المُحدّث و الوليّ شمس التبريزي النبيّ .
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
عندما كنت طفلاً رأيتُ الله , رأيتُ الملائكة , رأيتُ أسرار العالمين العلوي و السفلي . ظننتُ أنّ جميع الرجال رأوا ما رأيته . لكنّي سرعان ما أدركتُ أنهم لم يروا . شمس التبريزي .
الاطوار السبعة للوحدانية - شمس التبريزي
و بعد الرؤا و الكشوف التي تلقاها المحدّث و الوليّ شمس التبريزي النبيّ عن التقائه برفيقٍ في نهاية حياته يعلمه رسالته و يورثه حكمته التقى بتلميذه جلال الدين الرومي الذي كان رأى كشفا يتكرر عن هذا الدرويش النبيّ , و بعد أن جمعهما الله علّمَ شمسٌ تلميذَه الروميّ هذا التفصيل الأصيل :
الأطوار السبعة على طريق الحقيقة – سبعة مقامات يجب على كلّ روح أن تكابدها حتى تبلغ الوحدانية.
الطور الأول هو النفس الأمارة، وهو أشدّ الأطوار بدائية وانتشاراً في الوجود، عندما تقع الروح في شرك المساعي الدنيوية. ويبقى أغلب الناس في هذا الطور، يجاهدون ويعانون في العمل لأنهم منهمكون في خدمة ذواتهم الوضيعة، لكنهم يحمّلون الآخرين على الدوام مسؤولية شقائهم المستمر.
وعندما يدرك المرء الحالة التي وصل إليها من انحطاط الروح، يبدأ في جهاد النفس حتى ينتقل إلى الطور التالي الذي هو عكس الطور الأول. فبدلاً من أن ينحي باللائمة على الآخرين دائماً، يبدأ المرء الذي بلغ هذا الطور بنفسه، تصل أحياناً إلى درجة محو الذات. وهنا تصبح النفس اللوامة وبذلك يبدأ الرحلة نحو النقاء الداخلي.
وفي الطور الثالث، يزداد المرء نضجاً وتنتقل النفس لتصبح النفس الملهمة. وفي هذا الطور فقط، وليس قبله، يتمكن المرء من معرفة المعنى الحقيقي لكلمة “الخضوع”، ويبدأ في الطواف في وادي المعارف الإلهية. والمرء الذي يبلغ هذه المرحلة يمتلك الصبر، والمثابرة، والحكمة، والتواضع، ويبدو العالم له جديداً مليئاً بالإلهام. بيد أن معظم الذين يبلغون المقام الثالث هذا، يرغبون في البقاء فيه، ويفقدون الرغبة في الانتقال أو الشجاعة للانتقال إلى الأطوار الأخرى. لذلك، مع أن الطور الثالث يبدو جميلاً ومباركاً، فإنه بمثابة شرك للشخص الذي يتطلع إلى بلوغ درجة أعلى.
أما الذين يتمكنون من المضي قدماً، فهم يبلغون وادي الحكمة ويعرفون النفس المطمئنة. وهنا يختلف إحساس النفس عما كانت عليه، لأنها ترتقي إلى درجة أعلى من الوعي. ومن الصفات التي تلازم الذين بلغوا هذا الطور: الكرم، والعرفان، والشعور الدائم بالرضى، مهما بلغت مشاق الحياة ومصاعبها. ثم يأتي وادي الوحدة. ويشعر المرء الذي يبلغ هذا المقام بالرضا مهما كان الوضع الذي يضعه الله فيه. فلا تهمه الأمور الدنيوية، لأنه بلغ النفس الراضية.
وفي الطور التالي، تأتي النفس المرضية، حيث يصبح المرء مشكاة للإنسانية، يبثّ الطاقة في كلّ من يطلبها، ويعلّم وينوّر مثل أستاذ حقيقي. وقد يمتلك المرء أحياناً قوى شافية أيضاً. فحيثما ذهب، يحدث أثراً كبيراً في حياة الآخرين. ففي كلّ شيء يفعله و يصبو إلى عمله، يكون هدفه الرئيسي خدمة الله من خلال خدمة الآخرين.
وأخيراً يأتي الطور السابع، حيث يبلغ المرء النفس النقية ويصبح “الإنسان الكامل”. لكن أحداً لا يعرف الكثير عن هذه الحالة، التي حتى لو بلغها البعض، فإنهم لا يتكلّمون عنها.
يسهل تلخيص أطوار بلوغ الطريق، ويصعب اجتيازها. ومما يزيد من العقبات التي تظهر على طول طريق الحقيقة، عدم وجود ما يكفل الاستمرار في المضي قدماً. فالطريق من الطور الأول حتى الطور الأخير ليس خطاً مستقيماً البتة؛ وهناك دائما احتمال السقوط والعودة إلى الأطوار الأولى، ويكون السقوط أحياناً من أعلى الأطوار إلى الطور الأول. وبسبب كثرة الأفخاخ المنصوبة على طول الطريق، فلا عجب أن لا يتمكن من بلوغ الأطوار النهائية سوى فئة قليلة في
كلّ قرن
============================
قال رجل لشمس التبريزي : لكن أليس لديكم أنتم الصوفيون شكوك حول وجود الله ؟ فقال شمس التبريزي : نعم , إنّ الشك شيءٌ جيّد . فهو يعني أنك حيٌّ تُرزَق و دائم البحث لأنّه كما أنّ المرء لا يصبح مؤمناً بين ليلةٍ و ضحاها إذ يُخَيّل إليه أنه مؤمن ثم يحدث شيءٌ في حياته فيصبح ملحداً ثم يعود و يؤمن ثانيةً ثم يصبح متشككاً و هكذا دواليك حتى يبلغ مرحلة معينة , إننا نتردد باستمرار , هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعلنا نمضي إلى الأمام و مع كل خطوة جديدة نزداد قرباً من الحقيقة . و قال لبغيٍّ تريد التوبة إنّ ملامسة منديلاً حريرياً سيذكرك أنّ قلبك نقي و انّكِ تحملين الله في داخلك , لا تهتمي إلى أين سيقودك الطريق , بل ركزي على الخطوة الأولى في سبيل التوبة , فهي أصعب خطوة يجب أن تتحمّلي مسؤوليتها . و ما إن تتخذي تلك الخطوة دعي كل شيء يجري بشكل طبيعي و سيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه , لا تسيري مع التيار بل كوني أنتِ التيار . ثم قابل مدمن خمر جلده جنود الليل حتى نزف دما من الخارج و من الداخل , فاقترب منه في جنح الظلام و قال له إدهن جروحك بهذا البلسم , إنك تعرف أنّ الجرح في داخلك أعمق و هو ما يجب أن تقلق منه , إنه سيذكّرك بأنّك تحمل الله في داخلك . لا يحق لأحد أن يكره أو يعاقب أحد على مظاهرا لذنوب فكل واحد يبحث في ذاته عن الله . و كان قد لقي متسولاً مجذوما قبلها في شوارع قونية و التي كانت آخر مدينة عاش فيها , كان المجذوم ملحدا بسبب معضلة المعاناة التي هي إحدى فروع معضلة الشر فرأى شمس التبريزي داخل نفس المتسوّل و رأى حقيقته فاقترب منه و سلم عليه و أعطاه مرآة فضية و قال له : احتفظ بها لقد قدمها لي رجل طيب من بلدٍ بعيدة مع بلسم و منديل حرير , لكنك تحتاج المرآة أكثر مما أحتاجها أنا , إنها ستذكرك بأنك تحمل الله في داخلك إن صفت مرآة قلبك .
============================
يقول شمس التبريزي : إنّي درويش أطوف البلاد منذ حوالي أربعين عاماً . و إنّي أجيد أساليب الطبيعة مع أنّ أساليب المجتمع لا تزال غريبة عنّي . و إذا دعت الضرورة يمكنني أن أقاتل بشراسة حيوان برّيّ لكنني لا أستطيع إيذاء أحد . أستطيع أن أعدد أسماء الأبراج في السماء , و أميّز الأشجار في الغابات و أقرأ مثل كتاب مفتوح أنواع الناس الذين خلقهم الله على صورته . لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله فلكل امريءٍ طريقته و صلاته الخاصة , إنّ الله لا يأخذنا بكلماتنا بل ينظر في أعماق قلوبنا و ليست المناسك و الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا .
يا الله لقد أمضيتُ حياتي و أنا أطوف في أرجاء العالم و تبعتُ صراطك و رأيتُ الجميع مثل كتابٍ مفتوح قرآناً متنقّلاً و ابتعدتُ عن أبراج المشايخ العاجيّة و فضّلتُ قضاء وقتي مع المنبوذين و المهجّرين و المنفييّن , لقد امتلأتُ بكل ذلك لذلك ساعدني على أن أنقل حكمتك إلى الشخص المناسب و بعدها افعل بي ما شئت .
لقد رأيتُ أسوأ و أفضل ما في الإنسانية لذلك لم يعد فيها ما يفاجئني و خلال هذه الرحلات و التجارب رحت أجمع قائمة لم تُدوّن في أيّ كتاب بل حُفِرت في روحي فقط , و قد أطلقت على هذه القائمة الشخصية المباديء الأساسية للصوفيين الجوّالين في الإسلام و إنّي أعتبرها قائمة شاملة و موثوقة و ثابتة كما هي قوانين الطبيعة و هي تشكّل مدوّنة القواعد الأربعين لدين العشق التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال العشق و العشق وحده .
إنّ كل قاريءٍ للقرآن الكريم يفهمه بمستوى مختلف بحسب عمق فهمه , و هناك أربعة مستويات من البصيرة . يتمثّل المستوى الأول في المعنى الخارجي و هو المعنى الذي يفهمه معظم الناس و المشايخ ثم يأتي المستوى الباطني و هو الذي يفهمه الصوفيون و في المستوى الثالث يأتي باطن الباطن و هو ما يفهمه الأولياء أما المستوى الرابع فهو العمق و لا يمكن الإعراب عنه بالكلمات لذلك يتعذّر وصفه و يفهمه الأنبياء و المُحدَّثون و المقرّبون من الله .
إنّ الشريعة كالشمعة توفر لنا نوراً لا يُقدَّرُ بثمن لكن يجب ألّا ننسى أنّ الشمعة تساعدنا على الإنتقال من مكان إلى آخر في الظلام و إذا نسينا إلى أين نحن ذاهبون و ركزنا على الشمعة فما النفع من ذلك ؟
لا يجادل أحد في أنّ هذه مدينة رائعة لكن لا يوجد جمال على وجه الأرض يدوم إلى الأبد إذ إنّ المدن تنتصب فوق أعمدة روحيّة كالمرايا العملاقة و هي تعكس قلوب سكانها فإذا أظلمت هذه القلوب و فقدت إيمانها فإنها ستفقد بريقها و بهائها , لقد حدث ذلك لمدن كثيرة و هو يحدث دائماً .
لقد وهبني الله شفافية عظيمة و عين ثالثة أرى بها ما خلف الحجاب و أرى نفوس الناس و حقيقتهم و أرى هالة كل إنسان أساطعة براقة كانت أم باهتة ؟ .
يبدأ بعض الناس حياتهم بهالة متوهجة لكنها سرعان ما تبدأ تفقد بريقها و تبهت , و يبدو أنّ من يحدث له ذلك تكون هالته ذات يوم أنصع بياضاً من الزنابق التي تتناثر فيها نقاط صفر و وردية , لكنها بهتت بمرور الزمن , و أصبحت بنية باهتة الآن . ألا تفتقدين ألوانك الأصلية ؟ ألا تحبين أن تتحدّي جوهرك أيتها النفس ؟
============================
و تروي الكاتبة ألف شفق : في شهر مارس في سمرقند 1242 قال شمس التبريزي : ارتعش أمام عينيّ ضوء الشموع المصنوعة من شمع النحل و المنتصبة فوق المنضدة الخشبية المتشققة و غمرتني هذا المساء رؤيا شديدة الإشراق , رأيتُ بيتاً كبيراً ذا فناء تكسوه الورود الصفر المتبرعمة و في وسط الفناء بئر يقبع فيها أبرد ماء في الدنيا , كانت ليلة صافية في أواخر الخريف , و قد تكبّد البدر صفحة السماء الصافية . تناهت إليّ من بعيد أصوات نعيق و عواء حيواناتٍ ليلية و بعد قليل خرج من البيت رجل في منتصف العمر لطيف الوجه له كتفان عريضتان و عينان عميقتان بندقيتا اللون يبحث عنّي . كانت قسمات وجهه متوترة و عيناه تشيان بحزنٍ شديد ( شمس , شمس , أين أنت ؟ ) صاح و هو يلتفت يميناً و يساراً . هبت ريح عاصفة و توارى القمر وراء غيمة , كأنّه لا يريد أن يشهد ما سيحدث , و توقف البوم عن النعيب , و لم يعُد الخفاش يصفق بجناحيه و حتى النار في الموقد داخل البيت لم تعد تصطفق . و أطبق سكونٌ تامٌّ على العالم . ببطء , اقترب الرجل من البئر و انحنى و راح ينظر إلى الأسفل و همس ( شمس , يا أعزّ أصدقائي , هل أنت هنا ؟ ) فتحت فمي لأجيب لكن لم ينبعث من بين شفتيّ أي صوت . انحنى الرجل أكثر و حدّق في البئر ثانيةً . في البداية لم ير شيئاً سوى سواد الماء . لكنه بعد ذلك و في أعماق البئر رأى يدي تطوف باستمرار فوق الماء المترقرق مثل طوافة تحركها الرياح الشديدة ثم تبيّن عينين حدقتان سوداوان تلمعان تحدّقان في البدر الذي بدأ ينسلّ الآن من وراء الغيوم الداكنة الكثيفة . تسمّرت عيناي على القمر كأنهما تنتظران تفسيراً من السماء عن سبب قتلي . خرّ الرجل ساجداً و راح يجهش في البكاء و يخبط على صدره بقبضتيه و يصرخ ( لقد قتلوه , لقد قتلوا شمساً ) عندئذٍ انبثق ظلٌّ من وراء أجمة و بحركات سريعة خفيفة قفز فوق جدار الحديقة , مثل قطٍّ برّيّ . لكن الرجل لم ير القاتل , كان يعتصر ألماً و لم يكفّ عن الصراخ و العويل حتى تهشّم صوته كما يتهشّم الزجاج . و تناثر في أرجاء الليل شظايا دقيقة واخزة .
( هيه , أنت ! كفّ عن الصراخ كالمجنون , كفّ عن الصراخ و إلا طردتك خارجاً , قلت اخرس , هل تسمعني ؟ اسكت ) كان صوت الرجل الذي صدرت عنه هذه الكلمات يزداد قرباً مني على نحوٍ مخيف , تظاهرتُ أني لم أسمعه مفضّلاً البقاء داخل رؤياي لأطول فترة من الزمن . كنت أريد أن أعرف المزيد عن موتي , كما كنت أريد أن أرى الرجل صاحب أشدّ العيون حزناً . من هو ؟ ما علاقته بي و لماذا كان يبحث عنّي باستماتة في ليلةٍ من ليالي الخريف ؟ لكن قبل أن أتمكّن من اختلاس نظرة أخرى أمسكني أحدهم من ذراعي من عالم آخر و راح يهزّني بقوّة حتى أحسستُ بأسناني تصطكّ في فمي و جرّتني قبضته إلى هذا العالم .
و في الليل أثناء جلوسي مع آخرين في غرفة النوم في العتمة , بغتة هبط أمام عينيّ في الغرفة نور شديد السطوع , فأصبحت وجوه المسافرين النائمين في فراشهم زرقاء متوهجة و أصبح الهواء نقيّاً و حيّاً كأنّ جميع النوافذ قد فتحت و اندفعت عبرها رياح عاصفة حملت معها رائحة الزنبق و الياسمين من حدائق بعيدة . ( إذهب إلى بغداد ) قال لي الصوت الذي كان رخيماً كالناي . فسألته : و ما الذي ينتظرني في بغداد ؟ سمعت الصوت يقول ( لقد طلبت رفيقاً و ستعطى رفيقاً . ستجد في بغداد السيد الذي سيوجهك إلى الطريق القويم ) اغرورقت عيناي بدموع الإمتنان و عندها عرفت أنّ الذي ظهر في رؤياي لم يكن إلا رفيقي الروحي و عندما نلتقي سأعرف لماذا كانت عيناه البندقيّتان اللطيفتان حزينتين إلى الأبد . و كيف قُتِلتُ في ليلةٍ من ليالي مطلع الربيع ؟
===========================
تقول الكاتبة ألف شفق : رؤيا جلال الدين الرومي -قونية - : ( أرى باستمرار هذه الرؤيا , أرى أنني أبحث في حلمي عن شخص يعيش في مدينة كبيرة تعجّ بالناس من أرضٍ بعيدة , أسمع كلماتٍ بالعربية , أرى غروب الشمس , غروب شمس مثيرة للبهجة , أرى أشجار توت و دود قز تنتظر بأناة في شرانق سِرّيّة لحظة وصولها , ثم أرى نفسي في فِناء بيتي جالساً بالقرب من البئر , أحمل فانوساً بيدي و أنا أبكي )
المدينة في الرؤيا هي بغداد التي اشتهرت وقتها بالحرير و الشمس و العربية , سينتقل شمس التبريزي من سمرقند إلى بغداد وفق وحي الله له ثم سيسبب الله الأسباب لوصوله بعد ذلك إلى قونيّة .
ثم تروي الكاتبة ألف شفق فتقول : يقول جلال الدين الرومي ( و قلتُ لنفسي لابدّ من وجود سبب يجعلني أرى الحلم ذاته في كل ليلة من الليالي الأربعين الماضية . و كانت بداية الحلم تختلف قليلاً في كل مرة أو لعلّها كانت هي نفسها دائماً , لكني أنا الذي كنت ألجه من باب مختلف في كل ليلة , هذه المرة رأيت نفسي أقرأ القرآن في غرفة مفروشة بالسجاد بدت مألوفة , لكنها لم تكن تشبه أي مكان ذهبتُ إليه من قبل . قبالتي جلس درويش طويل نحيف منتصب القامة على وجهه حجاب , يحمل شمعداناً فيه خمس شموع متوهّجة تمدّني بالضوء لأتمكّن من القراءة . بعد قليل رفعت رأسي لأطلع الدرويش على القصيدة التي كنت أقرأها , و عندها فقط أدركت و يال رهبتي أنّ ما خلته شمعداناً كان في الحقيقة اليد اليمنى للرجل . كان الدرويش يمد يده إليّ و كل إصبع من أصابعه يشتعل . و برعب تطلعت حولي بحثاً عن الماء لكن لم يكن هناك ماء على مرمى البصر . فخلعتُ عبائتي و رميتها على الدرويش لأطفيء اللهب . لكن عندما رفعتُ العباءة كان قد اختفى مخلّفاً وراءه شمعة مشتعلة . و منذئذٍ أصبحت أرى الحلم نفسه على الدّوام . بدأت أبحث عنه في البيت و أفتّش في كل زاوية و ركن , ثم عدوتُ إلى الفناء الذي تفتحت فيه الورود في بحر من اللون الأصفر البرّاق و رحت أصيح يمنةً و يسرة لكني لم أر الرجل في أيّ مكان ( عد أيها الحبيب أين أنت ؟ ) و أخيراً كما لو أنّ حدساً مشؤوماً يقودني , اقتربتُ من البئر و نظرتُ في المياه الداكنة المتماوجة في القعر . في البداية لم أر شيئاً لكن بعد قليل غمرني القمر بنوره المتلأليء و أضاء الفناء بلمعانٍ نادر , عندها فقط لاحظتُ عينين سوداوين تحدّقان فيّ بحزنٍ غير مسبوق من قاع البئر . ( لقد قتلوه ) صاح أحدهم . ربما كان ذلك أنا نفسي . ربما بدا صوتي هكذا في حالة من العذاب اللامتناهي . و رحتُ أصرخ و أصرخ حتى أمسكتني زوجتي بقوة و ضمتني إلى صدرها و سألتني برقة ( أفندي , هل راودك الحلم نفسه ثانية ؟ )
=================================
ظل المحدث و الوليّ شمس التبريزي النبيّ درويشا جوّالا في الأرض و البلاد و بعد تجواله و خبراته لخّص أربعين حكمة و قاعدة للمريدين و السالكين في الصوفية .
إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب لنا سوى الخوف والملامة فهذا يعنى أن قدرً كبيرًا من الخوف والملامة يتدفق لقلوبنا، أما إذا رأينا الله مُفعمًا بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك.
إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب لا من الرأس، فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيسي. واجه، تحدَّ، وتغلب في نهاية المطاف على «النفس» بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله.
إنه يمكنك أن تدرس الله من خلال كل شيء وكل شخص في هذا الكون، لأن وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة. لكنك إذا كنت لا تزال تريد أن تعرف أين يقع عرشه بالتحديد، يوجد مكان واحد فقط تستطيع رؤيته وهو قلب عاشق حقيقي، فلم يعش أحد بعد رؤيته ولم يمت أحد بعد رؤيته. فمن يجده يبقى معه إلى الأبد.
يتكون الفِكر والحب من مواد مختلفة. فالفكر يربط البشر في عُقَد لكن الحب يذيب جميع العُقَد. إن الفِكر حذرٌ على الدوام وهو يقول ناصحًا «إحذر الكثير من النشوة» بينما الحب يقول «لا تكترث أقدم على هذه المجازفة» وفي حين أن الفكر لا يُمكن أن يتلاشى بسهولة، فإن الحب يتهدم بسهولة ويصبح ركامًا من تلقاء نفسه. لكن الكنوز تتوارى بين الأنقاض، والقلب الكسير يخبيء كنوزًا.
تنبع مُعظم مشاكل العالم من أخطاء لغوية ومن سوء فهم بسيط. لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مُطلقا وعندما تلج دائرة الحب تكون اللغة التي نعرفها قد عفى عليها الزمن. فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات لا يمكن إدراكُه إلا بالصمت.
الوحدة والخُلوة شيئان مختلفان فعندما تكون وحيدًا من السهل أن تخدع نفسك ويخيَل إليك أنك تسير على الطريق القويم. أما الخُلوة فهي أفضل لنا، لأنها تعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر بأنك وحيد. لكن في نهاية الأمر من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك. تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقًا إلا في قلب شخصٍ آخر، وبوجود الله في داخلك.
مهما حدث في حياتك ومهما بدت الأشياء مزعجة فلا تدخل ربوع اليأس. وحتى لو ظلت جميع الابواب موصدة فإن الله سيفتح دربا جديدًا لك. إحمد ربك! من السهل عليك أن تحمد الله عندما يكون كل شيء على ما يرام. فالصوفي لا يحمد الله على ما منحه الله إياه فحسب! بل يحمده أيضًا على كل ما حرمه منه.
لا يعني الصّبر أن تتحمل المصاعب سلبًا، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعنى الصبر؟ أنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر. أما نفاد الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة. إن عشاق الله لا ينفد صَّبرهم مطلقًا، لأنهم يعرفون أنه لكي يُصبح الهلال بدرًا فهو يحتاج إلى وقت. لقد خلق الله المعاناة حتى تظهر السعادة من خلال نقيضها. فالأشياء تظهر من خلال أضدادها، وبما أنه لا يوجد نقيض لله فإنه يظل مخفيًا.
لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله، فلكل إمرئٍ طريقته وصلاته الخاصة إن الله لا يأخذنا بكلمتنا بل ينظر في أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين، بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا.
لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك. فإذا سافرت في داخلك فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه.
عندما تجد القابلة أن الحُبلى لا تتألم أثناء المخاض، فإنها تعرف أن الطريق ليس سالكًا بعد لوليدها. فلن تضع وليدها إذًا. ولكي تولد نفس جديدة يجب أن يكون ألم. وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتد فالحب لا يكتمل إلا بالألم.
إن السعي وراء الحبّ يغيّرنا. فما من أحد يسعى وراء الحبّ إلا وينضج أثناء رحلته. فما إن تبدأ رحلة البحث عن الحبّ، حتى تبدأ تتغيّر من الداخل ومن الخارج.
يوجد مُعلمون مُزيفون وأساتذة مُزيفون في هذا العالم أكثر عددًا من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السُلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مُطلقة أو إعجابًا تامًا مِنك. بل يساعدك على أن تُقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلميين الحقيقيين شفافون كالبلور، يَعبر نور الله من خلالهم.
لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك. بل دَع الحياة تعيش فيك. ولا تقلق إذا قلَبت حياتك رأسًا على عقب. فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدتَ عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟
إن الله مُنهمك في إكمال صُنعك من الخارج ومن الداخل. إنه مُنهمك بك تمامًا. فكُل إنسان هو عمل متواصل يتحرك ببطء لكن بثبات نحو الكمال. فكُل واحدٍ مِنا هو عبارة عن عمل فني غير مُكتمل يسعى جاهدًا للاكتمال. إن الله يتعامل مع كل واحد مِنا على حِدة لأن البشرية لوحةٌ جميلة رسمها خطاطٌ ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.
من السهل أن تُحب إلاهًا يتصف بالكمال، النقاء، والعظمة، لكن الأصعب من ذلك أن تُحب إخوانك البشر بكل نقائصهم وعيوبهم. تذكر! إن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يُحبُه. فلا حكمة من دون حبّ. وما لم نتعلم كيف نُحب خلق الله، فلن نستطيع أن نُحب حقًا ولن نعرف الله حقًا.
إن القذارة الحقيقية تقبع في الداخل. أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يُمكن تطهيرها بالماء النقي وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نُطهر أجسامنا بالزُهد والصّيام. لكن الحبّ وحده هو الذي يطهر قلوبنا.
يقبع الكون كُله داخل كل إنسان في داخلك. كل شيء تراه حولك بما في ذلك الأشياء التي قد لا تُحبها. حتى الأشخاص الذين قد نحتقرهم أو نمقتهم يقبعون في داخلك بدرجات متفاوته. لا تبحث عن الشيطان خارج نفسك أيضًا. فالشيطان ليس قوة خارقة تُهاجمك من الخارج بل هو صوت عادي ينبعث من داخلك. فإذا تعرفت على نفسك تمامًا وواجهت بصدق وقسوة جانبيك المظلم والمشرق. عندها تبلغ أرقى أشكال الوعي وعندما تعرف نفسك فإنك ستعرف الله.
إذا أراد المرء أن يُغير الطريقة التي يُعامله فيها الناس. فيجب أن يُغير أولًا الطريقة التي يُعامل بها نفسهُ. وإذا لم يتعلم كيف يُحب نَفسهُ حبًا كاملًا صادقًا، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يحب. لكنه عندما يبلغ تلك المرحلة، سيشكر كل شوكة يلقيها عليه الآخرون. فهذا يدل على أن الورود ستنهمر عليه قريبًا. كيف يمكن للمرء أن يلوم الآخرين لأنهم لا يحترمونه إذا لم يكن يعتبر نفسه جديرًا بالاحترام؟
لا تهتم إلى أين سيقودك الطريق بل ركز على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة يجب أن تتحمل مسؤولياتها. وما أن تتخذ تلك الخطوة دَع كل شيء يجري بشكل طبيعى وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسير مع التيار بل كن أنت التيار.
القاعدة الحادية والعشرون:
لقد خلقنا جميعًا على صورته. ومع ذلك فإننا جميعًا مخلوقات مُختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان. ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون مُتشابهين لخلقنا متشابهين. لذلك فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله.
القاعدة الثانية والعشرون:
عندما يدخل عاشق حقيقي لله إلى حانة فإنها تُصبح غرفة صلاته. لكن عندما يدخل شارب الخمر إلى الغرفة نفسها فإنها تُصبح خمارته. ففي كل شيء نفعله قلوبنا هي المهمة لا مظاهرنا الخارجية. فالصوفيون لا يحكمون على الآخرين من مظهرهم أو من هُم. وعندما يُحدق صوفي في شخص ما فإنه يغمض عينيه ويفتح عين ثالثة، العينُ التي ترى العالم الداخلي.
القاعدة الثالثة والعشرون:
ما الحياة إلا دين مؤقت وما هذا العالم إلا تقليد هزيل للحقيقة. والأطفال فقط هم الذين يخلطون بين اللعبة والشيء الحقيقي. ومع ذلك فإما أن يفتتن البشر باللعبة أو يكسِروها بازدراء ويرموها جانبًا. في هذه الحياة تحاشى التطرف بجميع أنواعه لأنه سيحطم إاتزانك الداخلي. فالصوفي لا يتصَرف بتطرف بل يظل مُتسامحًا ومعتدلًا على الدوام.
القاعدة الرابعة والعشرون:
يتبوأ الإنسان مكانة فريدة بين خلق الله. إذ يقول الله «ونفختُ فيه من روحي» فقد خُلقنا جميعًا من دون إستثناء لكي نكون خلفاء الله على الأرض. فاسأل نفسك كم مرة تصرفت كخليفة له، هذا إن فعلت ذلك؟ تذكر أنه يقع على عاتق كل مِنا اكتشاف الروح الإلهية في داخله حتى يعيش وفقها.
القاعدة الخامسة والعشرون:
إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحُلم بالجنة، لأنهما موجدتان في هذه اللحظة بالذات. ففي كل مرة نُحب، نصعد إلى السماء. وفي كل مرة نكره أو نحسد أو نحارب أحدًا فإننا نسقط مباشرةً في نار جهنم.
القاعدة السادسة والعشرون:
لا ضرر ولا ضرار. كن رحيمًا. لا تكن نمامًا حتى لو كانت كلمات بريئة. لأن الكلمات التي تنبعث من أفواهنا لا تتلاشى بل تظل في الفضاء اللانهائي إلى ما لا نهاية، وستعود إلينا في الوقت المناسب. إن معاناة إنسان واحد تؤذينا جميعًا. وبهجة إنسان واحد تجعلنا جميعًا نبتسم.
القاعدة السابعة والعشرون:
يُشبه هذا العالم جبلًا مكسوًا بالثلج يردد صدى صوتك. فكل ما تقوله سواء أكان جيدًا أم سيئًا، سيعود إليك على نحو ما. لذلك إذا كان هناك شخص يتحدث بالسوء عنك فإن التحدث عنه بالسوء بالطريقة نفسها يزيد الأمر سوءً. وستجد نفسك حبيس حلقة مُفرغة من طاقة حقودة. لذلك إنطق وفكر طوال أربعين يوما وليلة بأشياء لطيفة عن ذلك الشخص. إن كل شيء سيصبح مختلفًا في النهاية لأنك سَتصبح مُختلفًا في داخلك.
القاعدة الثامنة والعشرون:
إن الماضي تفسير، والمستقبل وهم. إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل. بل إن الزمن يتحرك من خلالنا وفي داخلنا في لوالب لا نهاية لها. إن السرمدية لا تعني الزمن المطلق، بل تعني الخلود.
القاعدة التاسعة والعشرون:
لا يعني القدر أن حياتك محددة بقدر محتوم. لذلك فإن ترك كل شئ للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مُطلق. إن موسيقى الكون تَعُم كل مكان وتتألف من أربعين مستوى مُختلفًا. إن قَدرك هو المستوى الذي تَعزفين فِيه لحنك. فقد لا تغيرين آلتُكِ الموسيقية بل تُبدلين الدرجة التي تجيدين فيها العزف.
إن الصوفي الحق هو الذي يَتَحمل الصّبر حتى لو إتُهم باطلًا. وتعرض للهجوم من جميع الجهات ولا يوجِه كلمة نابية واحدة إلى أي مُنتقديه. فالصوفي لا ينحي باللائمة على أحد. فكيف يمكن أن يوجد خصوم أو منافسون أو حتى «آخرون» في حين لا توجد «نفس» في المقام الأول؟ كيف يمكن أن يوجد أحد يلومه في الوقت الذي لا يوجد فيه إلا «واحدًا»؟
القاعدة الحادية والثلاثون:
إذا أردت أن تُقوي إيمانك فيجب أن تكون ليّنًا في داخِلك. لأنه لكي يشتد إيمانك ويصبح صلبًا كالصخرة يجب أن يكون قلبك خفيفًا كالريشة. فإذا أُصِبنا بمرض أو وقعت لنا حادثة أو تعرضنا لخسارة أو أصابنا خوف بطريقة أو بإخرى، فإننا نواجه جميعًا الحوادث التي تُعلمنا كيف نصبح أقل أنانية وأكثر حكمة وأكثر عطفًا وأكثر كرمًا. ومع أن بعضنا يتعلم الدرس ويزداد رِقة واعتدالًا، يزداد آخرون قسوة. إن الوسيلة التي تمكنك من الاقتراب من الحقيقة أكثر تكمن في أن يتسع قلبك لإستيعاب البشرية كلها، وأن يظل فيه مُتسع لمزيد من الحب.
القاعدة الثانية والثلاثون:
يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله، لا ائمة ولا قساوسة ولا أحبار ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك لكن لا تفرضها على الآخرين. وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين فمهما كانت العقيدة التي تعتنقها فهي ليست عقيدة جيدة. ابتعد عن عبادة الأصنام بجميع أنواعها لأنها تشوه رؤيتك. ليكن الله والله وحده دليلك. تعلم الحقيقة، لكن احرص على ألا تصنع من الحقائق التي تتكون لديك أوثانًا.
القاعدة الثالثة والثلاثون:
على الرغم من أن المرء في هذا العالم يُجاهد ليحقق شيئًا ويُصبح شخصًا مهمًا، فإنه سَيُخلف كل شيء بعد موته. إنك تهدف إلى بلوغ المرحلة العليا من العدم. عِش هذه الدنيا خفيفة وفارغة مثل الرقم صفر. إننا لا نختلف عن أصيص الزرع، فليست الزينة في الخارج بل الفراغ في داخلنا هو الذي يجعلنا نقف منتصبى القامة. فالوعي بالعدم وليس ما نتطلع إلى تحقيقه هو الذي يُبقينا نواصل الحياة.
القاعدة الرابعة والثلاثون:
لا يعني الاستسلام أن يكون المرء ضعيفًا أو سلبيًا، ولا يؤدي إلى الإيمان بالقضاء والقدر أو الاستسلام، بل على العكس تمامًا. إذ تكمن القوة الحقيقية في الاستسلام - القوة المنبعثة من الداخل. فالذين يستسلمون للجوهر الإلهي في الحياة يعيشون بطمأنينة وسلام حتى عندما يتعرض العالم برمته إلى اضطراب تلو الاضطراب.
القاعدة الخامسة والثلاثون:
في هذا العالم، ليست الأشياء المتشابهة أو المنتظمة، بل المتناقضات الصارخة، هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام. ففي داخل كل منا توجد جميع المتناقضات في الكون، لذلك يجب على المؤمن أن يلتقي بالكافر القابع في داخله؛ وعلى الشخص الكافر أن يتعرف على المؤمن الصامت في داخله. وإلى أن نصل إلى اليوم الذي يبلغ فيه المرء مرحلة الكمال، مرحلة الإنسان المثالي، فإن الإيمان ليس إلا عملية تدريجية، ويستلزم وجود نظيره: الكفر.
القاعدة السادسة والثلاثون:
لقد خُلق هذا العالم على مبدأ التبادل؛ فكلّ امريء يُكافأ على كلّ ذرة خير يفعلها، ويعاقب على كلّ ذرة شرّ يفعلها. لا تخف من المؤامرات، أو المكر، أو المكائد التي يحيكها الآخرون؛ وتذكّر أنه إذا نصب لك أحدهم شركًا، فإن الله يكون قد فعل ذلك. فهو المخطط الأكبر. إذ لا تتحرك ورقة شجرة من دون عِلمه. آمن بذلك ببساطة وبصورة تامة. فكلّ ما يفعله الله يفعله بشكل جميل.
القاعدة السابعة والثلاثون:
إن الله ميقاتي دقيق. إنه دقيق إلى حد أن ترتيبه وتنظيمه يجعلان كل شيء على وجه الأرض يتم في حينه. لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة. والساعة تمشي بدقة شديدة بالنسبة للجميع بلا استثناء. فلكل شخص وقت للحب ووقت للموت.
القاعدة الثامنة والثلاثون:
ليس من المتأخر مطلقًا أن تسأل نفسك، هل أنا مستعد لتغيير الحياة التي أحياها؟ هل أنا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟ وحتى ولو كان قد تبقى من حياتك يوم واحد يشبه اليوم الذي سبقه، ففي كل لحظة ومع كل نفس جديد، يجب على المرء أن يتجدد ويتجدد ثانية. ولا توجد إلا وسيلة واحدة حتى يولد المرء في حياة جديدة وهي أن يموت قبل الموت.
القاعدة التاسعة والثلاثون:
مع أن الأجزاء تتغير فإن الكل يظل ذاته. لأنه عندما يغادر لص هذا العالم، يولد لص جديد، وعندما يموت شخص شريف، يحل مكانه شخص شريف آخر. وبهذه الطريقة لا يبقى شيء من دون تغيير بل لا يتغير شيء أبدًا أيضًا. لأنه مقابل كل صوفي يموت يولد صوفي آخر في مكان ما في هذا العالم. إن ديننا هو دين العشق وجميع البشر مرتبطون بسلسلة من القلوب فإذا انفصلت حلقة منها حلت محلها حلقة أخرى في مكان آخر. إن الأسماء تتغير تأتي وتذهب لكن الجوهر يبقى ذاته.
لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تُريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو، نقى وبسيط. «العشق ماء الحياة والعشيق هو روح من النار»، يُصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء.
----------------------------------------------------
تروي لنا الكاتبة إحسان الملائكة مجموعة من الأقوال والحِكم والرؤى المنسوبة إلى شمس التبريزي، اخترنا منها ما يلي:
1- على الإنسان أن يتكلّم بحسب عقول المستمعين إليه.
2- الفرق بيننا وبين أهل السلطان أن ظاهرنا وباطننا واحد.
3- لو كان للبشر أرواح ما رأوا المال أثمن من أرواحهم.
4- الكلامُ ينبغي أن يؤدي إلى العمل، أما العمل ففي غير حاجة إلى كلام.
5- بأيّ ماء يمكن تطهير أدران النفس؟! اللهم إلاّ بماء المدامع.
6- عندما يحين أوان تفتّح الزّهرة، فلن يقف في وجهها أيّ عاشق.
7- إذا كنت تقضي وقتك في العلم المُجدي، فمن الخطأ أن تعدّه قد مضى وتتأسف عليه.
8- الإيمان والحبُّ يجعلان الإنسان بطلاً، إذ يصرفان عن قلبه جميع المخاوف.
9- أضعفُ النّاسِ ذلك المشغول المُنهمك بتحقيق نزواته الآنيّة.
10- طالب العلم محتاجٌ أن يسأل دائمًا: من أنا؟ ومن أين جئت؟ إلى أين أسير؟ لماذا؟ كيف؟
11- لا يستطيعُ أحدٌ الصبر على الإصغاء إلى ما يدور في مجالس العلماء إلا إذا كان مستصغرًا للمتع الدنيوية.
12- المغفلون والعوام لا يرضيهم إلا أحاديث التملّق والرياء، ولا يتبسطون في الكلام إلاّ مع ذي الوجهين، ولو تجاسرت على قول الحقيقة أمامهم فسوف يتأففون ويتضجرون منك، هذا إذا لم يوقعوك في مهالك تقصم ظهرك.
13- لا تيأس أبدًا، فبعد ظلام الليل تُشرقُ الشمس.
14- لا تخشَ السّلطان إلا حين يُغدق نعمه عليك.
15- الناسُ لا هَمّ لهم غير الاستئثار بمتعِ الحياةِ واكتساب المال عن كلّ طريق، وقلوبهم الفاسدة، لو تُركت لحالها لغفلت عن ذكر الله والاستغراق في عبادته. هذا هو السببُ في الفروض الدينية التي شرعها الأنبياء من صلاة وصومٍ وحجٍّ وزكاة… وإلاّ فقل لي ما صلةُ جوع المعدة بعبادتك لله؟
16- رجل الله هو الذي يحرصُ على تقديم الجواب الشافي حتى للكلب المار أمام الدار.
17- أبناء عصرنا يفترون على النبيّ محمّد، بل على الله نفسه، فلا ترو أحاديث لا تعرفها.
18- لا أكذب عليكم، نحن نرفضُ أن نكون في دين محمّد من المُقلّدين.
19- أنا في ارتقاءٍ مستمرٍ، فانظر إليّ كإنسانٍ متجدد نضر، وأنت مثلي في هذا، فإذا أحسست بالركود وخمول الذهن فعليك أن تسأل لماذا؟
20- من هو الإنسانُ الكامل؟ هو الذي إذا سمع انتقادات الناس لم يُبد انزعاجًا، ولم يتميّز غضبًا
=================================
أدعوا طيوري من المسلمين الأحمديين اليوسفيين إلى تدبر كلمات شمس التبريزي و التعليق على المقامات السبعة ثم على القواعد الأربعين لسلوك الصوفيين الجوّالين في الإسلام , و بيّنوا فائدة الصحبة الروحية و أثرها في مدارج السلوك الروحي , ثم تكلموا عن فلسفة رقصة ( سما ) .
كانت تلك تجليات من حياة مسيح من مسحاء المسلمين ظهر في القرن الثالث عشر الميلادي في ظروف تشبه ظروف زماننا هذا حيث انتشر الإلحاد بسبب هزيمة المغول للمسلمين , كان المحدّث و الوليّ شمس التبريزي النبيّ من أهم أسباب عودة المسلمين للإيمان مجددا بالله تعالى . و من قبله محيي الدين ابن عربيّ . الله ربي و رب آبائي الأولين . يوسف بن المسيح , مصر .