوناني أو قريب من ذلك .
** لكن الملاحظة المهمة هنا : أن العداء للأيقونات كان موجود في المقاطعات الشرقية من الإمبراطورية البيزنطية بتأثير اليهود قبل مئات الأعوام من ظهور الإسلام(المُجدد لحظر التصوير) ، و كما توجد الطائفة (البولسية) المسيحية التي أنكرت رسم القديسين و رفض أي صفة إلهية لمريم ، و كذلك كان العداء للأيقونات أقرب لعملية إستئنافية لنزعة مسيحية قديمة ظهرت في القرن ٤ الميلادي = و نُعلق تعليق تاريخي سريع : أن الكنيسة كانت تحارب و تمنع أي محاولة لرسم المسيح و مريم في اللوحات أو التماثيل ، و ثم مع التأثر ببعث الآداب و الفنون اليونانية-الرومانية القديمة بدأ الحظر ينحسر بالتدريج من إظهار المسيح مثلاً من ظهره لا من وجهه أو وضع هالة من النور عليه و هكذا حتى أصبح يُرسم علانية بكافة الأوضاع و في مختلف مراحل عمره و حتى أثناء صلبه و تمثيل موته في اللوحات أو التماثيل دون اعتراض الكنيسة ، و لما أتى الإصلاح الديني البروتستني من مذاهبه من منعت الصور مرة أخرى و كان لهذا أثره على نفوس أتباعهم .
*-(عمر و ليو) :
- توجد الشكوك حول المراسلة التي حدثت بين (عمر بن عبد العزيز) الأموي و الإمبراطور البيزنطي (ليو ٣) ، و هذه المراسلة تعكس القلق الذي ساد المملكتين البيزنطية و الأموية ، لذلك رأى الطرفان بإلتزام أكبر قدر ممكن من الحذر في التعامل مع بعضهما .
* المسيحيين في الغرب نقلوا و ترجموا و طوروا ما قاله المسيحيين في الشرق ضد الإسلام .
- يوجد فرق : من الاقدمين من ناهض كل ما جاء به العرب و الإسلام سواء أكان على علم به أم لا ، مثال (يوحنا الدمشقي) ، أما المتأخرين فركزوا على تدوين ما أنجزه الطرفين في العلم و الثقافة مثال (ابن العبري) .
* الفصل العاشر : (علاقات المغلوبين)
- الفكرة الأساسية لهذا الفصل : أنه بعد توقف الفتوحات العربية و استقرار العرب ، اكتشفت الشعوب الأصلية أي المغلوبة أن الفتح العربي لم يكن مجرد غارة وتنتهي ، بل "استيطان دائم" وهذا ما غيّر واقع المغلوبين .
- أهم النقاط هنا :
- في ظل الظروف الجديدة كان على الشعب المغلوب أن يجد حل لتنظيم أموره الداخلية و لم يتدخل الحكم العربي فيها بشكل مباشر لكن فرض رقابة صارمة على سيرها حتى لا تتحول إلى خطر سياسي يُهدد الحكم العربي ، و على ذلك وضعت المؤسسات الدينية (المسيحية و الزرادشتية و اليهودية) حدوداً لعلاقاتها مع المحتلين الجدد و مع من يُعلن إسلامه من المغلوبين ، فسعوا إلى حفظ وحدة جماعتهم(من خلال وسائل قانونية لاهوتية) و وضع مرجعية لها تُمثل أمام الحاكم العربي العام عليها .
- كذلك فعل الفقه الإسلامي الذي بحث و درس في علاقات المسلمين مع الأديان الأخرى و شعوبها .
- في البداية : مثلاً في المدن الإيرانية كان رجال الدين الزرادشتيين يُوَكل لهم تسيير الأمور اليومية فيها خاصة أن هذه المدن فيها المسلمين قلة ، لكن مع موجات الهجرة العربية المتعاقبة على المناطق المفتوحة أدى إلى قلب الكفة لصالح العرب المسلمين في ترسيخ وجودهم السياسي .
- المغلوب يضطهد المغلوب : نجد أن أشد اضطهاد تعرض له الزرادشتيون لم يكن على يد العرب الفاتحين ، بل على يد الفرس/الإيرانيين المسلمين أنفسهم لأنهم أرادوا إثبات ولائهم للدين الجديد ، فكانوا أشد قسوة على إخوانهم الزرادشتيين ، فأدى التضييق على بعضهم بأن هاجروا إلى الهند .
- نجد أن المناطق التي أغلبها من الفرس الزرادشتيين يخطب رجال دينهم ضد الحكم العربي ، و أن المناطق التي أغلبها مسيحيين قد شكوا من أعمال الخلفاء و الأمراء العرب و عمالهم ، فنجد روايات عن (عمر بن عبد العزيز) و معاملته السيئة للمسيحيين سواء في مصر أو إيران و أنه يشُدد عليهم التضييق ليُجبرهم على إعتناق الإسلام = و طبعاً هذا إجرام من ملك أموي يراه المسلمين في مرتبة الخليفة الخامس الراشدي !! فهو يخالف القواعد القرآنية التي تمنع الإكراه في الدين و الإساءة للغير .
- ظاهرة استدعاء الخليفة و الأمراء لرجال الدين المسيحيين و محاسبتهم أو خلعهم و تعيين غيرهم ، كانت ظاهرة شائعة في سوريا و فلسطين و العراق ، لكن هذه الممارسة العربية لم تتأسس على واقع السلطة السياسية و العسكرية القهرية فقط بل على حقيقة صراعات الكنائس الداخلية و ما تبثه من فوضى في المنطقة التي تحت الحكم العربي لذلك كان الحاكم العربي يتدخل ليفض النزاع بينهم .
- المسيحيين عانوا تحت ظل الحكم الأموي و خاب ظنهم لما رأوا أن الحكم العباسي أشد من الأموي في معاملتهم من حيث فرض الضرائب العالية .
*-(حدود الجماعات) :
- عدد من كبار رجال الدين المسيحيين ساهموا في رسم الحدود الفاصلة بين الجماعتين المسلمة و المسيحية في سوريا و العراق ، منهم (يعقوب الرهاوي) الذي رد على سلسلة أسئلة حول كيفية العلاقات بين المسيحيين و المسلمين في مختلف مناحي الحياة ، فوضع الحدود الاجتماعية في التعامل مع المهرطقين و الكفار .
- موضوع الارتداد عن المسيحية كان موضوع معقد للمسيحيين في القرون الأولى للفتح العربي توجب وضع حلول كنسية امام ذلك خاصة عند عودة من أسلموا للمسيحية مرة أخرى .
- عدم معرفة العوام المسيحيين لدقائق القانون الكنسي كان موضع قلق لرجال دينهم لأنهم أصبحوا أمام جو جديد تحت ظل الحكم العربي و ممارسات اجتماعية مختلفة فأدى ذلك للحاجة إلى وضع قانون موحد للمسيحيين رداً على انتقادات اليهود من عدم إلتزام المسيحيين بقانون موسى و كذلك لتحصين جماعة المسيحيين و حفاظ عليها من اغراءات الدين الإسلامي .
* اساليب لجأ إليه المغلوبين لدفع الانتشار الإسلامي عن صفوفهم : بنشر أخبار مسلمين اعتنقوا المسيحية و استشهدوا على إثر ذلك و بعضهم أصبح من القديسين عند المسيحيين .
- و نرى في هذه القصص التي هي خيالية أنها تختار شخصيات عربية أو مسلمة من ذوي النفوذ أو النسب العريق ، مثل أخ الخليفة في سوريا ، أو قائد و هكذا ، و الهدف من هذه القصص هو تشجيع المسيحيين على عدم الانتقال إلى الإسلام .
- من الأدبيات هنا أيضا التي تستخدم للغرض نفسه : قصص لقاءات كبار الخلفاء مع رجال الكنيسة ، باختراع هذه القصص أو تعديلها لغاية تتناسب مع أوضاع و ظروف الوقت الذي نُشرت فيه و هي غاية المسيحيين في كسب ود الحكام المسلمين .
** النقطة المهمة في هذا الفصل انه ينقض الفكرة المثالية أن الناس دخلوا الإسلام أفواجاً عن اقتناع ، و من الممكن وضع الأسباب التي أدت بالمغلوبين لدخول الإسلام :
١- مصلحة إقتصادية : من خلال التخلص من الجزية والضرائب المرهقة .
٢- سبب إجتماعي : للتخلص من التمييز بين العرب و الموالي .
٣- سبب سياسي : للحصول على مناصب ، و الكاتب يذكر مثال : مسيحيي عُمان الذين أسلموا طمعاً في الحفاظ على ثرواتهم ، بينما لم يرد أساقفة بيت قطرايي(قطر حالياً) على دعوات البطاركة للحفاظ على دينهم .
٤- سياسة الإجبار الناعم : مثل ما قام به (عمر بن عبد العزيز) من : منع ضرب النواقيس و منع قبول شهادة المسيحيين في المحاكم و إغرائهم بالإعفاء من الجزية في حال إسلامهم = و هدفه من ذلك التضييق عليهم ليدخلوا في الإسلام .
**- في الأندلس : المؤسسات الدينية فيها حافظت على استقلالها الثقافي و تمايزها القومي فكان ترقب بضيق لامتداد الهمينة العربية سياسياً و ثقافياً .
- رأينا طبعاً أنه في الشام و مصر حدث انكفاء الكنيسة أو خضوعها و تأقلمها مع الفاتحين العرب ، و أنه في إيران حدث تطوير كيان ديني-سياسي جديد ليندمج مع الحكم العربي الإسلامي ، لكن في الأندلس كان الوضع مختلف :
- المستعربون(هم المسيحيين الذين تبنوا اللغة و الثقافة العربيتين) أحدثوا قلق في الكنيسة التي أرادت تأكيد الإنفصال الديني و القومي عن الحكم الإسلامي لمصلحة الولاء للدول المسيحية في شمال أسبانيا و الكنيسة الكاثوليكية في روما .
- في محاولة لإعادة هذا الإنفصال حدث :
١- حركة شهداء قرطبة :
- نتجت عن التوتر بين المسيحيين الأسباني المنقسمين في شأن التعامل مع الاحتلال العربي و الثقافة الإسلامية في قرطبة في منتصف القرن ٩ الميلادي ، و ما أصاب هذا التوتر ليس القمع العربي بل عدم وجود قوانين تُميز بين المسلمين و المسيحيين(باستثناء الجزية) .
- هذه الحركة يُرى أنها من مسيحيين تعمدوا سب النبي أمام القاضي في قرطبة ليُحكم عليهم بالإعدام ، ليصبحوا شهداء و يحافظوا على الهوية المسيحية من الذوبان ! .
- و يُرى أنها كانت محاولات نخبة للحفاظ على هويتها و لم تلقى أحياناً حتى دعم الشعب نفسه الذي غلّب مصالحه الاقتصادية على هويته الدينية و القومية .
- هذه الحركة نجحت في تعميق الانقسام العربي-الإسلامي المسيحي .
٢- حدوث ثورات محلية ضد الحكم الأموي في الأندلس مثل تمرد أو ثورة طليطلة و كان باشتراك المسيحيين مع المسلمين ضد سعي الخليفة (عبد الرحمن ٣) في مركزة الحكم في الأندلس .
٣- محاولات الإستقلال عن الحكم الأموي في قرطبة : مثل ما قام به (عمر بن حفصون) حاول الإستقلال في الأندلس عن الحكم الأموي في قرطبة ، و لم تكن هذه هي المحاولة الوحيدة ، و هذه المحاولات تدل على ضعف الحكم الأموي في الأندلس .
* الملاحظة المهمة : أن الصراعات هنا في القرن ٩ الميلادي لم تكن بين المسيحية و الإسلام بل هي أقرب إلى نزاعات بين الولاءات الإقطاعية في دولة تشكو سلطتها المركزية من الضعف .
=** لذلك تعتبر : حركة الشهداء ، عمر بن حفصون ، تمرد طليطلة = تعتبر كلها صوت لقضية الروح الإسبانية .
** الصراع بين (العرب و البربر المسلمين) و بين (المولدين و المستعربين) هو في التفسير المعاصر : صراع قومي على السلطة السياسية لا على الدين ، فالدين أحد أشكال الوعي السياسي لا أكثر .
- و نحن هنا نجد تشابه بين حركتي شهداء قرطبة و ابن حفصون مع الثورة الفارسية البابكية = بأنها كلها تأسست على الإعتراض على الوجود العربي-الإسلامي في تلك البلاد التي تتمسك بمقوماتها الدينية القومية .
* العلاقات بين الفاتحين العرب و الشعوب المغلوبة-الأصلية اختلفت من بلد مفتوح لآخر :
١- المسيحيين الإسبان لم يروا حاجة في الإنخراط في الإسلام و تغيير الدولة من الداخل ، حيث كانت تحظى مملكة القوط التي تأسست في مقاطعة أخرى بالدعم السياسي من أوروبا .
٢- أما في إيران فكانت بلا دعم في مواجهة العرب الفاتحين المستقرين و وجد الإيرانيين أن الطريقة للحفاظ على هويتهم تكون بالإندماج في الإسلام أو بالفرار إلى الهند كما فعلت أقلية (البرسيس) .
* الفصل الحادي عشر : (أعادها الله إلى ديار الاسلام)
- جملة "أعادها الله إلى ديار الاسلام" كانت قد تكررت في المصادر العربية القديمة عند ذكر بلاد مثل الأندلس خسرتها الدولة الإسلامية و وقوعها بيد المسيحيين مثل الأندلس و قد ضرب المؤلف مثال على ذلك في قصة الوزير المغربي في أسبانيا أو قولها عند استردادها من الأعداء ، و نرى هذه الجملة تتردد صداها في العصر الحديث أيضاً مع الجماعات الإسلامية المتطرفة كداعش مثلاً التي أرادت إعادة ما كان في يد المسلمين إلى أيديهم مرة أخرى أو إعادة البلاد المسلمة إلى ما يظنونه هم إسلام الحق .
- أهم النقاط هنا :
- هنا حقيقة تاريخية بديهية نراها في مختلف أطوار الدول : ذكر المؤلف (عيتاني) عن إنحطاط أحوال أسبانيا بعد الفتوحات الأسبانية في العالم الجديد أي أمريكا إذ نالت من هذه الأملاك الجديدة الأموال العظيمة فأدى ذلك إلى تراخي ملوكها و انغماسهم هم و الشعب إلى الترف و البذخ و الكسل و الخمول ، و هذا بالطبع نراه في حال انحطاط ممالك المسلمين فلما نال الخلفاء حياة الترف فأدى إلى تراخيهم و خمدت من بذلك روح الأولى للفتوحات العربية و كما سعى رعايا هؤلاء لجمع الثروات عبر الصناعة و الشهرة من خلال الأدب فلم تعد الحرب من شغفهم .
* و نعلق و نُنَوِه : لا يعني أن الإرتكاز للحياة الأدبية و العلمية و الفنية و تمجيدها أكثر من البطولات العسكرية يعني الإنحطاط و الإنحدار في السياسة و الأخلاق كما يرى البعض . فكلها تؤثر معاً في ذلك .
- الجدير بالملاحظة هنا ما قاله المؤرخ الأسباني (أولاغيه) أن الفتح العربي للأندلس كان على يد المرابطين الذين عبروا من المغرب و فتحوا الأندلس ، بينما الفتح الأول الذي حصل ٧١١ ميلادي أي مع الفتوحات العربية اقتصر على حركات التبشير قام بها عدد محدود من التجار و الفقهاء استقبلتهم أسبانيا الإيروسية كمُخلصين من ظلم سلطان القوطي و تضييق الكنيسة عليهم .
*-(عن المصادر و المناهج) :
- يجب النظر إلى النصوص التاريخية العربية بعين النقد الأدبي و ليس عبر البحث التاريخي ، لأن مقصد كُتاب هذه النصوص ناتج عن بيئتهم ، و هؤلاء كتبوا النصوص بعد قرنين من حصول الأحداث الفعلية التي يكتبون عنها لذلك هي مُشربة بعاطفة الإنتماء للأمة الجديدة التي تحرص على تأكيد ذاتها أمام الأمم الأخرى .
- و لو صح أن المصادر العربية-الإسلامية هي مصادر أدبية إخبارية غير تاريخية دقيقة فهنا نواجه مشكلة المنهج : و اتفقت المدارس التاريخية الحديثة على تغيُّر المناهج تبعاً لتغيُّر الظروف السياسية و الإجتماعية و التاريخية التي تنتجها .
- تكاد جميع النصوص القديمة تتشارك في تعرضها لتغييرات أو إضافات عليها من قِبل (النساخ ، الكهنة ، التلامذة و غيرهم) بعد موت الكاتب الأول ، و هؤلاء زادوا بما يرونه منسجماً مع التطورات في السياسة و القيم و الحقائق الإجتماعية في زمانهم أو حذفوا ما شعروا أنه فقد أهميته((حسب منظور زمانهم)) .
- و كما يوجد الذين وضعوا أسم معلميهم على أعمالهم الخاصة و كما يوجد كُتاب نسبوا مصنفات كاملة لشخصيات دينية أو فكرية قديمة=((لغاية إعطاءها قيمة أو إنتباه أمام الناس و هذا إفتراء صريح و هو أمر متكرر على طول التاريخ)) .
** الملاحظة المهمة جداً و التي عليها نحن نسير :
و حتى تُفهم المصادر القديمة يجب وضعها في سياقاتها التي كُتبت فيها و بذلك تصبح ذات قيمة كبيرة لفحص الثقافة و السياسة و الإيديولوجيا السائدة في الأزمان و الأماكن التي كُتبت فيها .
- لكن مع ذلك هذه القراءة تقف أمام المعالجة النقدية للنصوص ، و تكون هذه المعالجة مستحيلة خاصةً عند صبغها بالطابع الديني و ضرب لنا (عيتاني) مثال : احتجاج (هارلد موتزكي) بأنه من المستحيل كتابة سيرة تاريخية للنبي من دون الإتهام بأن كاتبها يستخدم المصادر القديمة بشكل غير نقدي ، و من جهة أخرى عند استخدام هذه المصادر بشكل نقدي فإنه يستحيل معه كتابة مثل هذه السيرة. = و أُعلق هنا : بأن هذا رأي صائب و نحن نعرض الروايات عن النبي محمد ﷺ على قواعد القرآنية و نقبلها إن وافقتها و نردها إن خالفت القواعد القرآنية و بذلك تصبح سيرة النبي قريبة من المنظور العقلاني .
- إن إهمال المسلمين لرواية المغلوبين أو إهمال الغرب للرواية العربية يؤدي ذلك إلى نتيجة عقيمة و غير موضوعية .
☆☆ من المهم عند قراءة مصدر معين أن ننتبه لقرب زمان كتابته مع زمن حدوث الحدث الذي تتكلم عنه و كذلك أهمية إلمام و إطلاع و فهم كاتب هذا المصدر لما يكتبه و ليس مجرد نقل و حسب و ذلك لإبعاد الشك عن مصداقيته . ☆☆
- المراجع العربية اتسمت بالتضخيم و المبالغة و ازداد ذلك كلما ابتعد الكاتب فيها عن زمن الحدث و إزدياد إحتمالية تأثره بالميول الدينية و السياسية في زمانه ، يعني يبتعد عن الحياد في الكتابة .
.
- الملاحظة الجميلة ، هل أوصل المغلوبون وجهة نظرهم في الفتوحات العربية؟؟ يقول المؤلف : المسألة لا تكون في تقابل رواية الفاتحين أمام رواية المغلوبين : لأن كثير من المغلوبين اشتركوا في فتح بلاد جديدة مثل الجنود الإيرانيين الذين تقدموا نحو وسط آسيا ، و البربر الذين انتقلوا إلى الأندلس ، و البحارة المصريين و السوريين الذين شكلوا عصب الأساطيل الإسلامية في الصراع مع بيزنطة في البحر المتوسط = هؤلاء الجنود(من العرب أو من غير العرب) لم يكونوا من المسلمين أو ممن رسخ إسلامهم ، و الدليل انتقال منهم لصفوف الأعداء أو الإنشقاق أو ترك المعركة .
- بعد توقف الفتوحات العربية و عودة الجنود إلى ديارهم و استقرار الأوضاع السياسية فإن الشعوب المغلوبة اخذت تندمج مع المجتمع الجديد و تنتج أشكال حكمها الخاصة و مقاطعاتها شبه المستقلة ثم دول تدين إسمياً للخليفة مثلاً .
- الشعوب المغلوبة نفسها بعد إسلامها : قد وضعت آراءها و تفسيراتها الخاصة في الإسلام و بعضها استنبط مذاهب اسلامية لتوائم حساسياتهم القومية أو مصالحهم المختلفة .
*-(نهاية الفتوحات) :
- يصف الكاتب أن الفتوحات العربية بأنها الموجة الأولى لأن بعض المؤرخين الغريبيين يرون إستئناف لهذه الفتوحات العربية في الإندفاع التركي العثماني نحو أوروبا و الذي وصل حتى حصار فيينا مرتين ، و كذلك بعض الباحثين يضمون لهذه الفتوحات : الغزو الغزنوي و المغولي .
- التاريخ التقليدي يُحدد حدثين لانتهاء موجة الفتوحات العربية و هما :
١- فشل الحصار الثاني الأموي للقسطنطينة سنة ٧١٨ ميلادي .
٢- و هزيمة العرب في معركة (تورز) أو (بواتييه) في وسط فرنسا سنة ٧٣٢ ميلادي .
و بعد ذلك توقف التمدد العربي ، و البعض يرى أن توقف هذه الفتوحات يعود لأسباب ناتجة من داخل الدولة العربية-الإسلامية .
- الباحثين العرب يجعلون بداية الإنحطاط أو انحسار لوهج الحضارة العربية-الإسلامية إلى سقوط بغداد بيد المغول سنة ١٢٥٨ ميلادي .
- المؤرخين العرب الحديثيين يتجاهلون توالي النجاحات التي حققتها الحضارة الإسلامية بعد غياب الدور العربي فيها غياباً شبه كامل أي الإنجازات المختلفة في الأدب و العلوم و الفلسفة و العمارة تحت ظل الدول الإسلامية (العثمانية ، الصفوية ، المغولية ، الهندية-التيمورية ، الأوزبكية، التركمانية) = و نرى أن هذه عنصرية مشؤومة .
- و أن الحضارة الإسلامية لم تبلغ طور الأزمة إلا بعد منتصف القرن ١٣ الميلادي ، أما الإشارات لتأخر الأقاليم الإسلامية فتعود إلى الحواضر الإسلامية التي كانت معروفة مزدهرة في منطقة البحر المتوسط التي تحولت إلى هوامش أمام الدول الإسلامية الرسمية الثلاث أنذاك (العثمانية ، الإيرانية-الصفوية ، الهندية-التيمورية) .
- الغرب بعد الفتوحات العربية و إقامة أساس سياسي دولي لهم قاموا بنفس ما قامت به بيزنطة و فارس الساسانية إذ منع العرب هجرات بدوية تركية نحو أماكن الرعي الخصبة المهمة ، و هذا كان حال بيزنطة و فارس ضد الهجرات و الغارات من بدو العرب !! .
- الملاحظة المهمة : أنه لم يحدث انقلاب في التوازن بين عالمي المسيحية و الإسلام إلا مع حلول القرن ١١ الميلادي و بعد اعتناق (النورمانديين و الهنغار و بعض السلاف) للمسيحية ، و هنا لم تعد الحرب ضد العرب محلية و دفاعية بل توسعت لتحالف علاقات الدول المسيحية الأوروبية مع الشعوب المسيحية المغلوبة أمام العرب ، لذلك وقفت أوروبا للقتال لجانب الأسبان لطرد العرب و المسلمين ، و هذه الوحدة المسيحية أصبحت عامل مُحفز لتوسيع حروب الإسترداد لتشمل الأراضي المقدسة أي الحروب الصليبية .
** مشروع الدولة العربية كدولة دينية قد فشل بعد تغيُّر طبيعة الموارد التي تعتمد عليها الدولة من أسلاب و غنائم الفتوحات العربية ، و تحولت إلى محاولة توطين العرب في المناطق التي فتحوها و الإعتماد على الزراعة و الصناعة و غيرها . = مع التنويه بقاء علاقة الدولة العربية بشكل أقوى بالدين و برجاله بالمقارنة مع وضع الدول المسيحية أنذاك .
- اختفاء فكرة العقيدة أو الدين الكوني من التداول السياسي سواء عند المسلمين أو المسيحيين .
- توقف الفتوحات العربية لعدم الحاجة للمزيد منها و ذلك لازدياد أعداد المسلمين و رقعة الدولة فاحتاج ذلك لتنظيم الأوضاع فيها و تنظيم علاقاتهم مع بعضهم البعض و مع غيرهم من الشعوب و الأديان .
*-(متاهات الإستشراق) :
- أعمال المستشرقين في دراساتهم و بحثهم في التراث العربي-الإسلامي و أن تحقيقهم لمئات من المخطوطات (العربية ، السريانية ، الفارسية ، التركية، الأثيوبية) ما كانت لتصل إلى الباحث العربي المعاصر من غير جهود هؤلاء .
- قلة ما تُرجم من أعمال المستشرقين يبدو أن ذلك من إصرار المترجمين العرب على مسح أي مصداقية أو قيمة لأعمال هؤلاء ، و كما أن المترجمين يرون هؤلاء المستشرقين غير مطلعين كفاية على حقائق الإسلام و إنجازات المسلمين و أنهم غير مُلمِّين بالنصوص الأصلية أو لا يُحيطون باللغة العربية بشكل كافي أو يُعبرون عن العنصرية ضد الشرق فيُلصقون به النواقص .
- و المشكلة أن المترجمين العرب لم يضعوا منهج بديل لما يقترحه المستشرقون .
- مشكلة المترجمين و المُعلقين العرب على أعمال المستشرقين بأنهم متشبثين بالرواية العربية التقليدية و لا يقبلون عنها البديل .
- و هنا ذكر المؤلف : (عبد الرحمن البدوي) و وصفه أنه الفيلسوف المصري و امتدحه أنه ذو طابع تحليلي في قراءاته لأعمال المستشرقين و أنه قد رأى التباينات بأعمال المستشرقين و صنَّفهم لمدارس و مستويات .
* ملاحظة المؤلف هنا المهمة جداً : التساؤل إلى مدى إحاطة المستشرق الغربي بالشرق و كذلك التساؤل إلى مدى إحاطة المؤلف العربي بآداب الشرق و علومه حتى ينبري بالدفاع عن الشرق أمام الإستشراق الغربي؟! .
* و ينوه المؤلف لملاحظة في الصميم : "أن من أسس النظرة الغرائبية أقرب إلى الشرق منه إلى الغرب" أي صورة الشرق عند الغرب هي من وضع الشرق نفسه ، و هذا رد المؤلف على (إدوارد سعيد) الذي يقول حول الإستشراق عن ابتداع الغرب صورة نمطية للشرق العربي-المسلم لتبرير مشروعه الكولونيالي الإمبريالي = الإستعمار .
* يقول المؤلف : إن اعتبار الإستشراق من غايات الإستعمار هذا يجعل الأمر صعب أمام دراسة التاريخ العربي-الإسلامي و الفتوحات العربية ، و هذا يؤدي إلى الإستسلام للتفسير التقليدي العربي في فهم آلية تطور علاقات العالمين المسيحي و الإسلامي قديماً و حديثاً .
- هنا نفهم مقارنة وضعها المؤلف بين البلاد المفتوحة على يد الفتوحات العربية و ردة فعلها على هذا الفتح بعد ذلك : أن الغرب المسيحي الذي نُقِلَ إليه ما قاله مسيحيي الشرق عن الفتوحات العربية و الردود عليها قد استعملها الغرب الأوروبي في المشروع الإمبريالي بعد ذلك ، أما إيران و الهند مثلاً فلم تتطورا لتقدرا على رد الهجوم العربي رداً إستعمارياً مثلما فعل الغرب المسيحي ، فالشعوبية لم تحظى بفرصة لمشروع سياسي فبقيت المشاعر القومية هذه في الصدور و الكتب .
** نفهم هنا أن المؤلف قسم الإستشراق لنوعين أو متاهتين :
١- استشراق متعاطف مع الرواية العربية (و نقدر على تسميته أيضاً الإستشراق الرومانسي المُدافع) ، و هؤلاء هنا تمثلوا بالمدرسة الألمانية الاستشراقية ، لكن هؤلاء أخذوا الرواية العربية الرسمية و ألغوا رواية المغلوبين ، و هؤلاء بذلك يرون الإسلام انتشر بالسلم و التسامح .
٢- استشراق معادٍ للعرب : و هؤلاء هنا يتركون الرواية و المصادر العربية بأنها كُتبت في عصر متأخر العصر العباسي و اعتمدوا على رواية و مصادر المغلوبين ، و هؤلاء يرون أن الإسلام انتشر بالسيف و أن العرب همج و لم يكن عندهم أنذاك فكرة إسلام واضحة بعد .
= و يوضح المؤلف هنا أن كِلا التيارين قد وقع في متاهة لأن كل تيار أراد استخدام التاريخ العربي ليخدم حركة سياسية اليوم بالدفاع عن الإسلام أو بالهجوم عليه .
** هدف الكتاب كله : ليس قبول رواية المنتصر و نبذ رواية المغلوب بل كسر القالبين معاً و إعادة كتابة التاريخ العربي كتاريخ بشري فيه انتصار و هزيمة و تسامح و عنف ، و ليس كتابته كتاريخ مقدس موروث عن السلف لا يحتمل البحث و النقد .
** يجب أن ننظر إلى الفتوحات العربية بأنها لم تكن تحريرية أو همجية تماماً بل النظر إليها بأنها حدث طبيعي في أي إمبراطورية أو مملكة في التاريخ تحمل مصالح اقتصادية و كغيرها تخوض الحروب على حسب واقع حاجاتها و متطلباتها و كما فيها تحالفات داخلية و خارجية أي مع الشعوب التي تستولي على أراضيها بالغزو ، و التحالفات مع الدول الأخرى .
* و نتبين من القراءة هنا ما نراه مشكلة كبيرة حديثاً : فالذين يتمسكون بالرواية العربية القديمة مثل رواية (ابن الطبري) فإنهم يبنون عليها فكرة إعادة فتح الأندلس مثلاً لأنها كانت بيد المسلمين سابقاً ، و لا عجب أن يطلق عليهم تيار إسلامي متطرف لأنه لا يواكب العصر الذي هم فيه !!! .
*** نقطة مهمة : يوجد رأي أن أعمال المستشرقين تدخل في خدمة المشاريع الاستعمارية الغربية لمنطقة الشرق بأن هذه الأعمال تُبرر لهذا الإستعمار .
= و سأحاول تفصيل هذه النقطة من القراءة التاريخية :
* أولاً نلاحظ أن سير الإستشراق و رواده هو في مواكبة التطورات العلمية و الثقافية المختلفة التي شهدتها أوروبا في القرن ١٩ الميلادي .
* موقع فرنسا و بريطانيا هنا : في القرن ١٩ الميلادي أي أثناء عمل المستشرقيين من فرنسا و بريطانيا كانت بلادهم هذه قد وضعت أقدامها بالفعل في احتلال الدول العربية كمصر و الجزائر ، فنجد أن هؤلاء المستشرقين تبنوا التيار المعادِ للعرب فنشروا أبشع روايات المغلوبين و هنا يظهر العرب قوم همج عنيفين يحتاجون للإحكام و التحضير((من الحضارة)) فيصبح هنا للإستعمار سبب ظاهري يتستر تحته المصالح الإقتصادية و السياسية ، و كما قول فرنسا و بريطانيا أنهما دخلتا الشرق لا للإحتلال بل لإعادة المنطقة لأصلها المتحضر الذي كان قبل الغزو العربي لها .
- و طبعاً نرى استخدام بعض النُخب العربية و القومية مثل (الفارسية ، القبطية ، الامازيغية) بعد الاستقلال عن الإستعمار الغربي ، بأنهم يرجعون لكتب المستشرقين بأنهم ضحايا العرب سابقاً و ذلك في باب السعي للإنفصال عنهم .
- و المؤلف هنا يوضح أن ننظر للفتوحات العربية لا من خلال رؤية المستشرق الاستعماري و لا من رؤية الفقيه الذي يُقدس الرواية التقليدية ، بل ننظر للفتوحات بأنها حدث بشري له دوافعه الإقتصادية و السياسية و انتهى باندماج الشعوب المغلوبة فيه و ليس بفناءها .
* أما موقع ألمانيا من الإستشراق :
١-في القرن ١٩ الميلادي تعتبر حامل لواء العلم و الفلسفة في أوروبا .
٢- المدرسة الألمانية الاستشراقية يراها (عيتاني) خاصة و منفصلة و مختلفة عن غيرها من المدارس .
٣- ألمانيا لم يكن عندها استعمار مباشر في العالم العربي مثل فرنسا و بريطانيا ، لذلك الإستشراق الفرنسي و البريطاني كان مرتبط بالاستعمار مباشرة .
- و هنا نفهم لِمَ أعمال المستشرقين الألمان أكثر دقة علمياً من غيرهم و لكن هذا لا يعني أنها منصفة بل بظلم مختلف عن غيرها .
- فمثلاً : (فلهاوزن) الألماني أول من قال أن الرواية العربية عن الفتوحات ليست وحياً بل دعاية قبلية كُتبت في العصر العباسي ، كل قبيلة تريد تمجيد أجدادها في الفتوحات لتحصل على العطايا ، لكن هو هنا يفسر الفتوحات بأنها صراع قبلي بدوي بلا أي فكرة دينية .
** الخلاصة : المدرسة الألمانية منصفة في المنهج غير منصفة في الحكم النهائي ، و نقدت الرواية العربية ، و لكنها استبدلت تقديس الرواية العربية بتقديس رواية المغلوب لمجرد أنها مسيحية و أقدم فقط .
= و نقول : أن الألمان لم يخدموا الاستعمار العسكري ، لكنهم خدموا "الاستشراق اللاهوتي البروتستانتي" أي استشراق أكاديمي يرى الشرق من خلال رؤية لاهوتية بروتستانتية ، ويعتبر أن الحضارة الحقيقية هي الهيلينية-المسيحية، وأن العرب مجرد ناقلين لها وليسوا مبدعين .
** (إدوارد سعيد) في كتابه (الإستشراق) نشره عام ١٩٧٨ ميلادي ، كان أول من كشف أن الإستشراق ليس علماً محايداً بل خطاب سلطة ، و أن الإستشراق اخترع صورة الشرقي المتخلف الشهواني العنيف ليُبرر للغرب الأوروبي أن يحكمه = و هنا يتفق (عيتاني) معه .
- لكن (عيتاني) قال ليس كل المستشرقين عملاء للإستعمار و ضرب مثال بالمدرسة الألمانية .
- و نقد (عيتاني) لسعيد بأنه يدافع عن الشرق ككتلة واحدة ضد الغرب و هو بذلك ينسى أن الشرق فيه غالب و مغلوب ، و أن (سعيد) قال أن الغرب شوه صورة العرب و لكن (سعيد) نسيَّ أن العرب أنفسهم شوهوا صورة الشعوب التي فتحوها و لم يسجلوا روايتها ! .
* و نفهم من ذلك : أن الغرب اخترع الشرق ليحكمه ، كذلك فعل العرب اخترعوا صورة للشعوب المغلوبة ليحكموها و ذلك من خلال تصويرها كشعوب رحبت بالعرب الفاتحين ! = نفس الفعل و الإعتراض مختلف ..!!! .
**النقطة المهمة التي أشار إليها المؤلف : رفض الإستشراق كله يعني العودة لتقديس رواية الطبري كأنها قرآن ، و هذا ما يفعله الإسلاميين حديثاً .
- و نُعَلِق : أن تقديس التراث الإسلامي الموروث قد أوقع على المسلمين مصائب شتى و أسدل عليهم ستار الجهل وسط عالم يعج بالعلم و التحرر و التفكر و التعقل ، و التعقل ، و التعقل = ضد فكرة المشايخ أن العقلانية لا يُلتفت إليها و أنّ الأرض مسطحة 🤔 .
** الخلاصة كلها من الكتاب : أن نقرأ الروايات (العربية ، و روايات الشعوب المغلوبة ) و ما يقوله المستشرق الغربي و الفقيه المسلم و نضع كل ذلك بجانب بعضه البعض أمام القراءة النقدية المحايدة حتى نقدر على فهم و تفسير و تحليل أحداث القرن ٧ الميلادي لنصل إلى ما هو أقرب ما يكون للحقيقة .
و السلام على من اتبع الهدى و اتبع وصايا الله بالتفكر و التدبر و التعقل .🌿🌾
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق